InterAffairs

الجمعة08232019

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الإثنين, 16 تموز/يوليو 2018 15:52

تركيا: بين الاقتصاد والسياسة

Rate this item
(0 votes)

تعليقاً على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، توصل يالجين دوغان الكاتب التركي في البوابة الالكترونيةT24 إلى استنتاج مفاده أن المنافس الوحيد لأردوغان حالياً هو الاقتصاد الوطني(T24.com.tr)

لكن السلطات تؤكد أن الاقتصاد على ما يرام، في إشارة إلى إنه حظي العام الماضي بنمو وصلت نسبته إلى 7.4٪. وفي مقابلة أجراها مؤخراً مع وكالة بلومبرغ ذكّر رجب طيب أردوغان بأن نصيب الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد زاد من 3500 دولار إلى 11 ألف دولار، وأن تركيا بشكل عام أظهرت للعالم على إنها مثال أسطوري للتنمية والتطور(Bbc.com).

بشكل عام، نرى بأن الاقتصاد التركي هو عبارة عن صورة متناقضة إلى حد ما. فإلى جانب الإنجازات التي لا شك فيها، هناك في حقيقة الأمر مشاكل كثيرة. كما ارتفعت أسعار الفائدة على السندات الحكومية بشكل قياسي، مما يدل عليه عدم رغبة المستثمرين بالاستثمار في الاقتصاد. ففي شهر آذار\مارس، قامت وكالة موديز للتصنيف بتخفيض التصنيف الائتماني للبلاد، كما فعلت وكالة ستاندارت اند بورز الأمر نفسه في شهر أيار\مايو. وفي السنوات الأربع التي سبقت انتخاب الرئيس أردوغان، ارتفع معدل البطالة إلى 10.9٪، وبين الشباب - إلى 19٪. وانخفض سعر العملة الوطنية مقابل الدولار بنسبة 20٪ خلال خمسة أشهر من عام 2018، ونتيجة لذلك قفزت أسعار المستهلك بنسبة 12.15٪ على أساس سنوي في شهر أيار\مايو، بينما كانت هذه النسبة في شهر نيسان\أبريل 10.85٪.

الجدير بالذكر أن نسبة مؤشر الثقة الحالي تجاه الاقتصاد وصلت إلى 90.4٪، والتي انخفضت مقارنة مع شهر أيار\مايو بنسبة 3.1%، وهذه إشارة إلى إن عملية إعادة انتخاب أردوغان لم تعزز أبداً "الثقة في المستقبل."

وفي شهر أيار\مايو، نشرت مجلة فورين بوليسي مقالاً أوردت فيه ستة أخطاء رئيسية، بحسب رأيها، ارتكبها رئيس تركيا في السياسة الاقتصادية (Birgun.net)

وتورد المجلة، على رأس هذه القائمة،حقيقة اعتقاد الزعيم التركي أن جميع المشاكل تنبع من ارتفاع نسبة الفائدة على معدل إعادة التمويل، وبالتالي من ارتفاع أسعار الفائدة على القروض. مع أنه يعتقد أن مثل هذه السياسة المتبعة من قبل البنك المركزي لها ما يبررها في ظل ظروف انهيار العملة الوطنية وارتفاع نسبة التضخم. أردوغان، وبحسب رأي المجلة "يواصل الاعلان عن نهج غير تقليدي للتنظيم المالي، مفاده: "كلما انخفضت نسبة الفائدة، انخفض معدل التضخم". مع إنه هنا لا يدافع فقط عن "القاعدة الرئيسية"، ولكنه يمارس أيضاً بعض الضغوط الإدارية على البنك المركزي، الذي تعتبر سياسته النقدية مستقلة رسمياً. بالمناسبة، بعد الانتخابات، حاولت وكالة رويترز معرفة خطط وبرامج كبار المستثمرين في العالم تجاه العمل في تركيا. واتضح أن المستثمرين ينتظرون، وقبل كل شيء، يريدون أن يفهموا ما إذا كان البنك المركزي التركي سيكون مستقلاً فعلياً عن السلطات.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد وقت قصير من إعادة الانتخاب وعد أردوغان بتعزيز سيطرته على البنك المركزي، الذي على الرغم من استقلاليته، لا ينبغي أن يتجاهل الإشارات القادمة من الرئيس (Gazeteemek.com)

البند الثاني من هذه الائحة هو دعم النمو الاقتصادي الشامل والمستدام. وفي هذا الصدد، تحذر المجلة من أن هذا النمو سيؤدي إلى ارتفاع مستوى الركود والتضخم، وهذا بدوره سوف "يأكل"، الدخل ومدخرات السكان.

