InterAffairs

الجمعة07202018

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الأحد, 28 أيار 2017 12:00

من الانعطاف إلى الشرق نحو الفضاء الأوراسي الكبير

Written by  سيرغي كاراغانوف عميد كلية الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية في مدرسة الاقتصاد العليا، الرئيس الفخري لمجلس شؤون سياسة الدفاع والخارجية
Rate this item
(0 votes)

 

 

السياق العالمي

تم التفكير بالجولة الحالية للانعطاف الروسي نحو الشرق في النصف الثاني من العقد الأول للقرن الواحد والعشرين، باعتبارها استجابة اقتصادية متأخرة لصعود آسيا، والتي قدمت للبلاد العديد من الفرص لتنميتها وتطويرها، وقبل كل شيء للجزء الشرقي منها. هذا الصعود مكّن من تحويل مناطق ما وراء الأورال والشرق الأقصى إلى منطقة متطورة للبلاد كلها، بعد أن كانت تشكل عبئاً في عهد روسيا القيصرية، أو جبهة خلفية في مواجهة الغرب، وأحياناً جبهة لمنافسة اليابان أو الصين.

لقد تم تبرير جدوى الانعطاف من خلال التوقعات التي تحدثت عن تباطؤ حتمي لاقتصاد الشريك التقليدي الرئيسي، والحديث يدور عن أوروبا، وكذلك تفاقم العلاقات معها ومع الغرب بشكل عام. في ظل ذلك أصبح من الواضح تماماً ضرورة تنويع العلاقات الاقتصادية ومصادر التنمية الخارجية.

وقد حظيت هذه التقييمات بدعم عدد من الاتجاهات القوية التي ظهرت على مدى العقود الماضية. أولاً الحديث يدور عن انهيار وأزمة النظام العالمي الذي فرضه الغرب على العالم منذ لحظة شعوره بأنه حقق النصر النهائي. ثانياً ظهور طابع اللاعولمة بشكل سلبي والطابع الإقليمي على السياسة والاقتصاد العالميين. ثالثاً تسارع الاتجاه المرتبط بسابقه نحو تسييس العلاقات الاقتصادية، الذي جعل الترابط والاعتماد على سوق واحدة أقل ربحية نسبياً، إن لم يكن خطراً للغاية.

وأخيراً ظهرت نزعة شعارها "آسيا للأسيويين" بشكل واضح بدلاً من شعار "آسيا للعالم". التطور في آسيا، وخاصة في الصين، بدأ في التركيز أكثر فأكثر على الأسواق المحلية والإقليمية. على التوازي بدأت عملية التحرر الروحي والإيديولوجي للحضارات الآسيوية العظيمة سابقاً، التي وجدت نفسها خلال القرنين الماضيين إما مستعمرة أو مرتبطة ارتباطاً شبه كامل بالغرب. حيث استحوذت الدول الآسيوية الكثير من الإنجازات الغربية واستفادت من النظام الاقتصادي العالمي الليبرالي الذي أنشأته، وتعززت مكانة هذه الدول وبدأت المطالبة بدور فعال على خارطة العالم  الأيديواستراتيجية.

وقد أصبح من الواضح حتمية انسحاب الولايات المتحدة المؤقت، التي تعبت من لعب دور الشرطي العالمي. حيث بدأ دور إنعاش البلاد داخلياً يظهر واضحاً في عهد الرئيس باراك أوباما. لكن النخب القديمة والقصور الذاتي لم يسمحوا له الابتعاد عن التدخل المكلف وغير الفعال في شؤون الدول الأخرى، في حين عزز ترامب من نزعة "الانغلاق على الذات". الولايات المتحدة تحولت إلى ملغمة خطيرة شبه منعزلة مع ما تبقى لها من تدخلات خارجية، وأصبح من الواضح أن بلاد العم سام تسعى بشكل متزايد إلى إنشاء مركزها الخاص من خلال التخلص من بعض التزاماتها العالمية غير المربحة.

بدأت تتشكل نزعة تميل إلى صياغة عالم ثنائي القطب من خلال عالم متعدد الأقطاب مع ما يترتب عنه من فوضى حتمية، القطب الأول الولايات المتحدة وما يدور في فلكها، والثاني الفضاء الأوراسي. وعلى الرغم من أن الصين تبدو بشكل واضح المركز الاقتصادي للفضاء الأوراسي، إلا أنه لن يتم هيكلة المركز الأوروبي الأسيوي في حال لعبت بكين دور المهيمن على هذه المنطقة.

