InterAffairs

السبت04212018

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel

 

 

السياق العالمي

تم التفكير بالجولة الحالية للانعطاف الروسي نحو الشرق في النصف الثاني من العقد الأول للقرن الواحد والعشرين، باعتبارها استجابة اقتصادية متأخرة لصعود آسيا، والتي قدمت للبلاد العديد من الفرص لتنميتها وتطويرها، وقبل كل شيء للجزء الشرقي منها. هذا الصعود مكّن من تحويل مناطق ما وراء الأورال والشرق الأقصى إلى منطقة متطورة للبلاد كلها، بعد أن كانت تشكل عبئاً في عهد روسيا القيصرية، أو جبهة خلفية في مواجهة الغرب، وأحياناً جبهة لمنافسة اليابان أو الصين.

لقد تم تبرير جدوى الانعطاف من خلال التوقعات التي تحدثت عن تباطؤ حتمي لاقتصاد الشريك التقليدي الرئيسي، والحديث يدور عن أوروبا، وكذلك تفاقم العلاقات معها ومع الغرب بشكل عام. في ظل ذلك أصبح من الواضح تماماً ضرورة تنويع العلاقات الاقتصادية ومصادر التنمية الخارجية.

وقد حظيت هذه التقييمات بدعم عدد من الاتجاهات القوية التي ظهرت على مدى العقود الماضية. أولاً الحديث يدور عن انهيار وأزمة النظام العالمي الذي فرضه الغرب على العالم منذ لحظة شعوره بأنه حقق النصر النهائي. ثانياً ظهور طابع اللاعولمة بشكل سلبي والطابع الإقليمي على السياسة والاقتصاد العالميين. ثالثاً تسارع الاتجاه المرتبط بسابقه نحو تسييس العلاقات الاقتصادية، الذي جعل الترابط والاعتماد على سوق واحدة أقل ربحية نسبياً، إن لم يكن خطراً للغاية.

وأخيراً ظهرت نزعة شعارها "آسيا للأسيويين" بشكل واضح بدلاً من شعار "آسيا للعالم". التطور في آسيا، وخاصة في الصين، بدأ في التركيز أكثر فأكثر على الأسواق المحلية والإقليمية. على التوازي بدأت عملية التحرر الروحي والإيديولوجي للحضارات الآسيوية العظيمة سابقاً، التي وجدت نفسها خلال القرنين الماضيين إما مستعمرة أو مرتبطة ارتباطاً شبه كامل بالغرب. حيث استحوذت الدول الآسيوية الكثير من الإنجازات الغربية واستفادت من النظام الاقتصادي العالمي الليبرالي الذي أنشأته، وتعززت مكانة هذه الدول وبدأت المطالبة بدور فعال على خارطة العالم  الأيديواستراتيجية.

وقد أصبح من الواضح حتمية انسحاب الولايات المتحدة المؤقت، التي تعبت من لعب دور الشرطي العالمي. حيث بدأ دور إنعاش البلاد داخلياً يظهر واضحاً في عهد الرئيس باراك أوباما. لكن النخب القديمة والقصور الذاتي لم يسمحوا له الابتعاد عن التدخل المكلف وغير الفعال في شؤون الدول الأخرى، في حين عزز ترامب من نزعة "الانغلاق على الذات". الولايات المتحدة تحولت إلى ملغمة خطيرة شبه منعزلة مع ما تبقى لها من تدخلات خارجية، وأصبح من الواضح أن بلاد العم سام تسعى بشكل متزايد إلى إنشاء مركزها الخاص من خلال التخلص من بعض التزاماتها العالمية غير المربحة.

بدأت تتشكل نزعة تميل إلى صياغة عالم ثنائي القطب من خلال عالم متعدد الأقطاب مع ما يترتب عنه من فوضى حتمية، القطب الأول الولايات المتحدة وما يدور في فلكها، والثاني الفضاء الأوراسي. وعلى الرغم من أن الصين تبدو بشكل واضح المركز الاقتصادي للفضاء الأوراسي، إلا أنه لن يتم هيكلة المركز الأوروبي الأسيوي في حال لعبت بكين دور المهيمن على هذه المنطقة.

لكن على أي حال اتضح أن روسيا من خلال انعطافها نحو الشرق اكتشفت لنفسها العديد من الفرص التي لم تكن متوقعة منذ البداية.

النتائج الأولى

أخيراً لقد تحقق انعطاف روسيا نحو الشرق، الذي تم الإعلان عنه مراراً وتكراراً، والذي بدأت معالمه السياسية والاقتصادية ترتسم بشكل جلي في الفترة ما بين 2011-2012. وعلى الرغم من تراجع التجارة الخارجية الروسية وانخفاض قيمة الروبل، إلا أن التجارة مع آسيا أخذة في النمو مرة أخرى، وهذه الحصة تزداد بسرعة نسبة لإجمالي التجارة الخارجية للبلاد.

