InterAffairs

السبت09222018

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الأربعاء, 29 تشرين2/نوفمبر 2017 18:46

سياسة الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادي: نضوج التغيرات

Written by  أندريه كادومتسوف - محلل سياسي
Rate this item
(0 votes)

 

في السنوات الأخيرة حل محل المصطلح التقليدي "منطقة آسيا والمحيط الهادي" في خطاب السياسيين والمسؤولين الأمريكيين، وصولاً إلى الرئيس، عبارة جديدة: "منطقة الهند والمحيط الهادي". بالطبع يكشف تغيير المصطلح بشكل واضح تغييراً في نهج السياسة الخارجية بشكل عام. والسؤال ما مدى عمق وأمد هذه التغييرات؟

بحسب رأي النقاد فإن رد فعل الولايات المتحدة على التغيير السريع، في كثير من الأحيان يستمر لسنوات قليلة، لتوازن القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادي أصبح بعيداً كل البعد عن الواقع منذ زمن، علماً أن هذا بدأ قبل فترة طويلة من وصول ترامب إلى السلطة. فعلى سبيل المثال فقد أظهرت جميع الإدارات السابقة التي وصلت إلى السلطة بعد عام 1991، عدم الرغبة في تكثيف إصلاحات الاقتصاد العالمي والتجارة، وكذلك المؤسسات التي يقوم عليها النظام العالمي الحديث. [i]

باراك أوباما هو الرئيس الذي شرع في تغيير الوضع. فقد أعلن في عام 2009 عن عزمه إعادة منطقة آسيا والمحيط الهادي إلى سلم أولويات الولايات المتحدة. وقد افترضت استراتيجية "إعادة التوازن" تكثيف سياسة الولايات المتحدة في مناطق العالم التي كانت في الظل أثناء الحرب العالمية على الإرهاب، التي بدأت بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001[ii]. الإبداع الرئيسي لأوباما كان في الاعتراف الفعلي بأن الصين ليست مجرد "خطراً"، والذي يجب على الولايات المتحدة أن تأخذه في عين الاعتبار في سياستها، ولكن هي "تهديد" مباشر، ليس فقط لأمن الولايات المتحدة وإنما للمصالح الأمريكية. في الوقت نفسه فإن خطط أوباما الطموحة لتعزيز مكانة الولايات المتحدة في أكثر المناطق ديناميكية في العالم، ظلت غير محققة إلى حد كبير. وإن السياسة الأمريكية الغامضة سنحت للصين أن تصبح واحدة من القوتين المهيمنتين في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

نتيجة لذلك، وبحسب رأي المركز التحليلي الأمريكي "ستراتفور"، فإن منطقة المحيط الهادي تواجه حالياً مأزقاً حقيقياً. فالولايات المتحدة لا تطمح بمواجهة مباشرة مع الصين، ولكن في الوقت نفسه لا ترغب واشنطن أن تكون هناك هيمنة للصين أو أي قوة أخرى على المنطقة. بدورها لن تتمكن الصين استراتيجياً من تحدي الهيمنة البحرية الحربية الأمريكية على منطقة آسيا والمحيط الهادي، على الأقل لفترة تتراوح بين 10-15 عاماً. ولذلك فإن خطاب بكين "القومي" حول الادعاءات للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، يسعى في معظمه لتحقيق أهداف سياسية داخلية على الأرجح. ومع ذلك فإن اليابان وبلدان شرق آسيا الأخرى يراقبون بقلق متزايد نمو جمهورية الصين الشعبية.

ويرى الخبراء الأمريكيون أن هذا الوضع يدفع معظم بلدان المنطقة نحو تحالف وثيق مع الولايات المتحدة. غير أن جميع أشكال الحوار بين الدول الموجودة حالياً في آسيا الكبرى لا تسمح، بحسب رأي ناشونال انتريست [iii]، بمعالجة قضايا السلام والأمن بشكل فعال. علاوة على ذلك ليس هناك منظمة دولية في منطقة آسيا والمحيط الهادي تضم جميع بلدان المنطقة ولا تتمتع بجدول أعمال يشمل جميع القضايا الإقليمية. وليس هناك من منظمة، بحسب رأي المحللين الأمريكيين، القدرة على إيجاد قاسم مشترك بين مساعي الصين الهادفة لتحقيق الهيمنة الإقليمية، ودور الولايات المتحدة كقوة آسيوية، ومصالح أوروبا الاقتصادية، ورغبة العديد من دول المنطقة تجنب الاعتماد الكامل على بكين.