لكن على أي حال اتضح أن روسيا من خلال انعطافها نحو الشرق اكتشفت لنفسها العديد من الفرص التي لم تكن متوقعة منذ البداية.

النتائج الأولى

أخيراً لقد تحقق انعطاف روسيا نحو الشرق، الذي تم الإعلان عنه مراراً وتكراراً، والذي بدأت معالمه السياسية والاقتصادية ترتسم بشكل جلي في الفترة ما بين 2011-2012. وعلى الرغم من تراجع التجارة الخارجية الروسية وانخفاض قيمة الروبل، إلا أن التجارة مع آسيا أخذة في النمو مرة أخرى، وهذه الحصة تزداد بسرعة نسبة لإجمالي التجارة الخارجية للبلاد.

لقد أصبح هيكل التجارة الخارجية غير المربح وغير السليم من الماضي، والذي تشكل في سنوات انهيار المجمع الاقتصادي السوفيتي وانتشار الفوضى، عندما كانت البلاد تحصل على سلع مكلفة وغير مجدية اقتصادياً من الغرب وخاصة من أوروبا، مقابل توريد منتجات الطاقة. إن تنويع تدفق التجارة الخارجية يضع روسيا في موقف مربح إن كان ذلك أثناء المساومة الاقتصادية أو السياسية، مما يغير التوازن لصالحها. في الوقت الراهن لا يقتصر الأمر على توريد منتجات الطاقة إلى الشرق، بل أيضاً المنتجات الزراعية وغيرها من السلع الهامة استراتيجياً وكذلك الأسلحة.

لقد بدأت مرحلة مهمة من زيادة في الاستثمار، وهي حتى الآن تأتي إلى حد كبير من الصين. وتشير التقديرات إلى أن حجمها المتراكم بات يتجاوز 30-40 مليار دولار. ومما يضمن المزيد من النمو في التجارة والاستثمارات هي سلسلة من المشاريع الضخمة في مجال الطاقة، وإطلاق مشروع "ميناء فلاديفوستوك الحر" والذي يتضمن معظم موانئ ساحل المحيط الهادي الروسي، بالإضافة إلى تشغيل 15 منطقة ذات التنمية المتقدمة.

العلاقة بين روسيا والصين تحمل طابع التحالف بحكم الواقع وليس بحكم القانون، لكنها تصبح أكثر تكاملاً وتوازناً من خلال تعزيز العلاقة مع اليابان وفيتنام وبقية دول منظمة الآسيان الأخرى والهند وكوريا الجنوبية وإيران. وبدلاً من التنافس المتوقع في آسيا الوسطى بين موسكو وبكين بدأت تنشأ عمليات تكامل، وإن كان ذلك ببطء، خاصة بين مشروع "طريق الحرير الجديد" الصيني والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. السياسة الروسية في آسيا تصبح شاملة واستراتيجية، لكن مازال هناك طريق طويلة على الرغم من تباطؤ هجرة السكان من منطقة الشرق الأقصى، ونحن على موعد مع الانتهاء من هذه الهجرة في السنوات المقبلة.

بطبيعة الحال فإن الانعطاف الاقتصادي يجري ببطء شديد سواء بسبب القصور الذاتي المتراكم، بما في ذلك بسبب التفكير الاقتصادي، أو بسبب بطء عمل الأجهزة الحكومية الروسية وفساد النخبة، والأهم من ذلك يرجع إلى الركود الاقتصادي وضعف المناخ الاستثماري، وقبل كل شيء الخاص بأصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة في روسيا الاتحادية. حتى الآن لم تصبح سيبيريا أرضاً ذات اقتصاد حر كما كانت عليه في العهد القيصري. ومع ذلك نحن على أمل في ألا تعود تلك الأوقات التي شهدت تنمية قسرية وتطوراً باستخدام أساليب العنف أو نقل القدرات الإنتاجية كما كان ذلك خلال الحرب الوطنية العظمى في البلاد.

الجدير بالملاحظة أنه حتى الآن لم يتم تنفيذ قرار الحكومة الخاص بنقل المكاتب الرئيسية لعدد من الشركات ومؤسسات الدولة إلى منطقة الشرق الأقصى، مع أننا نعتبر أنه من المجدي أن يتم تأسيس عاصمة ثالثة في منطقة شرق المحيط الهادي لروسيا الاتحادية.

