InterAffairs

السبت09222018

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
Vladimir Sajine

Vladimir Sajine

chercheur à l’Institut d’études orientales de l’Académie des sciences de Russie, licencié en histoire  

الأربعاء, 13 حزيران/يونيو 2018 13:28

التاريخ يعيد نفسه

 

 

رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي السابق تامر باردو صرح في الآونة الأخيرة بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يعد لهجوم على إيران في عام 2011.

وفي هذا الإطار أكد السيد باردو بأن الأمر الذي صدر للقوات من أجل التحضير للعدوان لم يكن مجرد اختباراَ أو تدريباً. إذ أن تل أبيب كانت تخطط للقيام بهجوم في غضون 15 يوماً، والذي على الرغم من كل التحضيرات لم ير النور.

والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا وراء هذا التصريح؟

لم يحمل التصريح الذي أدلى به ضابط المخابرات الإسرائيلي أي مفاجئة تاريخية، بمعنى لم يأت بأي جديد للمؤرخين في المنطقة. الجميع يتذكر جيداً أنه بحلول عام 2011 كان الوضع حول إيران، أو بالأحرى حول برنامجها النووي، متأزماً إلى أقصى حد.

حيث وصلت المفاوضات النووية، التي استمرت ثماني سنوات، والتي جرت بأشكال مختلفة، إلى طريق مسدود. وفي هذا السياق اتخذ مجلس الأمن الدولي في الفترة ما بين 2006-2010 ستة قرارات تدين إيران بسبب عدم السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية الإشراف على برنامجها النووي، وعدم الرغبة في التوصل إلى حل وسط أثناء المفاوضات. وقد تضمنت أربع من هذه الوثائق التي صدرت من مجلس الأمن عقوبات اقتصادية دولية ضد إيران. ومع ذلك فإن هذه الإجراءات العقابية لم تكن كافية لإقناع طهران بواقع الأمر.

القضية تكمن في أن "نافذة الأمل" لإيجاد حل سياسي للقضية النووية الإيرانية باتت تنغلق تدريجياً. وبالتالي بدأت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الاستعداد على أرض الواقع لحل عسكري للمشكلة الإيرانية. ومع ذلك لابد من الإشارة من أن السيناريوهات العسكرية كانت بالفعل على طاولات القادة في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 2011 صرح في هذا الصدد بن كاسبيت، وهو معلق سياسي أمني إسرائيلي معروف عن علاقته بقيادة بلاده، بأن إسرائيل في السنوات الأخيرة وبمبادرة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، صعدت على نطاق واسع الاستعدادات لتوجيه ضربة ضد إيران. وبحسب المعطيات فإن رئيس الوزراء كان يتمتع في إطار هذه القضية بدعم مطلق من وزير الدفاع إيهود باراك.

في ذلك الوقت كان السياسي الإسرائيلي المعروف، زعيم حزب كاديما شاؤول موفاز، الذي ولد في إيران، يعتقد بأن إسرائيل وحدها يجب أن تقوم بالقضاء على التهديد النووي الإيراني من خلال استخدام القوة.

وفي الأول من شهر آذار/مارس 2011 أفادت الأنباء بأن نورتن شوارتز قائد سلاح الجو الأمريكي صرح بأن مرؤوسيه وضعوا خطة لعملية عسكرية ضد إيران تضمنت ثلاثة سيناريوهات:

-         توجيه ضربة شاملة ضد واحدة أو عدة منشآت نووية رئيسية

-         توجيه ضربة صاروخية جوية محدودة الزمن والحجم (2-5 أيام) تستهدف المنشآت الحساسة للبنية التحتية النووية وقواعد الصواريخ ووسائط الدفاع الجوي والمطارات والقواعد البحرية الحربية وعقدة الاتصالات الرئيسية

-         القيام بعملية صاروخية جوية واسعة النطاق تستغرق عدة أيام لتوجيه ضربة صاروخية بهدف القضاء الكامل على المنشآت النووية والبنية التحتية العسكرية الأساسية في جمهورية إيران الإسلامية (السيناريو اليوغسلافي)

وكانت القوات الأمريكية في الوقت نفسه تدرس إمكانية استخدام أقوى الذخائر غير النووية، والحديث يدور عن قنبلة جديدة تزن 13.5طن، قادرة على تدمير المنشآت النووية للعدو تحت الأرض والموجودة ضمن هيكل اسمنتي بسماكة خرسانية تصل إلى 65 متراً.