الإدارة الأمريكية الحالية مازالت حتى الآن ترسل إشارات متضاربة. فمن جهة، أكد ترامب أن آسيا هي إحدى المناطق الثلاث التي تعتبر من المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وخلال انعقاد قمة الأبيك في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر، أكد ترامب الالتزام بالحرية والانفتاح في منطقة الهند والمحيط الهادي. ومن جهة أخرى فإن إعلان واشنطن عن مفهوم "أمريكا أولاً" يترك ورائه سؤالاً غامضاً حول كيف يمكن للبيت الأبيض الدفاع عملياً عن الحرية والانفتاح في المنطقة، رافضة في الوقت نفسه عن النهج التقليدي للولايات المتحدة الذي اتبعته بعد عام 1945 لدعم حرية التجارة. إذ أن الرهان على نظرية "الحمائية الشاملة" يدل على أن ترامب قد تخلى عن مشروع الشراكة عبر المحيط الهادي، والذي يعتبر حجر الزاوية في استراتيجية النفوذ الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادي، التي رسمتها الإدارة الأمريكية السابقة.

كما يتضح من التجربة الأمريكية في إنشاء التحالفات في سنوات الحرب الباردة، فإن هيكلية الأمن بين الدول تحافظ على الاستقرار طالما كانت هناك مصالح مشتركة هامة توحد بين جميع المشاركين في هذه الهيكلية وكذلك وجود نهج مشترك حيال التهديدات والقدرة على تنسيق المصالح المتبادلة لفترة طويلة. وبحسب رأي العديد من الخبراء الأمريكيين فإن جميع المؤشرات المذكورة أعلاه أصبحت موجودة في منطقة آسيا والمحيط الهادي. الولايات المتحدة من جانبها ترغب في عدم زعزعة الاستقرار على نطاق واسع في واحدة من أهم مناطق العالم. وعلى غرار الإدارتين السابقتين، يرى البيت الأبيض بزعامة ترامب بأنه هناك نفس التهديدات في المنطقة: الحاجة إلى الحفاظ على القدرة التنافسية قبل كل شيء استراتيجياً مع الصين. التهديد العسكري من قبل جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالإضافة إلى مشكلة الإرهاب الدولي. يمكن هنا أن نضيف أولوية جديدة لواشنطن برئاسة ترامب وهي تكمن في التهديد من قبل الجريمة المنظمة العابرة للقارات. [iv]

إن جوهر الاستراتيجية في آسيا، والتي بدأت معالمها تتحدد من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، تكمن في أن واشنطن لا تخطط في نهج سياسة الردع بشكل مكثف، ناهيك عن عزلة الصين، وذلك لأن لا الأولى ولا الثانية يمكن تحقيقهما أو مرغوب فيهما في ظل السياق الحالي للعولمة. بدلاً من ذلك تعتزم الولايات المتحدة الحفاظ على وجودها في المنطقة كقوة عظمى تهدف إلى الحد من الآثار السلبية المزعزعة من نفوذ جمهورية الصين الشعبية. [v]

وفقاً للمعلومات المتوفرة من مصادر عامة فإن العنصر الرئيسي للاستراتيجية التي يتم صياغتها يجب أن تصبح الفكرة، التي طرحها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي منذ عدة سنوات حول "اتحاد الديمقراطيات في منطقة المحيط الهادي"[vi]. وعلى دول اليابان وأستراليا والهند والولايات المتحدة أن تشكل عنصراً مركزياً، يحمل هيكلية لصياغة جديدة للأمن والاستقرار الإقليمي في آسيا. والسؤال هل سيتم تحويل "اتحاد الديمقراطيات" إلى مؤسسة دولية، إذا كان الأمر كذلك،  فإنه إلى أي مدى لا يمكن لأحد التنبؤ حالياً بما سيجري في المستقبل. في سنوات الحرب الباردة ظهرت أكثر من مرة في مختلف أجزاء آسيا نماذج للأمن الإقليمي بمشاركة الولايات المتحدة[vii]. جميع هذه النماذج عفا عليها الزمن حتى قبل نهاية المواجهة العالمية أثناء عهد الثنائية القطبية، ويرجع ذلك أساساً إلى عدم قدرة واشنطن مراعاة مصالح الشركاء بموجب الاتفاقات المبرمة. في الوقت نفسه فإن المبادرة الحالية تبدو أكثر طموحاً، إذ يتوقع مؤيدوها أن تنضم معظم دول المحيط الهادي إلى "اتحاد الديمقراطيات" (على الأقل ضمن صيغة الحوار (4+).

الدور الرئيسي الهام، الذي يرمز إلى تغيير اسم المنطقة في تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين من "آسيا والمحيط الهادي" إلى "الهند والمحيط الهادي" [viii] يكمن في تطوير العلاقات الاستراتيجية مع الهند. في الواقع بحسب رأي المراقبين الأمريكيين، فإن الدولتين تجدان المزيد من القضايا المشتركة في العلاقات الثنائية على أساس "القلق المشترك من رغبة الصين في الهيمنة الإقليمية". كما هو معروف فإن الهند هي ثالث أكبر اقتصاد في آسيا وهي قوة نووية لديها نزاع حدودي مع الصين. وبالتالي فإن انضمام الهند في تحالف تقوده الولايات المتحدة يسمح بأن يشكل كفة مقابلة لنفوذ الصين من دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في الوجود العسكري الأمريكي. في الوقت نفسه، وبحسب رأي الخبراء الأمريكيين، فإن ذلك يعطي زخماً جديداً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لأكبر الأنظمة الديمقراطية في العالم، والتي هي في أمس الحاجة إليها حالياً. .[ix]