نعيد ونكرر مرة أخرى لا يزال الطريق طويلاً أمامنا، ولكن الشيء الرئيسي قد حدث وهو تغير التوجه الجيواستراتيجي للنخبة الحاكمة في روسيا. على مدى السنوات الثلاث مئة الأخيرة، وعلى الرغم من استمرار التوسع نحو الشرق، كانت النخبة في روسيا تعتقد بأن بلادها هي المناطق النائية لأوروبا، تارة تطمح أن تكون جزءاً منها وتارة تبتعد عنها. في أوروبا كان هذا التطلع يحظى بتأييد كبير، في محاولة للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية، وهذا ما كانت تحصل عليه غالباً من الطامح في الانضمام إلى هذا "النادي". المثال الأخير هو المحاولة الفاشلة للنخبة التي تشكلت في نهاية الاتحاد السوفيتي بداية استقلال روسيا عندما أرادت أن تصبح جزءاً من أوروبا ولعب دور التلميذ وفقاً للقواعد المقترحة.

إن محاولات فرض القيم الأوروبية الحديثة والتي في حقيقة الأمر عفا عنها الزمن شجع على ظهور فتور في طموح روسيا نحو أوروبا ونحو التعاليم التبشيرية الديمقراطية من بروكسل. هذه المحاولات بدأت تنمو مرة أخرى منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، على التوازي مع الضعف المتزايد لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وهذا أمر مفهوم، فالدور الرئيسي في الحد من رغبة معظم النخبة الروسية في أن تصبح جزءاً من أوروبا كان لسياسة الحلفاء الغربيين التوسعية والتي استهدفت الأراضي، التي تعتبرها روسيا حيوية من وجهة نظر ضمان أمنها، والتي من أجلها فقدت روسيا الإمبراطورية والاتحاد السوفيتي العديد من الملايين. هذه السياسة أدت إلى فشل المشروع الخاص بإنشاء منظومة الأمن الأوروبي المستقرة والبيت الأوروبي المشترك والاتحاد الأوروبي.

مستوى التوتر والنأي بالنفس المتبادل أصبح آخذ في الازدياد تدريجياً. وأخيرا، دخل التفاقم في العلاقات السياسية طوره الحاد في الفترة ما بين 2012-2014. فرض العقوبات لممارسة الضغط على روسيا من جهة، والأكثر من ذلك في محاولة لخلق "العدو الخارجي"، وإيقاف انهيار الاتحاد الأوروبي من الداخل، كل ذلك أظهر خطر التبعية الاقتصادية المفرطة في السوق الأوروبية، ودفع بالانعطاف إلى أسواق جديدة في الشرق.

النأي عن النفس من أوروبا كان أيضاً على المستوى الإيديولوجي. فالمنحدرون من أصول أوراسية المناهضون للغرب وأوروبا كانوا منبوذين من قبل بعض القوى الغربية السابقة. جزء من هذه النخبة أصبح يعلن أن روسيا ليست أوروبا، والجزء الأخر بدأ يؤكد أن روسيا هي أوروبا الحقيقية، وأن الاتحاد الأوروبي لم يعد له وجود. الجزء الثالث ارتأى اتباع نهج اعتبره معقولاً في النأي عن النفس مؤقتاً سياسياً وثقافياً. إن مسألة تقرير المصير الثقافي لروسيا بالنسبة لأوروبا لم يتم تحديدها بشكل نهائي حتى الآن على الرغم من وضوح الاتجاه المتبع.

لكن الشيء الرئيسي حدث في السياسة وأثناء تقرير المصير الجيواستراتيجي ومعظمه في الاقتصاد. وقد تحولت روسيا من منطقة أوروبية نائية إلى منطقة أوراسية مركزية أو، ربما، كقوة أوراسية شمالية عظمى. الفضاء الأوراسي في المفهوم الجيوسياسي الروسي الحديث يشمل غرب القارة أيضاً، ولا يعتبر مناهضاً لأوروبا كما كان ذلك في العهد السوفييتي ولدى الروس المعاصرين الأوراسيين.

تحديد الهوية الجيوسياسية والجيواقتصادية الروسية الجديدة يعني التحرر من التبعية الأخلاقية والسياسية من الغرب والتعزيز النوعي للمواقف في الحوار والتفاعل معه. في الوقت ذاته فإن روسيا لم ترفض التعاون مع البلدان الأوروبية خاصة في المجالات التي تعود بالفائدة عليها. مثل هذا الرفض هو ليس فقط غير مربح اقتصادياً لكنه غير ممكن وخطير إيديولوجياً ويهدد هوية غالبية الروس الذين يعتبرون أنفسهم أوروبيين حتى لو أنهم غير معجبين كثيراً بأوروبا المعاصرة، التي يليق بها أن يطلق عليها المنطقة ما بعد أوروبا، بسبب التخلي عن جزء كبير من القيم التي حددت هويتها، والتي تعتبر في روسيا قيماً خاصة بها.