لقد أصبح هيكل التجارة الخارجية غير المربح وغير السليم من الماضي، والذي تشكل في سنوات انهيار المجمع الاقتصادي السوفيتي وانتشار الفوضى، عندما كانت البلاد تحصل على سلع مكلفة وغير مجدية اقتصادياً من الغرب وخاصة من أوروبا، مقابل توريد منتجات الطاقة. إن تنويع تدفق التجارة الخارجية يضع روسيا في موقف مربح إن كان ذلك أثناء المساومة الاقتصادية أو السياسية، مما يغير التوازن لصالحها. في الوقت الراهن لا يقتصر الأمر على توريد منتجات الطاقة إلى الشرق، بل أيضاً المنتجات الزراعية وغيرها من السلع الهامة استراتيجياً وكذلك الأسلحة.

لقد بدأت مرحلة مهمة من زيادة في الاستثمار، وهي حتى الآن تأتي إلى حد كبير من الصين. وتشير التقديرات إلى أن حجمها المتراكم بات يتجاوز 30-40 مليار دولار. ومما يضمن المزيد من النمو في التجارة والاستثمارات هي سلسلة من المشاريع الضخمة في مجال الطاقة، وإطلاق مشروع "ميناء فلاديفوستوك الحر" والذي يتضمن معظم موانئ ساحل المحيط الهادي الروسي، بالإضافة إلى تشغيل 15 منطقة ذات التنمية المتقدمة.

العلاقة بين روسيا والصين تحمل طابع التحالف بحكم الواقع وليس بحكم القانون، لكنها تصبح أكثر تكاملاً وتوازناً من خلال تعزيز العلاقة مع اليابان وفيتنام وبقية دول منظمة الآسيان الأخرى والهند وكوريا الجنوبية وإيران. وبدلاً من التنافس المتوقع في آسيا الوسطى بين موسكو وبكين بدأت تنشأ عمليات تكامل، وإن كان ذلك ببطء، خاصة بين مشروع "طريق الحرير الجديد" الصيني والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. السياسة الروسية في آسيا تصبح شاملة واستراتيجية، لكن مازال هناك طريق طويلة على الرغم من تباطؤ هجرة السكان من منطقة الشرق الأقصى، ونحن على موعد مع الانتهاء من هذه الهجرة في السنوات المقبلة.

بطبيعة الحال فإن الانعطاف الاقتصادي يجري ببطء شديد سواء بسبب القصور الذاتي المتراكم، بما في ذلك بسبب التفكير الاقتصادي، أو بسبب بطء عمل الأجهزة الحكومية الروسية وفساد النخبة، والأهم من ذلك يرجع إلى الركود الاقتصادي وضعف المناخ الاستثماري، وقبل كل شيء الخاص بأصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة في روسيا الاتحادية. حتى الآن لم تصبح سيبيريا أرضاً ذات اقتصاد حر كما كانت عليه في العهد القيصري. ومع ذلك نحن على أمل في ألا تعود تلك الأوقات التي شهدت تنمية قسرية وتطوراً باستخدام أساليب العنف أو نقل القدرات الإنتاجية كما كان ذلك خلال الحرب الوطنية العظمى في البلاد.

الجدير بالملاحظة أنه حتى الآن لم يتم تنفيذ قرار الحكومة الخاص بنقل المكاتب الرئيسية لعدد من الشركات ومؤسسات الدولة إلى منطقة الشرق الأقصى، مع أننا نعتبر أنه من المجدي أن يتم تأسيس عاصمة ثالثة في منطقة شرق المحيط الهادي لروسيا الاتحادية.

نعيد ونكرر مرة أخرى لا يزال الطريق طويلاً أمامنا، ولكن الشيء الرئيسي قد حدث وهو تغير التوجه الجيواستراتيجي للنخبة الحاكمة في روسيا. على مدى السنوات الثلاث مئة الأخيرة، وعلى الرغم من استمرار التوسع نحو الشرق، كانت النخبة في روسيا تعتقد بأن بلادها هي المناطق النائية لأوروبا، تارة تطمح أن تكون جزءاً منها وتارة تبتعد عنها. في أوروبا كان هذا التطلع يحظى بتأييد كبير، في محاولة للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية، وهذا ما كانت تحصل عليه غالباً من الطامح في الانضمام إلى هذا "النادي". المثال الأخير هو المحاولة الفاشلة للنخبة التي تشكلت في نهاية الاتحاد السوفيتي بداية استقلال روسيا عندما أرادت أن تصبح جزءاً من أوروبا ولعب دور التلميذ وفقاً للقواعد المقترحة.

إن محاولات فرض القيم الأوروبية الحديثة والتي في حقيقة الأمر عفا عنها الزمن شجع على ظهور فتور في طموح روسيا نحو أوروبا ونحو التعاليم التبشيرية الديمقراطية من بروكسل. هذه المحاولات بدأت تنمو مرة أخرى منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، على التوازي مع الضعف المتزايد لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وهذا أمر مفهوم، فالدور الرئيسي في الحد من رغبة معظم النخبة الروسية في أن تصبح جزءاً من أوروبا كان لسياسة الحلفاء الغربيين التوسعية والتي استهدفت الأراضي، التي تعتبرها روسيا حيوية من وجهة نظر ضمان أمنها، والتي من أجلها فقدت روسيا الإمبراطورية والاتحاد السوفيتي العديد من الملايين. هذه السياسة أدت إلى فشل المشروع الخاص بإنشاء منظومة الأمن الأوروبي المستقرة والبيت الأوروبي المشترك والاتحاد الأوروبي.