الرد على المبادرة الصينية "حزام واحد طريق واحد" يمكن أن يكون المفهوم الأمريكي ذي الطبيعة المماثلة. وإن مثل هذه المبادرة يمكن أن تهدف إلى إعطاء زخم جديد للعلاقات الاقتصادية بين أكبر عدد ممكن من حلفاء الولايات المتحدة الحاليين في آسيا والشرق الأوسط. وكمثال على تطور العلاقات في هذا الاتجاه يمكن الإشارة إلى التعاون المتنامي بين الهند وإسرائيل. وأخيراً فإن أداة ردع الصين الهامة ينبغي أن تصبح الآليات الوطنية القائمة والمعلن عنها على مستوى الخطط المشتركة، والخاصة بالتحكم والحد من الاستثمارات الأجنبية المحتملة "العدائية".

وبالتالي يمكن تفسير الإشارات الحالية التي تصدر من إدارة ترامب نحو الاتجاه الأسيوي على أنها محاولة إضافة فكرة تطوير العلاقات التجارية الثنائية مع دول المنطقة بالدرجة الأولى إلى العناصر الجيوسياسية الخاصة بفترة ما قبل عهد أوباما. وبحسب فكرة ترامب فإن هذه الهيكلية تسمح بزيادة العائدات الاقتصادية ونقل العلاقات مع الحلفاء الحاليين والمحتملين إلى المستوى التجاري. وكما يشير الخبير الروسي المعروف فيودور لوكيانوف قائلاً: بما أن محاولة إعادة هيكلة العلاقات مع الصين محفوفة باندلاع نزاع خطير ومكلف، فإن ترامب يتصرف على ما يبدو من خلال المحاكمة، أي من خلال اختبار حدود الممكن، سواء كان ذلك في الاتجاه الصيني وردع وعقاب كوريا الشمالية أو من خلال محاولات ربط دول المنطقة بشكل وطيد وجعلها تدور في محيطها. [x]

من الواضح أن احتمال ظهور "الوفاق الآسيوي" أو حتى "حلف الناتو الآسيوي" بات يشكل مصدر قلق كبير بالنسبة لموسكو. حالياً تتمتع روسيا بالإمكانيات، بما في ذلك المؤسساتية، من أجل الترويج لرؤيتها حيال الهيكلة الأمنية إن لم يكن بالنسبة لآسيا الكبرى برمتها، فإنه على الأقل لجزئها القاري. في حين أن عدد شركاء روسيا المحتملين في منطقة آسيا والمحيط الهادي لا يكاد يكون أدنى من عدد شركاء الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن عملية صياغة وتنفيذ استراتيجية روسية متكاملة لآسيا سوف تتطلب "قيادة فكرية" ودبلوماسية رفيعة المستوى على المدى الطويل.

 

[i] http://www.scmp.com/comment/insight-opinion/article/2121297/america-falters-and-europe-declines-look-east-see-future

[ii] https://foreignpolicy.com/2011/10/11/americas-pacific-century/

[iii] http://nationalinterest.org/feature/how-america-its-indo-pacific-allies-will-redefine-regional-23155

[iv] https://www.whitehouse.gov/the-press-office/2017/11/10/remarks-president-trump-apec-ceo-summit-da-nang-vietnam

[v] http://nationalinterest.org/feature/how-america-its-indo-pacific-allies-will-redefine-regional-23155

[vi] https://www.project-syndicate.org/commentary/a-strategic-alliance-for-japan-and-india-by-shinzo-abe?barrier=accessreg

[vii]  الحديث يدور بالدرجة الأولى بمعاهدة سيتو، معاهدة جنوب شرق آسيا (1955-1977)، التي تضم أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا وباكستان والولايات المتحدة وتايلند والفلبين وفرنسا. (كوريا الجنوبية وجنوب فيتنام بمثابة "شركاء الحوار"). معاهدة أمن أنزوس - أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، تعمل رسميا حتى الآن. وأنزيوك (1971-1975) - أستراليا وبريطانيا العظمى ونيوزيلندا وماليزيا وسنغافورة، التي لم تدخل فيها الولايات المتحدة رسميا، ولكنها اعتبرت أنها متحالفة.

[viii]  عشية جولة ترامب الآسيوية الكبيرة التي جرت في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، تم تكرار مصطلح "منطقة الهند والمحيط الهادئ" بشكل منتظم في الخطب الرسمية لوزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس.

[ix] https://www.cfr.org/blog/want-free-and-open-indo-pacific-get-india-apec

 

[x] http://www.globalaffairs.ru/print/redcol/Rasshirenie-ramok-19132

 

Read 237 times