استناداً إلى التقييم والتنبؤ بالاتجاهات الجيواقتصادية والجيوسياسية، واستناداً إلى النتائج الأولية للانعطاف الاقتصادي والسياسي والفكري نحو الشرق، تم طرح فكرة تشكيل مجتمع جديد في روسيا ضمن إطار الشراكة الأوراسية الكبيرة. هذه الفكرة حظيت بدعم رسمي من القيادة في روسيا والصين وأصبحت مبادرة ثنائية منفتحة أمام بلدان أخرى. إن السياسة الروسية الآسيوية الجديدة سوف تندمج مع الاتجاه الأوروبي الثاني ومع الثالث – الجنوبي ومع الرابع- الشمالي في المحيط المتجمد وبالطبع مع الاتجاه الأمريكي إن كان ذلك ممكناً.

في المنعطف الجديد وفي سياق المواقف الجديدة وعلى أسس جديدة فإن تفعيل التعاون مع الدول الأوروبية الأخرى سيكون مفيداً. فأوروبا شريك مريح ومورد مناسب للعديد من التقنيات والمنتجات. والتقارب الجديد مع الشركاء القدامى يسهل من خلال النجاحات في السياسة الخارجية الروسية. في أوكرانيا، وإن كان ذلك متأخراً وبتكلفة باهظة، تم الحد من التوسع الخطير للتحالفات الغربية. في سورية سياسة مجنونة تهدف إلى تغيير الأنظمة. ومن وضع شبيه بجمهورية فايمار فإن روسيا التي كانت في موقف المدافع، عادت إلى دورها المعتاد كقوة منتصرة واثقة من نفسها من جديد.

الفضاء الأوراسي الكبير

الشراكة أو المجتمع الأوراسي الكبير هو أولاً إطار مفاهيمي يحدد تجاه تعاون الدول في القارة. هذه الشراكة يجب أن تهدف إلى إحياء الثقافة والسياسة والاقتصاد المشترك وتطوير العشرات من البلدان الأوراسية المتخلفة جزئياً، وإلى تحويل الفضاء الأوراسي إلى مركز للسياسة والاقتصاد العالميين. هذا الفضاء الأوراسي سوف يشمل بلدان آسيا الشرقية وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا ووسط القارة الأوراسية وروسيا، وكذلك بلدان القارة العجوز المتطورة ومنظماتهم، بالقدر الذي يكونوا فيه قادرين وراغبين في إقامة التعاون البناء.

ثانياً المجتمع الأوراسي الكبير هو عبارة عن مجتمع جيواقتصادي شعاره آسيا للأسيويين، وانعطاف الصين نحو الغرب واندماجها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وتحول روسيا إلى الشرق.

ثالثاً هو عبارة عن فضاء من التعاون الحضاري الذي تم إعادة إنشائه بعد انهيار دام قرون، وهو تجسيد للجانب الثقافي لطريق الحرير العظيم، الذي شمل وربط حضارات الصين والهند والفرس والشرق الأوسط العربي مع أوروبا عبر الإمبراطورية الرومانية الشرقية والبندقية وإسبانيا

رابعاً المجتمع الاوراسي الكبير هو توجه نحو مجتمع جيواستراتيجي جديد وتطوير للفضاء الأوراسي والتعاون والسلام والأمن، والذي يهدف للتغلب على الانقسامات المتبقية من الحرب الباردة ومنع ظهور حروب جديدة، وتسوية الخلافات والنزاعات بين أعضاء الشراكة. وإن من أهم وظائفه المحتملة هي الغوص في شبكة من العلاقات والتعاون والموازنات وتحقيق الاتفاق مع الصين لمنعها من أن تصبح قوة مهيمنة محتملة التي سوف توحد ضدها حتماً بلدان أوروبا وآسيا الأخرى عبر توجيه دعوة لقوى أخرى خارجية تتمتع باهتمام أقل في الحفاظ على الاستقرار والسلام في القارة. في الوقت ذاته ينبغي على هذا المجتمع الأوراسي الكبير أن يكون منفتحاً على بقية العالم وعلى مركزه الهام الآخر الذي يتشكل في محيط الولايات المتحدة ومن خلال منظمة الأبيك ومنتديات مماثلة وعبر مؤسسات أطلسية ومن خلال الحوار الثلاثي الذي يتم توسيطه عبرنا حول القضايا العالمية والاستقرار الاستراتيجي الدولي بين روسيا والصين والولايات المتحدة.