البند الثالث، بحسب المجلة، هو إن أردوغان واثق من أن المستثمرين سوف يقدمون الى تركيا في أي حال من الأحوال. في حين أن انهيار العملة الوطنية يجعلهؤلاء المستثمرين يشككون في الاستقرار السياسي للبلاد.

البند الرابع، هو أن المشكلة تكمن في ارتفاع الضرائب المفروضة على الطبقة الوسطى المدنية والمتعلمة، والتي عادةً ما تكون من المعارضة، وإعادة توزيع الدخل (العقود الحكومية) بين مؤيديها.

البند الخامس، اقتناع السلطات بأن مشاكل تركيا الاقتصادية هي نتيجة "التخريب" الهادف لبعض القوى الخارجية سيئة النية. وفي هذا الصدد، لا يعترف الرئيس التركي بتصنيف وكالات التصنيف الدولية، وهذا الأمر بدوره يخيف المستثمرين الأجانب.

البند السادس، هو إن تعزيز قبضة الدولة على حساب المجتمع المدني (جنباً إلى جنب مع البند 4) يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية في البلاد.

الاستنتاج العام هو أن "سلوك أردوغان في مسائل السياسة الاقتصادية لا يؤدي إلا إلى تفاقم الصعوبات في الاقتصاد".

وفي الوقت نفسه، حذر المرشح الرئاسي من الحزب الجمهوري الشعبي المعارض، محرم إنجي، خلال إحدى التظاهرات التي سبقت الانتخابات، من أن "الأزمة هي على الأعتاب. الحديث يدور عن أزمة اقتصادية، التي لن يكون أردوغان قادراً على التعامل معها. وهو بدلاً من ذلك، يفضل مواجهة العالم بأسره(sozcu.com.tr) . بالإضافة إلى ذلك، وعد إنجي حينها، في حال فوزه في الانتخابات، بوضع حد لاختلاس الأموال العامة، ملمحاً إلى إشباع الاقتصاد بالقروض وضمانات الدولة من أجل زيادة الاستثمار. على وجه الخصوص، من أجل تنفيذ "المشاريع العملاقة". وهذا الأمر بحد ذاته يحتاج لحديث مطول.

"خطط هائلة" (ما مجموعه 140 من المشاريع الضخمة) - "بطاقة تعرفة" جديدة باسم أردوغان.وقد تم بالفعل تنفيذ بعضها:

- سكك حديدية وأنفاق السيارات تحت قاع البوسفور ("مرمراي"). وهنا تدعي السلطات أن مارماراي قادرة على تحمل زلزال يصل إلى 9 درجات على مقياس ريختر. (إذ يتوقع العلماء أن تتعرض اسطنبول لزلزال قوي في المستقبل القريب).

- أكبر مسجد على تل بالقرب من مضيق البوسفور، بحسب رأي السلطات، قادر على استيعاب ما يصل إلى 38 ألف شخص

- جسر عبر خليج ازميت في بحر مرمرة والجسر الثالث عبر مضيق البوسفور، المصمم من أجل تسهيل حركة المرور في اسطنبول وأكثر الطرق ازدحاماً الواصل بين أنقرة – إسطنبول. ومع ذلك ، فإن سائقي السيارات الأتراك ليسوا في عجلة من أمرهم لإستخدام هذه الطرق على نطاق واسع بسبب الأسعار التعريفية الباهظة.