مستوى التوتر والنأي بالنفس المتبادل أصبح آخذ في الازدياد تدريجياً. وأخيرا، دخل التفاقم في العلاقات السياسية طوره الحاد في الفترة ما بين 2012-2014. فرض العقوبات لممارسة الضغط على روسيا من جهة، والأكثر من ذلك في محاولة لخلق "العدو الخارجي"، وإيقاف انهيار الاتحاد الأوروبي من الداخل، كل ذلك أظهر خطر التبعية الاقتصادية المفرطة في السوق الأوروبية، ودفع بالانعطاف إلى أسواق جديدة في الشرق.

النأي عن النفس من أوروبا كان أيضاً على المستوى الإيديولوجي. فالمنحدرون من أصول أوراسية المناهضون للغرب وأوروبا كانوا منبوذين من قبل بعض القوى الغربية السابقة. جزء من هذه النخبة أصبح يعلن أن روسيا ليست أوروبا، والجزء الأخر بدأ يؤكد أن روسيا هي أوروبا الحقيقية، وأن الاتحاد الأوروبي لم يعد له وجود. الجزء الثالث ارتأى اتباع نهج اعتبره معقولاً في النأي عن النفس مؤقتاً سياسياً وثقافياً. إن مسألة تقرير المصير الثقافي لروسيا بالنسبة لأوروبا لم يتم تحديدها بشكل نهائي حتى الآن على الرغم من وضوح الاتجاه المتبع.

لكن الشيء الرئيسي حدث في السياسة وأثناء تقرير المصير الجيواستراتيجي ومعظمه في الاقتصاد. وقد تحولت روسيا من منطقة أوروبية نائية إلى منطقة أوراسية مركزية أو، ربما، كقوة أوراسية شمالية عظمى. الفضاء الأوراسي في المفهوم الجيوسياسي الروسي الحديث يشمل غرب القارة أيضاً، ولا يعتبر مناهضاً لأوروبا كما كان ذلك في العهد السوفييتي ولدى الروس المعاصرين الأوراسيين.

تحديد الهوية الجيوسياسية والجيواقتصادية الروسية الجديدة يعني التحرر من التبعية الأخلاقية والسياسية من الغرب والتعزيز النوعي للمواقف في الحوار والتفاعل معه. في الوقت ذاته فإن روسيا لم ترفض التعاون مع البلدان الأوروبية خاصة في المجالات التي تعود بالفائدة عليها. مثل هذا الرفض هو ليس فقط غير مربح اقتصادياً لكنه غير ممكن وخطير إيديولوجياً ويهدد هوية غالبية الروس الذين يعتبرون أنفسهم أوروبيين حتى لو أنهم غير معجبين كثيراً بأوروبا المعاصرة، التي يليق بها أن يطلق عليها المنطقة ما بعد أوروبا، بسبب التخلي عن جزء كبير من القيم التي حددت هويتها، والتي تعتبر في روسيا قيماً خاصة بها.

استناداً إلى التقييم والتنبؤ بالاتجاهات الجيواقتصادية والجيوسياسية، واستناداً إلى النتائج الأولية للانعطاف الاقتصادي والسياسي والفكري نحو الشرق، تم طرح فكرة تشكيل مجتمع جديد في روسيا ضمن إطار الشراكة الأوراسية الكبيرة. هذه الفكرة حظيت بدعم رسمي من القيادة في روسيا والصين وأصبحت مبادرة ثنائية منفتحة أمام بلدان أخرى. إن السياسة الروسية الآسيوية الجديدة سوف تندمج مع الاتجاه الأوروبي الثاني ومع الثالث – الجنوبي ومع الرابع- الشمالي في المحيط المتجمد وبالطبع مع الاتجاه الأمريكي إن كان ذلك ممكناً.

في المنعطف الجديد وفي سياق المواقف الجديدة وعلى أسس جديدة فإن تفعيل التعاون مع الدول الأوروبية الأخرى سيكون مفيداً. فأوروبا شريك مريح ومورد مناسب للعديد من التقنيات والمنتجات. والتقارب الجديد مع الشركاء القدامى يسهل من خلال النجاحات في السياسة الخارجية الروسية. في أوكرانيا، وإن كان ذلك متأخراً وبتكلفة باهظة، تم الحد من التوسع الخطير للتحالفات الغربية. في سورية سياسة مجنونة تهدف إلى تغيير الأنظمة. ومن وضع شبيه بجمهورية فايمار فإن روسيا التي كانت في موقف المدافع، عادت إلى دورها المعتاد كقوة منتصرة واثقة من نفسها من جديد.