المجتمع الأوراسي الكبير ينبغي أن يتشكل على أساس القيم التقليدية للقانون الدولي ومبادئ التعايش ورفض أي شكل من أشكال الشمولية والتفوق الاجتماعي أو الهيمنة. ومن بين المبادئ التي سيكون من الضروري الاعتماد عليها أثناء بناء المجتمع الأوراسي الكبير (من الناحية المثالية- العلاقات الدولية بشكل عام) هي:

-         الاحترام غير المشروط للسيادة ووحدة الأراضي ورفض سياسة الهيمنة والإملاء والتهديدات، وبذل الجهود المشتركة للحفاظ على السلام والاستقرار تحت رعاية الأمم المتحدة

-         الاحترام غير المشروط للتعددية السياسية وحرية الاختيار السياسي لشعوب بلاد القارة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض

-         الانفتاح الاقتصادي والحد من الحواجز أمام التجارة والاستثمارات الدولية ورفض تسييس العلاقات الاقتصادية التي تقوض الروابط والتعاون الاقتصادي على أساس مبدأ "زائد - زائد" – ربح للجميع

-         رفض إقامة تحالفات عسكرية وتوسيع التحالفات الموجودة حالياً، وتقديم الدعم الكامل لمبدأ الحياد وعدم الانحياز وضمان أمن الدول التي اتخذت هذا الخيار

-         التركيز على إنشاء منظومة تنمية قارية والتعاون والأمن من جاكرتا (أو طوكيو) وحتى لشبونة، والتي من شأنها أن تغطي وتعوض مشروع الأمن الأوروبي الفاشل وأن توفر شكلاً جديداً لحل الصراعات في أوروبا ومحيط الصين وفي شبه الجزيرة الكورية وفي الشرق الأوسط

-         التركيز على الحفاظ على الاستقرار العسكري والسياسي ومنع حدوث الصراعات باعتبارها شرط أساسي للتنمية الاجتماعية وزيادة الرفاهية، وفي نهاية المطاف ضمان حقوق الإنسان الأساسية

-         التركيز على الحفاظ على تنوع الثقافات وتنميتها وإقامة روابط ثقافية تاريخية جديدة عبر الحوار بين الحضارات الأوروبية والآسيوية من أجل السلام والتعاون والإثراء المتبادل

-         حماية حقوق الإنسان في علاقاته المتصلة اتصالاً وطيداً مع حقوق المجتمعات والدول

إن الفضاء الأوراسي الكبير هو إطار مفاهيمي يركز على مستقبل التحديد الذاتي للهوية الروسية الجيواستراتيجية والجيواقتصادية باعتباره مركزاً وقارة شمالية متطورة تعمل على خدمة أحد الروابط الهامة في مجال النقل والاقتصاد وأهم مورد للأمن. وروسيا بفضل خبرتها المتراكمة منذ قرون وعلاقاتها مع الغرب ومع الشرق وتعاونها السلمي بين مختلف الأديان وانفتاح الثقافة الروسية، ينبغي أن تلعب دوراً مركزياً في إنشاء وإعادة بناء التعاون الثقافي في الفضاء الأوراسي. في الوقت نفسه فإن روسيا لن تتخلى عن جذورها الثقافية الأوروبية المهمة وسوف تعمل على تطويرها.

إن الفضاء الأوراسي الكبير هو إطار مفاهيمي لمشروع مشترك، أو بالأحرى لمشاريع عديدة تضم دولاً ومنظماتهم التي هي على استعداد لتحقيق الهدف المشترك المتمثل في تعزيز التطور القاري والسلام والتعاون الوثيق. سيلعب الثنائي الصين وروسيا الدور الريادي في إنشائه، حيث أكد الزعيمان رسمياً على دعمهما على مفهوم الشراكة ضمن الفضاء الأوراسي الكبير. ولكن هذا المفهوم يتطلب وجود حوار ملموس متعدد الأطراف.