- القصر الرئاسي الجديد في منطقة محمية طبيعة في أنقرة، والذي يزيد حجمه بـ 30 مرة من البيت الأبيض و4 مرات قصر فيرساي. وبحسب رأي الخبراء، لا يوجد مثل هذا القصر الرئاسي الضخم والفاخر لدى رئيس دولة في العالم.

- بالقرب من اسطنبول تستكمل أعمال بناء أكبر مطار على هذا الكوكب. حيث يجب أن تصل حركة نقل الركاب إلى 150 مليون شخص في السنة (صاحب الرقم القياسي الحالي - مطار أتلانتا الذي يخدم 95 مليون مسافر. وفي الوقت نفسه، سيتم إغلاق مطار أتاتورك الذي يعمل بكامل طاقته في الجزء الأوروبي من المدينة. المطار الجديد يقع على بعد 63 كيلومترا من المدينة، ولا يصل المترو إلى هناك، وبالتالي لم يتضح بعد كيف سيصل عشرات الملايين من الركاب إلى المطار.

- وأخيراً، فإن المشروع الضخم الرئيسي هو "قناة اسطنبول"، التي ينبغي أن تربط البحر الأسود وبحر مرمرة، بموازاة البوسفور. وتخطط الحكومة، في هذا الاطار، إجراء مناقصة هذا العام، على أن يتم الانتهاء من أعمال البناء في عام 2023، الذي يصادف الذكرى المئوية للجمهورية التركية. ومن المتوقع أن القناة سوف تخفف الضغط عن البوسفور، الذي يقتصر نشاطه باستطاعة محدودة وذلك من خلال مرور 130 سفينة في اليوم فقط، فضلاً عن الحد من مخاطر الحوادث التكنولوجية في مدينة مكتظة بالسكان. وتقدر تكلفة المشروع رسمياً بمبلغ 15 مليار دولار، ولكن يتوقع الكثيرون في النهاية أن يزيد هذا المبلغ بأضعاف مضاعفة.

بالمناسبة، ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان أصحاب السفن على استعداد لدفع تكلفة المرور عبر القناة الجديدة، في الوقت الذي ينبغي على تركيا، وفقاً لأحكام اتفاقية مونترو، أن تسمح للسفن الأجنبية بعبور المضيق مجاناً.

يخشى العديد من العلماء من حدوث خلل في التوازن الطبيعي نتيجة بناء القناة، بين بحر مرمرة الحار والمالح وبين البحر الأسود الأقل ملوحة ودفئاً. ويمكن أن يؤدي نمو الازهار في مياه بحر مرمرة إلى عواقب كارثية على الحياة البحرية، وسوف تغطي رائحة كبريتيد الهيدروجين اسطنبول إلى الأبد. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الخبراء أن عملية إزالة الغابات التي لا مفر منها وتدمير مصادر المياه العذبة في غرب المدينة سوف يؤدي إلى تدهور الوضع البيئي في جميع أنحاء المنطقة.

وتؤكد السلطات بأن نصيب الأسد من تكاليف المشاريع الضخمة سوف يتحملها المستثمرون من القطاع الخاص، ولكن يتم ضمان الاستثمار من قبل ممتلكات الدولة، (خصوصاً من الأراضي)، ومع ذلك وفي حال عدم القدرة على استرداد الموارد الاستثمارية من خلال تشغيل المرافق الجديدة فإن الحكومة تعد بتعويض تكاليف رأس المال الخاص. لذا، وبحسب رأي الخبراء، يمكن أن يتحول المشروع بأكمله إلى قنبلة موقوتة تحت بساط الاقتصاد الوطني. وليس من العبث أن يوصي صندوق النقد الدولي بأن تنهج تركيا سياسة أكثر انتقائية أثناء اختيار المشاريع العملاقة.