الفضاء الأوراسي الكبير

الشراكة أو المجتمع الأوراسي الكبير هو أولاً إطار مفاهيمي يحدد تجاه تعاون الدول في القارة. هذه الشراكة يجب أن تهدف إلى إحياء الثقافة والسياسة والاقتصاد المشترك وتطوير العشرات من البلدان الأوراسية المتخلفة جزئياً، وإلى تحويل الفضاء الأوراسي إلى مركز للسياسة والاقتصاد العالميين. هذا الفضاء الأوراسي سوف يشمل بلدان آسيا الشرقية وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا ووسط القارة الأوراسية وروسيا، وكذلك بلدان القارة العجوز المتطورة ومنظماتهم، بالقدر الذي يكونوا فيه قادرين وراغبين في إقامة التعاون البناء.

ثانياً المجتمع الأوراسي الكبير هو عبارة عن مجتمع جيواقتصادي شعاره آسيا للأسيويين، وانعطاف الصين نحو الغرب واندماجها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وتحول روسيا إلى الشرق.

ثالثاً هو عبارة عن فضاء من التعاون الحضاري الذي تم إعادة إنشائه بعد انهيار دام قرون، وهو تجسيد للجانب الثقافي لطريق الحرير العظيم، الذي شمل وربط حضارات الصين والهند والفرس والشرق الأوسط العربي مع أوروبا عبر الإمبراطورية الرومانية الشرقية والبندقية وإسبانيا

رابعاً المجتمع الاوراسي الكبير هو توجه نحو مجتمع جيواستراتيجي جديد وتطوير للفضاء الأوراسي والتعاون والسلام والأمن، والذي يهدف للتغلب على الانقسامات المتبقية من الحرب الباردة ومنع ظهور حروب جديدة، وتسوية الخلافات والنزاعات بين أعضاء الشراكة. وإن من أهم وظائفه المحتملة هي الغوص في شبكة من العلاقات والتعاون والموازنات وتحقيق الاتفاق مع الصين لمنعها من أن تصبح قوة مهيمنة محتملة التي سوف توحد ضدها حتماً بلدان أوروبا وآسيا الأخرى عبر توجيه دعوة لقوى أخرى خارجية تتمتع باهتمام أقل في الحفاظ على الاستقرار والسلام في القارة. في الوقت ذاته ينبغي على هذا المجتمع الأوراسي الكبير أن يكون منفتحاً على بقية العالم وعلى مركزه الهام الآخر الذي يتشكل في محيط الولايات المتحدة ومن خلال منظمة الأبيك ومنتديات مماثلة وعبر مؤسسات أطلسية ومن خلال الحوار الثلاثي الذي يتم توسيطه عبرنا حول القضايا العالمية والاستقرار الاستراتيجي الدولي بين روسيا والصين والولايات المتحدة.

المجتمع الأوراسي الكبير ينبغي أن يتشكل على أساس القيم التقليدية للقانون الدولي ومبادئ التعايش ورفض أي شكل من أشكال الشمولية والتفوق الاجتماعي أو الهيمنة. ومن بين المبادئ التي سيكون من الضروري الاعتماد عليها أثناء بناء المجتمع الأوراسي الكبير (من الناحية المثالية- العلاقات الدولية بشكل عام) هي:

-         الاحترام غير المشروط للسيادة ووحدة الأراضي ورفض سياسة الهيمنة والإملاء والتهديدات، وبذل الجهود المشتركة للحفاظ على السلام والاستقرار تحت رعاية الأمم المتحدة

-         الاحترام غير المشروط للتعددية السياسية وحرية الاختيار السياسي لشعوب بلاد القارة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض

-         الانفتاح الاقتصادي والحد من الحواجز أمام التجارة والاستثمارات الدولية ورفض تسييس العلاقات الاقتصادية التي تقوض الروابط والتعاون الاقتصادي على أساس مبدأ "زائد - زائد" – ربح للجميع

-         رفض إقامة تحالفات عسكرية وتوسيع التحالفات الموجودة حالياً، وتقديم الدعم الكامل لمبدأ الحياد وعدم الانحياز وضمان أمن الدول التي اتخذت هذا الخيار

-         التركيز على إنشاء منظومة تنمية قارية والتعاون والأمن من جاكرتا (أو طوكيو) وحتى لشبونة، والتي من شأنها أن تغطي وتعوض مشروع الأمن الأوروبي الفاشل وأن توفر شكلاً جديداً لحل الصراعات في أوروبا ومحيط الصين وفي شبه الجزيرة الكورية وفي الشرق الأوسط

-         التركيز على الحفاظ على الاستقرار العسكري والسياسي ومنع حدوث الصراعات باعتبارها شرط أساسي للتنمية الاجتماعية وزيادة الرفاهية، وفي نهاية المطاف ضمان حقوق الإنسان الأساسية

-         التركيز على الحفاظ على تنوع الثقافات وتنميتها وإقامة روابط ثقافية تاريخية جديدة عبر الحوار بين الحضارات الأوروبية والآسيوية من أجل السلام والتعاون والإثراء المتبادل