بالإضافة إلى ذلك، فقد خططت القوات الجوية الأمريكية منح طائرات التزود بالوقود، إذا دعت الحاجة لذلك، لصالح المقاتلات الإسرائيلية التي ستقوم بتنفيذ عملية تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية.

بالفعل وقتئذ تركت الخطة العسكرية الخاصة بتسوية البرنامج النووي الإيراني انطباعاً كبيراً لدى القيادتين في تل أبيب وواشنطن. علاوة على ذلك فقد كان الجيش الإسرائيلي والأمريكي، معاً وبشكل منفصل، يقومان بتدريبات ومناورات، أخذين بعين الاعتبار مختلف الاحتمالات والخيارات للعمليات العسكرية التي يمكن شنها ضد إيران.

ومع ذلك، على ما يبدو، لم يتم دراسة احتمال القيام بعملية عسكرية برية طبقاً "للسيناريو العراقي" وذلك بسبب طبيعتها الطوباوية، وبسبب خصائص الوضع الإقليمي والدولي لذلك الوقت والظروف التي كانت تعيشها إيران.

الأمر الوحيد والاستثنائي كاد أن يكون من خلال القيام بعملية إنزال جوي لفك الحصار المحتمل عن مضيق هرمز (حيث حذرت طهران وهددت مراراً بإغلاقه) والسيطرة لاحقاً على خطوط النقل البحري في هذه المنطقة.

إذاً كانت الخطط كثيرة، وليس عبثاً أن الصحافة العالمية وبعض المؤسسات الهامة في مختلف بلدان العالم كانت تتحدث في عام 2011 مراراً وتكراراً عن الموعد المحدد بدقة للهجوم على إيران.

ولكن الذي حدث هو أن الاتحاد الأوروبي وبعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية فرضت في الفترة بين عامي 2011-2012 عقوبات ضد إيران، والتي اعتبرت بحسب رأي هيلاري كلينتون، عقوبات قاصمة سوف تجبر القيادة الإيرانية بتغيير موقفها في المستقبل المنظور.

في نهاية المطاف تم إلغاء سيناريو الضربة العسكرية الشاملة، وبدلاً منه تم تحقيق ضربة مالية اقتصادية شاملة ضد طهران، وهنا يمكن القول بأن هذه الضربة حققت هدفها إلى حد ما. إذ أن المشاكل الخطيرة، التي بدأت تطفو على السطح في الاقتصاد الإيراني، أجبرت طهران على إجراء تعديلات في سياستها.

في هذه الأثناء تم انتخاب حسن روحاني رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذه الشخصية ربما تكون الوحيدة من بين السياسيين في إيران، القادرة على التفاوض مع المجتمع الدولي حول البرنامج النووي الإيراني.

وبالفعل فقد تعامل الرئيس روحاني ببراعة مع هذه المهمة، وأصبح أحد مؤسسي خطط العمل الشاملة المشتركة، حيث تنفس العالم ومنطقة الشرق الأوسط الصعداء، وتم اعتبار الحرب ضد إيران عملية غير مجدية.

وها قد مضى حوالي ثلاث سنوات تقريباً، وقد حل عصر جديد في واشنطن حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خروجه من خطط العمل الشاملة المشتركة.

إذاً ماذا بعد؟ التاريخ يعيد نفسه. ودونالد ترامب وكأنه يمتطي آلة الزمن عاد بالوضع حول إيران إلى بداية العقد الثاني من القرن الحالي. فالوضع الخاص بالبرنامج النووي الإيراني عاد إلى الفترة 2011-2012، أي إلى تلك المواجهة مع جمهورية إيران الإسلامية التي تحدثنا عنها في وقت سابق.