إن الإطار المفاهيمي يسمح من خلال استخدام التوجهات ترشيد سلوك الدول والمنظمات القائمة وصيغ الحوار في قناة واحدة تهدف إلى تشكيل وصياغة مجتمع جيوثقافي وجيوسياسي وجيواقتصادي جديد والحديث يدور عن شراكة ثم تأسيس مجتمع يضم الفضاء الأوراسي الكبير ويبدو أن منظمة شانغهاي للتعاون هي المنصة الطبيعية للمباحثات من أجل إنشاء مثل هذه الشراكة وذلك من خلال منح هذه المنظمة المزيد من الطاقة والانفتاح وتحولها من منظمة إقليمية بحتة إلى منظمة عالمية ومنتدى لمناقشة جميع المشاكل والقضايا. وربما يكون من المفيد إنشاء حوارات بين منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الأوروبي من جهة والاتحاد الاقتصاد الأوراسي والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. ويمكن أن تكون البداية في عقد اجتماعات الخبراء بين هذه المنظمات ومن ثم عقد منتدى للخبراء السياسيين للتنمية الأوراسية والتعاون والأمن. ومع ذلك فإن استخدام المنظمة الموجودة حالياً (من خلال العمل على تطويرها) هو أفضل من تأسيس منظمة جديدة تفتقد للإطار المؤسساتي.

بالطبع، ومن أجل تأسيس هيكلية جديدة على أساس منظمة شنغهاي للتعاون (لدى تطويرها والحفاظ عليها)، فإن ذلك يتطلب جهوداً فعالة مشتركة لأعضائها، وخاصة روسيا والصين اللتان أعاقتا بعضهما البعض في منظمة شنغهاي بسبب محاولة كل منهما للآخر الحد من نفوذه اقتصادياً. (يبدو أن روسيا كانت قلقة من الهيمنة الصينية) وكذلك في مجال الآمن (وهنا يبدو أن الصين قلقة من الدور الروسي في هذا المجال). حالياً ما يعوق التنمية هو التناقضات الموجودة بين الهند والصين، وبالتالي نحن بحاجة إلى شكل جديد يغطي على التناقضات القديمة. وهذا يمكن تحقيقه من خلال التوجه المشترك للشراكة ضمن الفضاء الأوراسي الكبير، الذي يتطلب المزيد من الجهود والمزايا التنافسية لتحقيق المنفعة العامة.

خارطة طريق المستقبل

إن الانعطاف الذي تحقق نحو آسيا يتطلب ليس فقط توسيع اتجاهات التنمية التي تم تحديدها وإنما إطلاق مشاريع جديدة أيضاً. ولكن قبل كل شيء ينبغي القيام بدراسة التوقعات بشكل معمق لأسواق آسيا والمحيط الهادي من جديد، وذلك من أجل تفعيل الاستثمارات، خاصة وأنها تبدو حتى الآن متواضعة، وأغلبها من المنتجات الزراعية والغذائية التي تتمتع بالطلب على المدى الطويل. ينبغي ربط سياسة الانعطاف للاستراتيجية غير الموجودة، الخاصة بالانتعاش الاقتصادي والتنمية في روسيا.

على سبيل المثال ليس من المستبعد أن تزيد الصين من الطلب على المعادن وغيرها من منتجات الطاقة الضخمة والتقليدية بالنسبة للصادرات الروسية على خلفية انفجار الاستثمار للبنية التحتية في الولايات المتحدة. في الوقت ذاته هناك احتمال كبير في انخفاض الطلب على الفحم في العالم، ولا سيما في آسيا، وبالتالي فإن هذه العملية تتطلب حالياً إعادة هيكلة القطاعات وما يربطها من تدفق هائل في وسائل النقل. إن عملية الاسراع بالانعطاف ضرورية بسبب الانهيار الاقتصادي والفكري الذي حدث في تسعينات القرن الماضي بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ونحن نعتبر أننا تأخرنا كثيراً عن هذا الانعطاف وفقدنا الكثير من الفرص.

بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية الضخمة للنقل فإن الأولوية القصوى هي في تطوير طرق النقل شمال- جنوب، التي تربط ليس فقط الشرق الأوسط، وإنما المناطق الوسطى والغربية من سيبيريا وجبال الأورال إلى الأسواق ذات النمو السريع في غرب الصين وإيران والهند وباكستان. على الرغم من التباطؤ الحالي للعمليات التكاملية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بسبب الأزمة الاقتصادية، إلا أن الاتحاد يحتاج إلى جدول أعمال جديد طويل الأمد. ربما الحديث يدور عن سياسة التجارة المشتركة وسياسة النقل الموحدة والتكامل ضمن ظروف مثلى في الفضاء الأوراسي الكبير الموحد والمشاركة في صياغة معاييره وقواعده.