-         حماية حقوق الإنسان في علاقاته المتصلة اتصالاً وطيداً مع حقوق المجتمعات والدول

إن الفضاء الأوراسي الكبير هو إطار مفاهيمي يركز على مستقبل التحديد الذاتي للهوية الروسية الجيواستراتيجية والجيواقتصادية باعتباره مركزاً وقارة شمالية متطورة تعمل على خدمة أحد الروابط الهامة في مجال النقل والاقتصاد وأهم مورد للأمن. وروسيا بفضل خبرتها المتراكمة منذ قرون وعلاقاتها مع الغرب ومع الشرق وتعاونها السلمي بين مختلف الأديان وانفتاح الثقافة الروسية، ينبغي أن تلعب دوراً مركزياً في إنشاء وإعادة بناء التعاون الثقافي في الفضاء الأوراسي. في الوقت نفسه فإن روسيا لن تتخلى عن جذورها الثقافية الأوروبية المهمة وسوف تعمل على تطويرها.

إن الفضاء الأوراسي الكبير هو إطار مفاهيمي لمشروع مشترك، أو بالأحرى لمشاريع عديدة تضم دولاً ومنظماتهم التي هي على استعداد لتحقيق الهدف المشترك المتمثل في تعزيز التطور القاري والسلام والتعاون الوثيق. سيلعب الثنائي الصين وروسيا الدور الريادي في إنشائه، حيث أكد الزعيمان رسمياً على دعمهما على مفهوم الشراكة ضمن الفضاء الأوراسي الكبير. ولكن هذا المفهوم يتطلب وجود حوار ملموس متعدد الأطراف.

إن الإطار المفاهيمي يسمح من خلال استخدام التوجهات ترشيد سلوك الدول والمنظمات القائمة وصيغ الحوار في قناة واحدة تهدف إلى تشكيل وصياغة مجتمع جيوثقافي وجيوسياسي وجيواقتصادي جديد والحديث يدور عن شراكة ثم تأسيس مجتمع يضم الفضاء الأوراسي الكبير ويبدو أن منظمة شانغهاي للتعاون هي المنصة الطبيعية للمباحثات من أجل إنشاء مثل هذه الشراكة وذلك من خلال منح هذه المنظمة المزيد من الطاقة والانفتاح وتحولها من منظمة إقليمية بحتة إلى منظمة عالمية ومنتدى لمناقشة جميع المشاكل والقضايا. وربما يكون من المفيد إنشاء حوارات بين منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الأوروبي من جهة والاتحاد الاقتصاد الأوراسي والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. ويمكن أن تكون البداية في عقد اجتماعات الخبراء بين هذه المنظمات ومن ثم عقد منتدى للخبراء السياسيين للتنمية الأوراسية والتعاون والأمن. ومع ذلك فإن استخدام المنظمة الموجودة حالياً (من خلال العمل على تطويرها) هو أفضل من تأسيس منظمة جديدة تفتقد للإطار المؤسساتي.

بالطبع، ومن أجل تأسيس هيكلية جديدة على أساس منظمة شنغهاي للتعاون (لدى تطويرها والحفاظ عليها)، فإن ذلك يتطلب جهوداً فعالة مشتركة لأعضائها، وخاصة روسيا والصين اللتان أعاقتا بعضهما البعض في منظمة شنغهاي بسبب محاولة كل منهما للآخر الحد من نفوذه اقتصادياً. (يبدو أن روسيا كانت قلقة من الهيمنة الصينية) وكذلك في مجال الآمن (وهنا يبدو أن الصين قلقة من الدور الروسي في هذا المجال). حالياً ما يعوق التنمية هو التناقضات الموجودة بين الهند والصين، وبالتالي نحن بحاجة إلى شكل جديد يغطي على التناقضات القديمة. وهذا يمكن تحقيقه من خلال التوجه المشترك للشراكة ضمن الفضاء الأوراسي الكبير، الذي يتطلب المزيد من الجهود والمزايا التنافسية لتحقيق المنفعة العامة.

خارطة طريق المستقبل

إن الانعطاف الذي تحقق نحو آسيا يتطلب ليس فقط توسيع اتجاهات التنمية التي تم تحديدها وإنما إطلاق مشاريع جديدة أيضاً. ولكن قبل كل شيء ينبغي القيام بدراسة التوقعات بشكل معمق لأسواق آسيا والمحيط الهادي من جديد، وذلك من أجل تفعيل الاستثمارات، خاصة وأنها تبدو حتى الآن متواضعة، وأغلبها من المنتجات الزراعية والغذائية التي تتمتع بالطلب على المدى الطويل. ينبغي ربط سياسة الانعطاف للاستراتيجية غير الموجودة، الخاصة بالانتعاش الاقتصادي والتنمية في روسيا.