والآن وبفضل الرئيس ترامب يتكرر كل شيء. ولهذا لم يكن من باب العبث عندما ذكرنا خيارات الضربة العسكرية ضد إيران، والتي تم وضعها في ظروف المواجهة القاسية مع إيران. وهذه السيناريوهات يمكن تنفيذها للأسف، ربما ليس اليوم أو غداً، ولكن بعد أن تستأنف طهران برنامجها النووي من دون أي اتفاقات أو حضور لمفتشين تابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك رداً على سياسة الرئيس ترامب ونتيجة لانهيار خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل كامل. وطهران في هذه الحالة سوف تقوم بإعداد قنبلتها الذرية، والتي بطبيعة الحال سوف تعود بالعالم إلى زمن الاضطراب الذي يسود المواجهة العسكرية في المنطقة، والذي ينطوي على عواقب كارثية تهدد منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره.

وبالتالي ليس من المستبعد أن يكون هذا كله هدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحقيقي.

 

الخميس, 30 تشرين2/نوفمبر 2017 13:05

روسيا وإيران في سورية: وحدة وصراع الأضداد

 

الوضع في سورية يتغير بسرعة كبيرة، وفكرة المصالحة باتت تشمل عدداً كبيراً من المشاركين في الأعمال القتالية من مختلف الأطراف. حالياً يتم تشكيل مناطق خفض التصعيد التي تشرف عليها كل من روسيا والولايات المتحدة والأردن، علماً أن العلاقة تجاه هذه المناطق مازالت غامضة من قبل اللاعبين السياسيين المنخرطين في سورية، بما في ذلك اللاعب "المحايد" إسرائيل. ولكن من الواضح بأن عملية تطور الصراع السوري بدأت تتحول إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة الكفاح السياسي والدبلوماسي من أجل مستقبل سورية.

الوحدة والاختلاف

إذا كانت موسكو وطهران تعملان سابقاً أو كانتا تحاولان التنسيق سوية من خلال حماية ودعم مؤسسات الدولة في سورية، يبدو أنه في هذه المرحلة ظهرت اختلافات في وجهات النظر حول مستقبل الجمهورية العربية السورية، وكذلك دور ومكان كل مشارك من المشاركين المتورطين في النزاع السوري.

من الناحية التكتيكية فإن مواقف موسكو وطهران تتطابق حول مستقبل سورية، ولكن من الناحية الاستراتيجية لا يوجد توافق في الرؤية. وفي هذا السياق كتب الباحث الروسي نيكولاي كوجانوف قائلاً: "لا يوجد لدى موسكو ولا طهران أوهام حول وجود اختلافات في ما يتعلق بالأهداف النهائية، التي تجبر روسيا وإيران على النضال من أجل الإبقاء على عمل مؤسسات الدولة السورية".

فروسيا تريد أن ترى سورية دولة علمانية، حيث تكون فيها جميع فئات المجتمع الدينية والعرقية متساوية. أما جمهورية إيران الإسلامية فهي تريد أن تساعد السوريين من أجل إنشاء هيكلية يمكن أن تحافظ على تفوق الطائفة العلوية (إحدى تيارات الشيعة في الإسلام) وبقية الأقليات الدينية الأخرى على الأغلبية من الطائفة السنية.

بشكل عام تركز طهران على تأسيس نظام في دمشق يمكن أن يضمن لإيران حصة الأسد في السياسة السورية، مما سيمكنها من تحقيق قرارات مربحة بالنسبة لها. قبل كل شيء الحديث يدور عن الحفاظ وتعزيز القوس الشيعي المكون من إيران والعراق وسورية ولبنان، والذي يشمل أيضاً الممر اللوجستي البري الذي يضمن إمكانية تقديم الدعم العسكري والتقني والمالي للقوى الموالية لإيران في مجال هذا القوس. أولاً وقبل كل شيء المقصود هنا حزب الله اللبناني.

حزب الله- أداة إيرانية قوية في سورية 

هذه الجماعة تعتبر في الكثير من البلدان إرهابية وهي صنيعة إيران وعائلة الأسد. فقد كان والد بشار الرئيس السابق للجمهورية العربية السورية حافظ الأسد، مع فيلق الحرس الثوري الإسلامي في إيران، وراء تأسيس هذه المنظمة في عام 1982، والتي كانت بمثابة سيف في وجه إسرائيل والمعارضين السياسيين ورجال الدين في لبنان نفسه.