وبالطبع، فإن الأثر الإيجابي لهذه المبادرات يعزز من سمعة النظام الحاكم في نظر الناخبين، ولكن ما تزال مسألة في أن يتحمل الاقتصاد التركي هذا العبء موضع شك لدى الكثيرين. إذ تبلغ التكلفة التمهيدية الإجمالية لكل المشاريع 325 مليار دولار مع ناتج محلي إجمالي قدره 849 مليار دولار لعام 2017. في الوقت نفسه، ووفقاً للمركز التركي للسياسة الخارجية والدراسات الاقتصادية (EDAM)، فإن العجز الحالي في الميزان التجاري للبلاد يبلغ 40 مليار دولار، والدين الخارجي الموحد يقترب من نصف تريليون دولار أمريكي، ومقدار الديون قصيرة الأجل - 170 مليار دولار، وتصل الحاجة السنوية للتمويل الخارجي للاقتصاد 200 مليار دولار (edam.org.tr). ومع ذلك فإن الرفض الافتراضي للالتزامات المكلفة والباهظة "المشاريع" قد يؤدي إلى تشويه صورة البلاد، في أن تصبح مؤشراً لعجزها الاقتصادي.

الوضع الاقتصادي المتقلب، يفرض حتماً قيوداً على سياسة أنقرة الخارجية. فبحسب رأي فاسيلي كولتاشوف رئيس مركز الدراسات الاقتصادية التابع لمعهد العولمة والحركات الاجتماعية، فإن المشكلة الرئيسية للاقتصاد التركي الموجه للتصدير هو في حجمه الصغير نسبياً، وعليه يبقى الاقتصاد عرضة للتحديات الخارجية والداخلية في حال عدم المشاركة في مشاريع تكاملية. وإن خلاص تركيا هو في أن تكون جزءاً من بنية اقتصادية ضخمة Eadaily.com

في إطار هذا الخطاب، فإن الاختيار بين الاتحادات السياسية والاقتصادية الغربية الممثلة بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي من جهة، والشرقية الممثلة بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومعاهدة منظمة شنغهاي. لكن رفض النهج الغربي للسياسة الخارجية، الذي أعلن عنه أردوغان، لم يحظ بعد النهاية المنطقية على شكل التقارب الحقيقي مع الشرق. ناهيك عن إن الابتعاد عن الغرب وحلفائه سيشكل لتركيا إشكالية حقيقية.

كما أشار المحلل السياسي والصحفي باريش دوستير بهذا الشأن قائلاً:

"لا يتم تحديد السياسة الخارجية من خلال عدد الأصوات التي يتم الحصول عليها في الانتخابات، وإنما من خلال قوة الدولة. إن علاقة تركيا بالغرب هي علاقة هيكلية، وبالتالي لن تتغير سياستها بين ليلة وضحاها"(T24.com.tr)

التقرير الذي تم إعداده من قبل مركز العلاقات الدولية والتحليل الاستراتيجي(TÜRKSAM)، يفيد بأن انجراف تركيا تجاه روسيا وإيران والصين، والتنازل الفعلي عن الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، أدى إلى تدهور العلاقات مع السعودية وقطر - المصادر الرئيسية "للأموال السخية"، والتي بدونها لا يمكن للاقتصاد التركي أن يعمل بشكل سليم. بالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى حقيقة أن نصف الصادرات التركية تذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن تكون هناك تغييرات جذرية في نهج السياسة الخارجية. وفي هذا السياق يشير خبراء مركزTÜRKSAM إلى إن تركيا لا تملك إمكانية الانتقال إلى عصبة أخرى في الآونة الراهنة (Turksam.org).

أياً كان الأمر، تنهج تركيا في السنوات الأخيرة سياسة متعددة الجوانب واضحة المعالم. ولا يمكن لتركيا أن تستغني عن روسيا، الشريك التجاري الثاني لتركيا، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي، بنسبة 37% وبلغ التعاون 21 مليار دولار. على كل حال فإن التعاون بين البلدين يتعزز من عام لعام في مختلف المجالات، وهذا بدوره يثير غضب وامتعاض الولايات المتحدة الأمريكية.

على هذه الخلفية، تزداد المشاكل في الاقتصاد وتتراكم، ويمكن اعتبار النصر في الانتخابات الرئاسية في شهر حزيران\يونيو ، إلى حد ما، عربوناً سياسياً قدمه الناخبون لرجب طيب أردوغان. وستظهر الانتخابات القادمة كيف تمكن الرئيس من معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

Read 356 times