على سبيل المثال ليس من المستبعد أن تزيد الصين من الطلب على المعادن وغيرها من منتجات الطاقة الضخمة والتقليدية بالنسبة للصادرات الروسية على خلفية انفجار الاستثمار للبنية التحتية في الولايات المتحدة. في الوقت ذاته هناك احتمال كبير في انخفاض الطلب على الفحم في العالم، ولا سيما في آسيا، وبالتالي فإن هذه العملية تتطلب حالياً إعادة هيكلة القطاعات وما يربطها من تدفق هائل في وسائل النقل. إن عملية الاسراع بالانعطاف ضرورية بسبب الانهيار الاقتصادي والفكري الذي حدث في تسعينات القرن الماضي بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ونحن نعتبر أننا تأخرنا كثيراً عن هذا الانعطاف وفقدنا الكثير من الفرص.

بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية الضخمة للنقل فإن الأولوية القصوى هي في تطوير طرق النقل شمال- جنوب، التي تربط ليس فقط الشرق الأوسط، وإنما المناطق الوسطى والغربية من سيبيريا وجبال الأورال إلى الأسواق ذات النمو السريع في غرب الصين وإيران والهند وباكستان. على الرغم من التباطؤ الحالي للعمليات التكاملية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بسبب الأزمة الاقتصادية، إلا أن الاتحاد يحتاج إلى جدول أعمال جديد طويل الأمد. ربما الحديث يدور عن سياسة التجارة المشتركة وسياسة النقل الموحدة والتكامل ضمن ظروف مثلى في الفضاء الأوراسي الكبير الموحد والمشاركة في صياغة معاييره وقواعده.

من الضروري إقامة التحالفات التقنية متعددة الأطراف مع بلدان القارة سواءً كان ذلك في الغرب أو الشرق. معظم الصناعات ذات التقنية العالية لا يمكن تطويرها من خلال التركيز بشكل رئيسي على السوق المحلي أو أسواق الحلفاء. وبالتالي هناك حاجة لإقامة تحالفات تكنولوجية من أجل الوقاية ومنع المخاطر الخاصة باحتمال تسييس الاقتصاد العالمي، من قبل الغرب قبل كل شيء.

إن الانعطاف الذي تحقق نحو الشرق يتطلب وضع سياسة تلبي حاجة الشركاء الآسيويين. هناك من هو مستاء من روسيا في ظل التعاون المتنامي، وذلك لوجود الحواجز التي تعيق انتشار العديد من السلع والاستثمارات الروسية، بالإضافة إلى العقبات السياسية والبيروقراطية.

وأخيراً على روسيا أن تحدد بأقصى سرعة أشكال مشاركتها في المنظمات التكاملية في منطقة آسيا والمحيط الهادي. حتى هذه اللحظة فإن الشراكة عبر المحيط الهادي أخفقت ولكن مازالت هناك الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها منظمة الآسيان والصين، والتي تشمل معظم بلدان المنطقة. حتى هذه اللحظة روسيا والاتحاد الاقتصاد الأوراسي تمتنعان عن المشاركة في المباحثات وتراهنان على شبكة مناطق التجارة الحرة الثنائية بسبب صعوبة إيجاد موقف مشترك داخل الاتحاد لكن ليس من الواضح ما إذا كان هذا "الامتناع" مربحاً على المدى الطويل.

هناك مجموعة منفصلة من المهام المحددة ضمن إطار تجاه السياسة الخارجية الروسية والمشاركة العسكرية السياسية في شؤون آسيا ومنطقة المحيط الهادي. إن ظهور العديد من النزاعات العالقة على السطح وكذلك تعزيز سياسة احتواء الصين الأمريكية الحتمية والرغبة في اللعب على التناقضات والمخاوف من اللاعبين الإقليميين، وربما الأهم من ذلك وزيادة مخاوف جيران المارد التنين من قوته المتنامية - كل ذلك يخلق ضرورة لمشاركة روسيا البناءة باعتبارها لاعب ذو خبرة ويتمتع بدبلوماسية قوية وعلاقات ودية مع معظم بلدان العالم. وما يعزز هذا الطلب عدم وجود نظام أمني متطور ومستقر في المنطقة.

روسيا وبشكل موضوعي هي أكبر ضامن محتمل للأمن في المنطقة والعالم، بما في ذلك على حساب الردع الاستراتيجي والحوار مع الولايات المتحدة (الحوار غائب كلياً في الوقت الراهن)، وفي المستقبل من خلال الحوار الثلاثي بين روسيا والصين والولايات المتحدة، في حال نضج وعي الأطراف لضرورة إقامة مثل هذا الحوار.

الأمر يتطلب تعميق الشراكة الروسية الصينية الشاملة والمبنية على أساس المساواة والثقة والتعاون الاستراتيجي المشترك. هذه الشراكة تحمل طابع قريب من التحالف لكنها تعاني من نقص في تطوير العلاقات على المستوى المتوسط والأدنى، ولاسيما في الأعمال التجارية، ولا يقل أهمية هو عدم وجود العمق الاستراتيجي والحديث يدور عن هدف مشترك للتنمية طويل الأمد.