إن الرؤساء من عائلة الأسد سمحوا بإنشاء المعابر، بحيث يمكن لفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإشراف على نشاط حزب الله بشكل كامل مع توريد الأسلحة والمعدات العسكرية لهذه الجماعة وتقديم الدعم المالي والمادي. كما قام الحرس الثوري بتدريب القيادات من حزب الله.

وبحسب تقييم نوار أوليفر وهو محلل عسكري من مركز إسطنبول للدراسات الاستراتيجية "عمران"، فإن عدد عناصر حزب الله في سورية يبلغ حوالي 10 آلاف شخص. ولكن هذا مكون شيعي واحد يدخل ضمن الجماعات الشيعية في سورية والتي تنشط تحت رعاية جمهورية إيران الإسلامية، ويصل تعدادها حوالي 70 ألف شخص. الحديث يدور عن متطوعين وميليشيات تم تجنيدهم من قبل الحرس الثوري الإيراني في إيران والعراق وأفغانستان وفي سورية نفسها.

واليوم على الرغم من أن دور حزب الله في سورية يتراجع بسبب الخسائر الكبيرة وتقليص عدد الأفراد والتركيز بشكل رئيسي على العودة إلى لبنان، لا تزال هذه الحركة المساعد الرئيسي لإيران من أجل تعزيز القوس الشيعي. البروفسور هلال خاشان في الجامعة الأمريكية في بيروت أشار إلى أنه تحت إمرة وقيادة الضباط من الحرس الإيراني، فإن الفيلق يستخدم حزب الله في إطار مخططاته لإقامة ممر بري من إيران إلى لبنان.

ومنذ شهر حزيران/يونيو 2016 أصبح حزب الله (وكذلك القوات الإيرانية) ينادي على نحو متزايد ضد اتفاق وقف إطلاق النار. حتى أن القضية وصلت إلى مواجهات مفتوحة مع القوات الحكومية، بما في ذلك أثناء العملية في حلب، التي كان ينبغي أن تنفذ بشكل مشترك. بالإضافة إلى ذلك وجدت القوات الفضائية الجوية الروسية نفسها مضطرة لقمع مواقع المقاتلين الشيعة عندما أعاقت قوات تدعمها إيران خطط إجلاء المدنيين إلى مناطق آمنة.

الصراع من أجل الأراضي

موسكو اقترحت أكثر من مرة دمج الجماعات الشيعية ضمن صفوف القوات المسلحة السورية، لكي تعمل تحت قيادة موحدة، مع أهداف وغايات مشتركة. ولكن إيران لا يبدو أنها كانت ترغب أن تفقد أداة الضغط على دمشق، ومن جهة أخرى التخلي عن أداة السيطرة إن لم يكن على كامل الأراضي السورية فعلى الأقل على أكثر المناطق أهمية بالنسبة للمصالح الإيرانية.

إحدى هذه المناطق، بالإضافة إلى الممر الشيعي، أصبحت محافظة دير الزور، تلك المنطقة الهامة استراتيجياً واقتصادياً والغنية بموارد النفط والغاز. الخبير العسكري ألكسندر بيريجييف الدكتور في جامعة الاقتصاد الروسية أكد بأنه هناك لعبة حول دير الزور لا علاقة لها بمحاربة الإرهاب بشكل مباشر، وأشار في هذا الإطار قائلاً: "إن السيطرة على هذه المحافظة يعني السيطرة على المواد الموجودة فيها. روسيا على الرغم من أنها تقدم الدعم للحكومة الشرعية التي يرأسها بشار الأسد، لا تريد السيطرة على منطقة ما من المناطق، لا بل على العكس من ذلك، تسعى أن يكون تحت مسؤوليتها الجزء الرئيسي من سورية التي تسيطر عليها الحكومة الرسمية في دمشق. أما فيما يتعلق بإيران هناك إشارات استفهام. فمن جهة إيران تحاول ضمان السلام في سورية، ولكن بحيث تكون الأراضي المحررة تحت سيطرة الحكومة السورية وهذه مسألة أخرى تماماً.

