InterAffairs

الجمعة02212020

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الأربعاء, 13 كانون1/ديسمبر 2017 12:57

قرار الرئيس ترامب بشأن القدس: السياق الإقليمي والعالمي

Written by  ألكسندر كرامارينكو- سفير مفوض فوق العادة
Rate this item
(0 votes)

إن قرار البيت الأبيض الذي تم الإعلان عنه قبل أيام سبب عاصفة من ردود الفعل. بالطبع لم يكن هناك قضية أخرى خاصة في ظل الظروف الراهنة يمكن أن تثير جدلاً مثل هذا الموضوع برمزيته وأهميته، حتى لو كان يتعلق بالوضع الداخلي للولايات المتحدة. ولو أنه تم نشر لافتة ضخمة على تمثال الحرية كتب عليها "مغلق للإصلاح" لما تركت صدى بالقدر الذي تركه قرار ترامب هذا، الذي يعتبر بمثابة رسالة إلى العالم الخارجي تشير إلى أن أمريكا تغلق أبوابها من أجل التركيز على الشؤون الداخلية الملحة، خاصة بعد الانطلاقة المتسرعة للإصلاحات في عهد الرئيس أوباما.

هذا القرار مثله مثل كل شيء في الحياة له منطقه الخاص، والذي يجب أن يكون مفهوماً. القضايا الخارجية مؤجلة على الرف. والحلفاء يمكن أن يحصلوا على ما يريدون ولكن على حسابهم الخاص وفي إطار دبلوماسية الشؤون الداخلية. وكل شيء يمكن أن يعيق تحول البلاد سوف يتم تجاهله تماماً، لكن هذا لا يعني التخلي عن عناصر استراتيجية السياسة الخارجية التقليدية، بما في ذلك البقاء على الحلفاء تابعين وخلق مشاكل للمنافسين المحتملين، ولكن ليس على حساب الأولويات الداخلية، وإنما في سياق الأمور ومن أجل الراحة النفسية للنخب.

وما يدل على الوضع المعقد بالنسبة للإدارة الأمريكية وللبلاد على حد سواء، هو حقيقة أن دونالد ترامب اعتبر أنه من الضروري التنازل أمام الناخبين للجناح المتدين ونخب الحزب الجمهوري، الذي لا علاقة له بالعهد الجديد. وهذا ما لم يفعله أي رئيس من قبله. هذا الجزء من المجتمع الأمريكي يؤمن بما يسمى "بالصهيونية المسيحية" في إشارة إلى أن الأماكن المقدسة يجب أن تكون تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين قدوم "المسيح المخلص". الحديث يدور هنا عن حملة صليبية بالوكالة تقودها إسرائيل... ويا للعجب والغرابة. لكن هذه المرة على حساب الولايات المتحدة التي أصبحت وجهاً لوجه في مواجهة العالم الإسلامي بأسره.

ومهما كان الاهتمام كبيراً بمسألة نجاح عمليات التحول في الولايات المتحدة، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتفق مع هذا النهج غير المسؤول الذي يتماشى مع روح "أنا ومن بعدي الطوفان"، والذي يتجاهل مصالح الأطراف الأخرى في الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك الإطار القانوني الدولي الذي تشكل أثناء تسوية هذه القضية. وهذا القرار لا يناسب وضع الولايات المتحدة باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، الذين يتحملون مسؤولية خاصة في صون الأمن والسلم الدوليين.

بعد محاولات تنفيذ استراتيجية تغيير الأنظمة العلمانية في العراق وسورية خلال السنوات الـ 25 الماضية، مع الرهان على هذه الأنظمة الملكية وقبل كل شيء في الخليج العربي، فإن الولايات المتحدة تخلت في الواقع عن هذه الأنظمة الملكية وتركتها على مهب الريح. وليس المهم القضية الفلسطينية بحد ذاتها (من خان وعدد المرات التي تم فيها خيانة الفلسطينيين في هذه المنطقة؟) بالقدر ما هو مهم البعد الديني لوضع القدس ومقدساتها. وهذا يؤثر بشكل كبير على مسألة شرعية الأنظمة الملكية في العالم العربي والإسلامي. ويتجلى هذا الأمر بشكل واضح للمملكة السعودية، التي كانت تعمل على تصدير الجهاد لمدة 40 عاماً. والآن، وبعد انهيار المشاريع الجهادية في العراق وسورية قد تصبح المملكة هي الضحية وفق المبدأ القائل "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها". حتى أن المتشددين الأصوليين لم يخفوا أبداً بأن السيطرة على شبه الجزيرة العربية ومقدساته هي هدفهم النهائي، ناهيك عن أن الولايات المتحدة، من خلال استخراجها للزيت الصخري، أصبحت غير مرتبطة في مجال موارد الطاقة بدول المنطقة.