ويبدو أنه ينبغي أن يكون هذا الهدف المشترك لجميع البلدان الآوراسية يكمن في تحقيق التعاون المشترك للقيادات الخاص بإنشاء الشراكة أو الفضاء الأوراسي الكبير ويمكن أن تتضمن خارطة الطريق الخاصة بصياغة هذا المجتمع بالعناصر التالية:

-         وضع استراتيجية خاصة بالنقل للفضاء الأوراسي الكبير يتم الاتفاق عليها مسبقاً

-         إنشاء منظومة وكالات التصنيف

-         دعم تطوير بنك استثمارات البنية التحتية الآسيوي والبنوك الإقليمية الأخرى ومنظومة سويفت وعدم استخدام هذه المنظومة كسلاح من أسلحة الحرب الاقتصادية، التي تعزز من استقرار النظام المالي العالمي

-         توسيع العمل التجاري من خلال التبادل المالي بالعملات المحلية، وإنشاء أنظمة دفع مستقلة

-         مركز معلوماتي اقتصادي بالتوازي مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية

-         إنشاء شبكة أوراسية، وربما تنظيم المساعدة المتبادلة في الحالات الطارئة والكوارث المناخية والتكنولوجية ومراحل إعادة البناء بعد الأزمات .ويمكن في الحالة الأخيرة إطلاق مشروع تجريبي في سورية

-         إنشاء وكالة تحليلية معلوماتية شاملة مستقلة وضخمة، والتي تجمع بين نشر وجمع المعلومات وتحليلها والربط المشروط لقناة الجزيرة أو قناة بي بي سي مع ستراتفور. التسمية الأولية هي "أوراسيا نيوز". إن مثل هذه الوكالة سوف تسمح لبلدان القارة الحصول على الاستقلال الفكري والسياسي ومقاومة عملية تسييس التدفق المعلوماتي

الهدف من إنشاء هكذا وكالة تحليلية معلوماتية يكمن في وضع نظريات العلاقات الدولية التي تركز على الحقائق الجديدة والمستقبل، والتي تعكس مصالح بلدان الفضاء الأوراسي. الحديث يدور على سبيل المثال عن التعاون والتفاعل بين الحضارات بدلاً من الصراع والتطور المستدام والمتجدد للبشرية بدلاً من الوصول إلى المرحلة النهائية ... إلخ

كما أن الحديث يدور عن التعاون لإعادة السرد التاريخي والثقافي المشترك لبلدان الفضاء الأوراسي، بدءاً من تاريخ إمبراطورية جنكيز خان وصولاً إلى ظاهرة طريق الحرير العظيم الثقافية والاقتصادية وانتهاءً بتاريخ البيزنطة - الإمبراطورية الرومانية الشرقية حيث تدفقت الثقافة الآسيوية والأوروبية، وكذلك الثقافة الأوروبية التي بقيت على قيد الحياة في سنوات الفوضى التي كانت سائدة في بلدان القارة العجوز. في هذا السياق يأتي دور البندقية كبوابة آسيا في أوروبا، والتقييم الجديد للحروب الصليبية. الهدف هو إعادة بناء وإنشاء هوية ثقافية وتاريخية موحدة للمنطقة الأوراسية والعالم، وضرورة نشر التاريخ العالمي وعدم الاقتصار على السرد التاريخي لمنطقة أوروبا التي مازالت تهيمن على العالم.

في مجال الآمن يبدو أنه من المعقول اتباع نهج إنشاء منظومة أمن قارية إضافة إلى الأنظمة القائمة مع الاستعاضة الجزئية والتدريجية للمؤسسات التي عفا عليها الزمن (على سبيل المثال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا). إن السبيل السائد لضمان الأمن في الفضاء الأوراسي الكبير هو إما عدم الانحياز أو الحياد، الخيارات التي يضمنها اللاعبون الكبار في المجتمع الدولي (روسيا والصين والولايات المتحدة...)

على ما يبدو من المجدي إنشاء منظومة الأمن بدءاً بإطلاق منتدى خبراء سياسيين خاص بتنمية التعاون والأمن لبلدان الفضاء الأوراسي الكبير.

على التوازي مع التحرك نحو الفضاء الأوراسي الكبير وتعميق الانعطاف الروسي نحو آسيا في السنوات المقبلة، ربما من المجدي التفكير في تحقيق تعاون مع الشريك التقليدي الأوروبي على أساس سياسي واقتصادي ومفاهيمي جديد. خاصة وأنا استمرار أزمة اليورو يدفع بشكل موضوعي الكثيرين في القارة العجوز إلى إعادة النظر في السياسات الهدامة نحو الاتجاه الروسي. الجدير بالذكر أن الدول الأوروبية تسعى للانعطاف نحو الشرق، حتى أن العديد منها قد خطا خطوات سباقة في هذا الاتجاه.

 

حتى الآن ليس من الواضح كيف يمكن إعادة تشغيل السياسة الروسية الأوروبية، إذ أن الوضع مازال غامضاً للغاية لدى الجيران من غرب الفضاء الأوراسي. لكن من الناحية الموضوعية هناك حاجة إلى مثل هذا المشروع القائم على إعادة التشغيل.