إيران وإسرائيل: التناقضات

إن إسرائيل التي تعتبر الخصم العسكري والسياسي والإيديولوجي الرئيسي لإيران في الشرق الأوسط، ترى في أعمال طهران في سورية تهديداً مباشراً لها. وهناك من يعتقد في إسرائيل أن أهداف إيران في سورية ليس محاربة الإرهاب والجماعات المعارضة المسلحة بقدر ما هو الاستيلاء على الأراضي السورية وتعزيز مواقعها في منطقة الشرق الأوسط.

وكما يعتقد أنطون مارداسوف رئيس قسم دراسات النزاعات الشرق أوسطية في معهد التنمية المبتكرة، فإن قلق الجانب الإسرائيلي حيال تعزيز دور إيران في المنطقة لا يمكن اعتباره من دون سبب. وبحسب رأيه فإن طهران بالفعل تسعى قبل كل شيء لتحقيق أهدافها الخاصة، وعندما سيكون الأمر في صالحها فإنها لن تمانع في اللجوء إلى أساليب تصعيد الأزمة السورية. وبالتالي فإن إيران ومن أجل تحقيق أهدافها تستفز إسرائيل والولايات المتحدة للقيام بأعمال أكثر تطرفاً.

ويؤكد هنا المحلل السياسي قائلاً: "هناك أسباب لقلق إسرائيل من الوحدات الإيرانية، لأن طهران تواصل تعزيز تواجدها العسكري في سورية وتقوم في الوقت ذاته بنشر المذهب الشيعي في المناطق السنية، وهذا بحد ذاته أمر خطير للغاية من وجهة نظر الصراع بين الطوائف. إن الأراضي الشاسعة في الصحراء السورية تسيطر عليها هذه القوات الموالية لإيران، وفي المستقبل يمكن لإيران أن تشكل ما يسمى بالممر الشيعي. وهذا هو عامل مزعزع للاستقرار يمكن أن يعيق عملية التسوية السياسية".

والدليل على ذلك هو حقيقة أن إيران لم تكن متحمسة لفكرة وقف إطلاق النار الروسية، بحجة أن هذا الاتفاق يسمح للعدو إعادة تنظيم صفوفه وجمع قواه لكي يهاجم مرة أخرى القوات الموالية للرئيس الأسد. ولهذا طالب الإيرانيون استمرار الأعمال القتالية.

مناطق خفض التصعيد - طريق للسلام؟

لكن الخسائر الكبيرة في ساحة المعركة كانت عامل فتور للإيرانيين. ففي عاصمة كازاخستان أستانا وافقت طهران خلال المفاوضات الثلاثية بين روسيا وتركيا وإيران على إنشاء مناطق خفض التصعيد. جرى الحديث لإنشاء أربع مناطق خفض التصعيد في سورية (في محافظات إدلب وحمص وشرق الغوطة وجنوب غرب سورية). لكن للأسف لم يتم حتى الآن التنسيق بين الدول الضامنة من أجل حدود هذه المناطق.

ومع ذلك في السابع من شهر تموز/يوليو وبمبادرة من روسيا تم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء مناطق خفض تصعيد في جنوب غرب سورية في مناطق درعا والقنيطرة والسويداء، علماً أن روسيا والولايات المتحدة والأردن أخذت على عاتقها مسألة مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار في هذه المنطقة. كما تم في هذا البلد إنشاء مركز رصد يضمن بواسطة الخبراء الروس والأمريكيين التواصل بين الأطراف المتحاربة. في البداية ستقوم الشرطة العسكرية الروسية بضمان الأمن في مناطق خفض التصعيد بالتنسيق مع الأمريكان والأردنيين.

في 22 تموز/يوليو أصبح معروفاً أنه تم التوقيع على اتفاق حول منطقة خفض التصعيد في الغوطة الشرقية (بالقرب من دمشق إلى الشمال من المناطق الجنوبية الغربية). وقد أشار وزارة الدفاع الروسية إلى أن هذا الاتفاق جاء نتيجة المحادثات التي جرت في القاهرة، والتي كانت بمشاركة ممثلين عن وزارة الدفاع الروسية وأعضاء من المعارضة السورية المعتدلة بوساطة الجانب المصري. حيث ستقوم كل من الولايات المتحدة وروسيا بمراقبة منطقة خفض التصعيد الجديدة.