قرار واشنطن هذا يؤثر على مشروع تحديث المملكة السعودية الحالي، على الرغم من أن نجاحه كان محط شك. وبالتالي فإن انهيار المملكة السعودية، وهذا ما تنبأ به الخبراء والمراقبون منذ فترة طويلة ووضعوا مختلف السيناريوهات، سوف يطرح على جدول الأعمال مسألة التحكم الجماعي للدول الإسلامية الرائدة بالمقدسات الإسلامية في مكة والمدينة المنورة. وبالتالي فإن الطموحات العثمانية الجديدة لأنقرة ليست وهمية تماماً، ومن غير المرجح أيضاً أن يؤدي إزالة القواعد الأمريكية في المنطقة إلى تخفيف العبء عن الرياض وعواصم أخرى، لا بل على العكس. وسوف تكتسب مسألة مستقبل الإسلام وتحديثه، حيث يمكن أن تكون الريادة هنا للإخوان المسلمين وتركيا وقطر، ديناميكية جديدة. المقاطعة الشرقية في المملكة السعودية الغنية بالنفط يقطنها الشيعة، فهل سيصبح الخليج العربي "بحراً شيعياُ"؟ بمعنى آخر أنه من خلال توجيه ضربة واحدة سوف ينهار الهيكل الكامل للسياسة الإقليمية مع علمنا أن هذا الهيكل عاجلاً أم آجلاً كان ينبغي أن يتغير، لكن هذه مسألة أخرى. مع أنه من الواضح أن الغرب قد خسر كل الوقت من أجل تحقيق تحول إيجابي في المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة، والولايات المتحدة ببساطة لم تؤد واجبها لأنها كانت تفرض سياستها على الدول الغربية، وفي نفس الوقت لعبت دوراً سلبياً في تقاعس "الرباعية" للوساطة الدولية في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لمصالح إسرائيل كما تفهمها نخبتها، فقد كان الرهان على إقامة تحالف غير رسمي مع المملكة السعودية ضد إيران. أما الآن ستواجه من الناحية الاستراتيجية، العزلة في المنطقة. حزب الله المحارب (من خلال مشاركته في حرب حقيقية في سورية وفقدانه عدة آلاف من المقاتلين) فإن ذلك كان أخطر بكثير مما حدث في عام 2006. وإن الأسلحة التقليدية من خلال قوتها التدميرية ودقتها في الإصابة باتت تشبه إلى حد كبير أسلحة الدمار الشامل. الولايات المتحدة لن تحارب في المنطقة إلى جانب إسرائيل أبداً وسوف تقتصر على الدعم المالي وتقديم الأسلحة والتقنيات العسكرية. على كل حال هذا ما يجعل التعاطف مع إسرائيل في أمريكا رخيصاً نسبياً.

بالطبع يمكن أن تعتمد إسرائيل على دبلوماسية روسيا، ولكن نحن نعلم بأن الدبلوماسية هي فن الممكن وإن الشيء الوحيد الذي يمكن لموسكو القيام به لإسرائيل هو إجلاء السكان المنحدرين من الاتحاد السوفيتي السابق وأحفادهم. ببساطة فإن التطور العالمي دخل مرحلة عندما ينبغي أن نفكر في ما كان لا يمكن أن يحدث لنا من قبل. وإن ما حققناه في سورية حدث بإرادة شخص واحد، الذي استطاع بدقة قراءة الوضع المعقد ومخاطره وتداعياته، هذا الشخص يتمتع بحس الاعتدال الذي يتناسب مع ثقافتنا وليس مع الثقافة الأمريكية الغربية. نحن وضعنا أهدافاً محدودة وحققناها، ونحن في نهاية المطاف لسنا آلهة. جوهر نجاحنا يكمن في أننا لم نضع خطة خروج مستقلة، وإنما كانت من ضمن استراتيجية النصر من خلال تحديد كل التصورات لأعمالنا من البداية إلى النهاية. نحن بشكل أو بآخر لن نخرج من سورية قريباً ولكن الولايات المتحدة مصممة إعاقتنا في سورية من خلال القيام بأعمال تخريبية ، وهذا بدوره سوف يعقد الوضع في إسرائيل من خلال الحديث عن توقعات عالية وأوهام خطيرة. المهم أن روسيا موجودة في المنطقة بحكم الضرورة، ونحن لسنا سادتها، كما تدعي وسائل الإعلام الغربية التي تحاول أن تعزو إلينا ثقافتها السياسية، ونحن لا نريد التحكم والسيطرة على هذه المنطقة كما فعل الأمريكيون من خلال (الرعاية الاستراتيجية) لهذه المنطقة.