من الضروري إقامة التحالفات التقنية متعددة الأطراف مع بلدان القارة سواءً كان ذلك في الغرب أو الشرق. معظم الصناعات ذات التقنية العالية لا يمكن تطويرها من خلال التركيز بشكل رئيسي على السوق المحلي أو أسواق الحلفاء. وبالتالي هناك حاجة لإقامة تحالفات تكنولوجية من أجل الوقاية ومنع المخاطر الخاصة باحتمال تسييس الاقتصاد العالمي، من قبل الغرب قبل كل شيء.

إن الانعطاف الذي تحقق نحو الشرق يتطلب وضع سياسة تلبي حاجة الشركاء الآسيويين. هناك من هو مستاء من روسيا في ظل التعاون المتنامي، وذلك لوجود الحواجز التي تعيق انتشار العديد من السلع والاستثمارات الروسية، بالإضافة إلى العقبات السياسية والبيروقراطية.

وأخيراً على روسيا أن تحدد بأقصى سرعة أشكال مشاركتها في المنظمات التكاملية في منطقة آسيا والمحيط الهادي. حتى هذه اللحظة فإن الشراكة عبر المحيط الهادي أخفقت ولكن مازالت هناك الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها منظمة الآسيان والصين، والتي تشمل معظم بلدان المنطقة. حتى هذه اللحظة روسيا والاتحاد الاقتصاد الأوراسي تمتنعان عن المشاركة في المباحثات وتراهنان على شبكة مناطق التجارة الحرة الثنائية بسبب صعوبة إيجاد موقف مشترك داخل الاتحاد لكن ليس من الواضح ما إذا كان هذا "الامتناع" مربحاً على المدى الطويل.

هناك مجموعة منفصلة من المهام المحددة ضمن إطار تجاه السياسة الخارجية الروسية والمشاركة العسكرية السياسية في شؤون آسيا ومنطقة المحيط الهادي. إن ظهور العديد من النزاعات العالقة على السطح وكذلك تعزيز سياسة احتواء الصين الأمريكية الحتمية والرغبة في اللعب على التناقضات والمخاوف من اللاعبين الإقليميين، وربما الأهم من ذلك وزيادة مخاوف جيران المارد التنين من قوته المتنامية - كل ذلك يخلق ضرورة لمشاركة روسيا البناءة باعتبارها لاعب ذو خبرة ويتمتع بدبلوماسية قوية وعلاقات ودية مع معظم بلدان العالم. وما يعزز هذا الطلب عدم وجود نظام أمني متطور ومستقر في المنطقة.

روسيا وبشكل موضوعي هي أكبر ضامن محتمل للأمن في المنطقة والعالم، بما في ذلك على حساب الردع الاستراتيجي والحوار مع الولايات المتحدة (الحوار غائب كلياً في الوقت الراهن)، وفي المستقبل من خلال الحوار الثلاثي بين روسيا والصين والولايات المتحدة، في حال نضج وعي الأطراف لضرورة إقامة مثل هذا الحوار.

الأمر يتطلب تعميق الشراكة الروسية الصينية الشاملة والمبنية على أساس المساواة والثقة والتعاون الاستراتيجي المشترك. هذه الشراكة تحمل طابع قريب من التحالف لكنها تعاني من نقص في تطوير العلاقات على المستوى المتوسط والأدنى، ولاسيما في الأعمال التجارية، ولا يقل أهمية هو عدم وجود العمق الاستراتيجي والحديث يدور عن هدف مشترك للتنمية طويل الأمد.

ويبدو أنه ينبغي أن يكون هذا الهدف المشترك لجميع البلدان الآوراسية يكمن في تحقيق التعاون المشترك للقيادات الخاص بإنشاء الشراكة أو الفضاء الأوراسي الكبير ويمكن أن تتضمن خارطة الطريق الخاصة بصياغة هذا المجتمع بالعناصر التالية:

-         وضع استراتيجية خاصة بالنقل للفضاء الأوراسي الكبير يتم الاتفاق عليها مسبقاً

-         إنشاء منظومة وكالات التصنيف

-         دعم تطوير بنك استثمارات البنية التحتية الآسيوي والبنوك الإقليمية الأخرى ومنظومة سويفت وعدم استخدام هذه المنظومة كسلاح من أسلحة الحرب الاقتصادية، التي تعزز من استقرار النظام المالي العالمي