إسرائيل بدورها تشعر بالقلق إزاء استخدام مناطق خفض التصعيد هذه من قبل إيران والجماعات الشيعية المؤيدة لها. وتل أبيب لا تسمح بشكل قاطع حتى باحتمال وجود أو تحرك القوات الإيرانية أو حزب الله على الأراضي السورية بالقرب من حدودها في منطقة خفض التصعيد الجنوبية الغربية. وهنا يحث الإسرائيليون بشدة إلى انسحاب معظم القوات الإيرانية من سورية وكذلك الميليشيات العراقية الموالية لإيران وفصائل حزب الله أيضاً.

في هذا السياق صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما تم الحديث عن مناطق خفض التصعيد قائلاً: "أنا مستعد لتأييد أي مبادرة إذا كانت ستؤدي إلى السلام. لكن في الوقت نفسه سوف نراقب عن كثب الأوضاع بحيث لا تظهر قواعد عسكرية لحزب الله وإيران في هذه المناطق".

وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أوضح كلمات رئيس وزرائه، فبحسب رأيه إذا كانت مناطق خفض التصعيد هذه سوف تستخدم من أجل تعزيز مواقع قوات حزب الله أو أي قوات مدعومة من إيران فإن إسرائيل ستترك لنفسها الحق في التصرف. بمعنى آخر تل أبيب ترسل إشارة ذات مغزى واضح حول الاستعداد لتسوية مشكلة أمنها بشكل مستقل أمام هذه التهديدات.

الجدير بالذكر أن مسألة إنشاء منطقتين من مناطق خفض التصعيد من قبل روسيا والولايات المتحدة جاء بعد إجراء المشاورات مع تل أبيب. ففي المؤتمر الصحفي الذي عقد في هامبورغ يوم 8 تموز/يوليو خلال قمة العشرين أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما تطرق بالحديث عن منطقة خفض التصعيد المتفق عليها، إلا أنه تم إجراء مشاورات مع إسرائيل وإنه سوف تستمر هذه المشاورات في المستقبل القريب.

وفي 17 من شهر تموز/يوليو صرح سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي بأن موسكو وواشنطن بذلتا كل ما في وسعهما لمراعاة مصالح وضمان أمن إسرائيل لدى إنشاء منطقة خفض التصعيد في جنوب سورية.

ليس من قبيل الصدفة في أن التدابير العملية الخاصة بإنشاء منطقة خفض التصعيد جنوب غرب البلاد ومنطقة الغوطة الشرقية، لم تنسق مع الإيرانيين بشأن نظام عمل هذه المناطق وضمان السيطرة والمراقبة والأمن. وإنه من غير المرجح أن يتم نشر القوات الإيرانية في هذه المناطق أو الميليشيات المسلحة الموالية لها أو مجرد عبور هذه القوات من خلالها.

المصالح الروسية وإيران

إن المصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط متعددة الاتجاهات ولا تركز فقط على إيران، التي تعاني حالياً من وضع صعب إن كان ذلك في الفضاء الجيواستراتيجي (المواجهة الإيرانية الشيعية مع السنة)، أو إن كان ذلك في إطار المنطقة، حيث تصطدم مصالحها العسكرية والسياسية مع قوى إقليمية عديدة.

في الوقت ذاته فإن روسيا، من خلال الدفاع عن مصالحها في الشرق الأوسط ولاسيما في سورية، تحافظ على علاقات تجارية طبيعية مع دول المنطقة، بما في ذلك مع البلدان المناهضة لإيران مثل المملكة السعودية وإسرائيل. في هذه الحالة فإن الدخول في حلف استراتيجي مع إيران يمكن أن يضعف موقف روسيا وأن يؤدي إلى المواجهة مع معظم بلدان المنطقة أولاً، ومع الغالبية السنية في العالم ثانياً، وهذا بحد ذاته قد يكون محفوفاً بعواقب سياسية داخلية تهدد روسيا باعتبارها بلد متعدد الأديان.