وسيكون من الأفضل أن تقيم إسرائيل علاقات جيدة مع أنقرة، ولكن هي وحدها قادرة على إنقاذ الوضع، وعلى وجه الخصوص سيكون عليها أن تقدم مشروعاً سلمياً واقعياً مع العرب وبسرعة، بما أنه مازال هناك جهة يمكن التفاوض معها. وهنا يبدو أنه لا يوجد لدى إدارة ترامب برنامج حقيقي حول هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه يجب أن نأخذ بالحسبان أنه من الضروري توفير الضمانات الدولية لضمان أمن إسرائيل ضمن جميع السيناريوهات المطروحة. وبالتالي لا ينبغي على إسرائيل أن تصعد الموقف، وإلا هذا سوف يرتد عليها، وسيكون القطار قد فات .على أي حال الحل بيد السلطات الإسرائيلية ولا يمكن لأحد، باستثناء الظروف، أن يفرض الحلول اللازمة عليها.

من مصلحة إسرائيل الإسهام في تحديث المنطقة، وبالتالي ينبغي عليها أن تتعظ من تجارب دعمها للمشاريع الأمريكية الفاشلة، خاصة وأن كل منها أضر في نهاية المطاف بمصالح أمنها، هكذا على الأقل ما تصرح به النخبة الإسرائيلية. يكفي أن نذكر بأن الحرب في العراق حظيت بدعم تحت شعار "الطريق إلى القدس تمر عبر بغداد" (ثم عبر دمشق؟). والآن بعد أن أعلنت واشنطن عن "هديتها الأخيرة" من خلال إغلاق الباب أمام إسرائيل عبر عدم تحمل مسؤولية تقرير مصير الشرق الأوسط، فإنه قد حان الوقت لإعادة تقييم الوضع واتخاذ القرارات التي من شأنها ضمان بقاء إسرائيل في بيئة إقليمية جديدة على المدى الطويل.

بشكل عام نحن نتحدث عن ظاهرة إغلاق فعلي للمشروع الغربي من قبل مؤسسي وأصحابه المستفيدين الرئيسين من الأنغلوساكسون. يبدو أن أمريكا من خلال لعب دور الإمبراطورية أخذت على عاتقها مسؤوليات أكبر مما يمكن أن تتحمل. فعلى سبيل المثال تم رفض مواصلة العمل ضمن إنشاء اثنين من المشاريع العملاقة التي تمثلت في شكل شراكة عبر المحيط الهادئ وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، وهذه الصفعة بسمعة الولايات المتحدة التي لا تعترف بخسارتها. لقد كان البريطانيون أول من أدركوا حقيقة الوضع بما في ذلك قسم مهم من النخبة المحافظة. وقد لعبت تجربتها الخاصة دوراً إيجابياً عندما أصبحت أنقاض الإمبراطورية البريطانية مادة لبناء الإمبراطورية الأمريكية العالمية. الآن هذه الإمبراطورية تنهار، وهي ستكون الأخيرة ولن تكون هناك إمبراطورية أخرى، وينبغي على كل دولة أن تنقذ نفسها بنفسها. ولهذا وتحت شعار "بريطانيا العالمية" اختارت لندن دبلوماسية متعددة الاتجاهات شبيهة بالنموذج الروسي وبنموذج التجارة الحرة الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر. وهنا نفترض بأن هذا الموضوع موجود على طاولة المباحثات لتشكيل حكومة ائتلافيه بين شولتز وميركل، فألمانيا لم تعد ترغب في أن تكون الطليعة ضمن الدول الغربية وذلك لأنه لم يعد هناك مفهوم "العظمة الغربية" كما كان سابقاً، لكن من الضروري إنقاذ منطقة اليورو، على الرغم أنه من الأفضل أخذ زمام المبادرة والبدء بعمل جدي لإنشاء أوروبا الكبرى، بما أن المشروع الأوروبي في شكله الحالي فشل فعلياً (فالألمان لا يريدون أن يدفعوا المزيد من أجل تحقيق التكامل).

 

وعلى أثر سقوط باريس و(فرنسا) في شهر حزيران/يونيو عام 1940 كتبت آنا أحماتوفا تقول: "عندما تنهار الإمبراطوريات، فلأحد يسير في جنازتها ولا أحد يقرأ الآيات ويترحم عليها، ولا يبقى في مكانها سوى الأطلال". في هذه المرة هناك الكثير من قرقعة السيوف- عقوبات من واشنطن وخطاب مناهض لروسيا من لندن. هذا لا يغير شيئاً في جوهر المسألة فالحلفاء والأصدقاء يجب أن يبقوا في الخنادق حتى النهاية.  هذا يعني أن السفينة الأمريكية بدأت تغرق، وبطبيعة الحال لا ينبغي أن ننتظر وقوع الكارثة. وإن القرار المتعلق بالقدس لا يترك أي شك، ليس فقط بين الحلفاء للولايات المتحدة من العرب، حيال جوهر ما يجري من أحداث. 

 

Read 745 times