-         توسيع العمل التجاري من خلال التبادل المالي بالعملات المحلية، وإنشاء أنظمة دفع مستقلة

-         مركز معلوماتي اقتصادي بالتوازي مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية

-         إنشاء شبكة أوراسية، وربما تنظيم المساعدة المتبادلة في الحالات الطارئة والكوارث المناخية والتكنولوجية ومراحل إعادة البناء بعد الأزمات .ويمكن في الحالة الأخيرة إطلاق مشروع تجريبي في سورية

-         إنشاء وكالة تحليلية معلوماتية شاملة مستقلة وضخمة، والتي تجمع بين نشر وجمع المعلومات وتحليلها والربط المشروط لقناة الجزيرة أو قناة بي بي سي مع ستراتفور. التسمية الأولية هي "أوراسيا نيوز". إن مثل هذه الوكالة سوف تسمح لبلدان القارة الحصول على الاستقلال الفكري والسياسي ومقاومة عملية تسييس التدفق المعلوماتي

الهدف من إنشاء هكذا وكالة تحليلية معلوماتية يكمن في وضع نظريات العلاقات الدولية التي تركز على الحقائق الجديدة والمستقبل، والتي تعكس مصالح بلدان الفضاء الأوراسي. الحديث يدور على سبيل المثال عن التعاون والتفاعل بين الحضارات بدلاً من الصراع والتطور المستدام والمتجدد للبشرية بدلاً من الوصول إلى المرحلة النهائية ... إلخ

كما أن الحديث يدور عن التعاون لإعادة السرد التاريخي والثقافي المشترك لبلدان الفضاء الأوراسي، بدءاً من تاريخ إمبراطورية جنكيز خان وصولاً إلى ظاهرة طريق الحرير العظيم الثقافية والاقتصادية وانتهاءً بتاريخ البيزنطة - الإمبراطورية الرومانية الشرقية حيث تدفقت الثقافة الآسيوية والأوروبية، وكذلك الثقافة الأوروبية التي بقيت على قيد الحياة في سنوات الفوضى التي كانت سائدة في بلدان القارة العجوز. في هذا السياق يأتي دور البندقية كبوابة آسيا في أوروبا، والتقييم الجديد للحروب الصليبية. الهدف هو إعادة بناء وإنشاء هوية ثقافية وتاريخية موحدة للمنطقة الأوراسية والعالم، وضرورة نشر التاريخ العالمي وعدم الاقتصار على السرد التاريخي لمنطقة أوروبا التي مازالت تهيمن على العالم.

في مجال الآمن يبدو أنه من المعقول اتباع نهج إنشاء منظومة أمن قارية إضافة إلى الأنظمة القائمة مع الاستعاضة الجزئية والتدريجية للمؤسسات التي عفا عليها الزمن (على سبيل المثال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا). إن السبيل السائد لضمان الأمن في الفضاء الأوراسي الكبير هو إما عدم الانحياز أو الحياد، الخيارات التي يضمنها اللاعبون الكبار في المجتمع الدولي (روسيا والصين والولايات المتحدة...)

على ما يبدو من المجدي إنشاء منظومة الأمن بدءاً بإطلاق منتدى خبراء سياسيين خاص بتنمية التعاون والأمن لبلدان الفضاء الأوراسي الكبير.

على التوازي مع التحرك نحو الفضاء الأوراسي الكبير وتعميق الانعطاف الروسي نحو آسيا في السنوات المقبلة، ربما من المجدي التفكير في تحقيق تعاون مع الشريك التقليدي الأوروبي على أساس سياسي واقتصادي ومفاهيمي جديد. خاصة وأنا استمرار أزمة اليورو يدفع بشكل موضوعي الكثيرين في القارة العجوز إلى إعادة النظر في السياسات الهدامة نحو الاتجاه الروسي. الجدير بالذكر أن الدول الأوروبية تسعى للانعطاف نحو الشرق، حتى أن العديد منها قد خطا خطوات سباقة في هذا الاتجاه.

 

حتى الآن ليس من الواضح كيف يمكن إعادة تشغيل السياسة الروسية الأوروبية، إذ أن الوضع مازال غامضاً للغاية لدى الجيران من غرب الفضاء الأوراسي. لكن من الناحية الموضوعية هناك حاجة إلى مثل هذا المشروع القائم على إعادة التشغيل.

 

Read 193 times