في هذا الصدد من المنطق أن تقيم موسكو أنشطة طهران في سورية بشكل براغماتي. خاصة فيما يتعلق برغبتها في فرض وصاية على دمشق على أقل تقدير، وإنشاء قاعدة سياسية إيديولوجية سياسية (وربما عسكرية) لنشر نفوذها الشيعي الفارسي ليس فقط في سورية وإنما في المنطقة برمتها. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار واحتمال حدوث انفجار حقيقي على الجبهة الإيرانية الإسرائيلية وعلى الجبهة الإيرانية والدول العربية. إن تطور الأحداث بهذا الشكل بالكاد أن يكون مطابقاً لمصالح روسيا، التي تدافع عنها موسكو باستمرار. وهنا بالذات بحسب العديد من المحللين السياسيين، يكمن سبب وجود منافسة بين موسكو وطهران في سورية. قبل كل شيء فإن التنافس يصب للتأثير على السلطة السورية بين اللوبي المحلي الموالي لروسيا واللوبي المؤيد لإيران. علاوة على ذلك نلاحظ من الجانب الإيراني وجود بعض الغيرة تجاه موسكو، وهذا الأمر بطبيعة الحال لن يفضي إلى إقامة علاقات استراتيجية تحالفية وثيقة ومنفتحة.

في رأيي، تحدث نعمة الله يزدي آخر سفير لإيران في الاتحاد السوفيتي وأول سفير لإيران في روسيا في أحد مقابلاته، عن فكرة صادقة ومناسبة قائلاً: "لا يمكن لطهران وموسكو أن تصبحا حليفتان استراتيجيتان، ولكن يجب أن تكون هناك استراتيجية لتطوير علاقتهما".

للأسف فإن استراتيجية تطوير العلاقات الثنائية تبقى غامضة في يومنا الحالي. وإذا ما تحدثنا عن السياسة فإنه كما ذكرنا سابقاً لا يوجد توافق كامل للآراء تجاه قضية هامة مثل الأزمة السورية. يبدو أنه لا توجد خطة مشتركة لكيفية حل هذه المشكلة.

ربما تكون المواجهة التكتيكية للغرب إحدى النقاط القليلة التي تخلق تقارباً نظرياُ بين موسكو وطهران، وخاصة اليوم عندما تتجمع الغيوم المكثفة من العقوبات مرة أخرى فوق سماء روسيا وإيران. لكن هذا لا يكفي، إذ أن الطرح الذي تقدم به وزير الخارجية الروسي الأسبق رئيس المجلس الروسي للعلاقات الدولية إيغور ايفانوف خلال المشاركة في مؤتمر بعنوان "تطوير الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران" يوضح بشكل لا لبس فيه أن الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران لا يمكن أن تبنى على أساس المواجهة المشتركة للغرب. هذه الشراكة يجب أن تكون مبنية على أساس رؤية شاملة لحل قضايا العصر العالمية من خلال خرائط طريق مدروسة تهدف لتحقيق استقرار الوضع في المناطق المجاورة للبلدين، ومن خلال مقترحات مفصلة لإنشاء أنظمة إدارة دولية للموارد، وكذلك مبنية على مبادرات واقعية متعلقة بتحسين القواعد الأساسية للقانون الدولي".

من خلال الأخذ بعين الاعتبار جميع الأمور الإيجابية التي تراكمت خلال التعاون بين روسيا وإيران في سورية، من الضروري الاعتراف بصحة ما قاله نيكولاي كوجانوف الذي أشار إلى أن زواج المصلحة بين روسيا وإيران يسمح بتخفيف الصعوبات لكن لا يحل المشكلة، وإنما يؤجلها إلى وقت آخر عندما سيتم طرح هذه المشكلة مرة أخرى بشكل مباشر. واليوم فإن موضوع مستقبل سورية مطروحاً على بساط البحث بشكل مباشر ويتطلب حلاً استراتيجياً.

 

الكلمات الرئيسية: الولايات المتحدة- روسيا- إيران- سورية- الأزمة السورية- إسرائيل- استراتيجية العلاقات بين الشيعة والسنة- حزب الله- الحرس الثوري الإيراني