 

 

 

القرار الذي اتخذ في 30 تشرين الثاني/نوفمبر خلال اجتماع أوبك في فيينا والذي ينص على تمديد سيران مفعول اتفاق الحد من إنتاج النفط بمقدار 1.8 مليون برميل باليوم حتى شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، سيكون له تأثير بلا شك على استقرار سوق النفط العالمية، وفي الوقت نفسه سوف يحقق الفوائد المالية والاقتصادية لروسيا، لأنه سوف يزيد من حجم ميزانية الدولة على حساب الموارد المالية الإضافية من صادرات الطاقة. وقد تم التأكيد خلال البيان الذي صدر عقب الاجتماع، والذي شارك فيه 24 وفداً من دول أعضاء منظمة الأوبك والدول غير الأعضاء في المنظمة بما في ذلك روسيا على أن سيران مفعول إعلان التعاون سيبقى صالحاً طيلة عام 2018 من شهر كانون الثاني/يناير وحتى كانون الأول/ديسمبر 2018، حيث وعدت دول منظمة أوبك والمشاركين في الاتفاق من البلدان خارج المنظمة، الالتزام الكامل لاتفاقيات التي تم التوصل إليها وفقاً للتغييرات المتفق عليها والتي طرأت على حجم الإنتاج. (vestifinance.ru)

ووفقاً لتقييم شركة فيغون الاستشارية فإن تمديد اتفاق الأوبك في صيغته الحالية قادر على جلب حتى مبلغ 800 مليار روبل سنوياً للاقتصاد الروسي. (vedomosti.ru)

وقد اعترف وزراء النفط لدول أعضاء منظمة الأوبك خلال محادثات غير رسمية في فيينا أن العمل على إعادة توازن السوق لم يستكمل بعد. وبحسب قول وزير النفط السعودي خالد الفالح، فمن السابق لأوانه الحديث عن استراتيجية للخروج من هذا الاتفاق وذلك لأن منظمة الأوبك وحلفائها يعتمدون الطلب على النفط في الربع الثالث من عام 2018، وذلك من أجل التخلص بشكل نهائي على الاحتياطات الفائضة. ومع ذلك، وبحسب قوله، فإن المملكة منفتحة على النقاش حول كيف يمكن للمجموعة أن تحد من حجم التخفيض بشكل تدريجي للغاية عندما يتم تحقيق أهدافها. (vestifinance.ru)

في الوقت ذاته فقد وصف وزير النفط السعودي الالتزام بالاتفاقات الحالية على أنها رائعة. حيث أوجز خالد الفالح قائلاً أنه من السابق لأوانه الحديث عن الإنجاز التدريجي للصفقة، ولكن الخروج من الاتفاق حول خفض الإنتاج سيكون تدريجياً ومدروساً للغاية. (rbc.ru)

"نحن جميعاً أوصينا في أن يتم تمديد الاتفاق" هذا ما أكده وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك نيابة عن المشاركين خلال الجلسة العامة التي عقدت مؤخراً لاجتماع لجنة الوزراء المشتركة الخاصة بالمتابعة، والتي تضم مندوبين عن الجزائر والكويت وفنزويلا والسعودية، بالإضافة إلى دولتين من خارج منظمة الأوبك وهما روسيا وعمان، حيث يرأس هذه اللجنة روسيا والمملكة السعودية.

وأضاف ألكسندر نوفاك متوقعاً: "جميع الدول الـ 24 سوف تناقش هذا الوضع. لكن أنا متأكد بأن كل شيء سيكون ضمن توصيات لجنة الوزراء المشتركة الخاصة بالمتابعة، والنتيجة ستكون جيدة". (vestifinance.ru)

اتفقت الدول المنتجة للنفط على خفض الإنتاج بمقدار 1.8 مليون برميل يومياً خلال اجتماع منظمة الأوبك في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016. هذا الاتفاق بات ساري المفعول منذ الأول من شهر كانون الثاني/يناير هذا العام، وفي شهر أيار/مايو تم تمديده حتى 31 آذار/مارس 2018. حصة دول الأعضاء في الكارتل الخاصة بخفض الإنتاج تصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً، وحتى 32.5 مليون برميل لمنتجي النفط غير المشمولين بالكارتل، حيث اتفقوا على خفض إنتاجهم بمقدار 558 ألف برميل يومياً. وتعهدت روسيا بالتقيد في هذا الاتفاق والحد من الإنتاج بمقدار 300 ألف برميل يومياً.

ومن بين جميع السيناريوهات الممكنة لتطور الأحداث التي يمكن أن تطرأ خلال اجتماع فيينا الحالي لمنظمة الأوبك، فقد اختار المشاركون أكثر السيناريوهات صرامة وحزماً. في وقت سابق وعلى هامش المنتدى تم مناقشة أحد السيناريوهات الذي ينص على إرجاء وزراء النفط اتخاذ القرار النهائي حول تمديد اتفاق الأوبك، وذلك من أجل القيام بمحاولة قدر الإمكان في ربط هذا الاتفاق مع وتيرة تطور الإنتاج الصخر الزيتي في الولايات المتحدة. وكأحد الخيارات المحتملة جرى الحديث عن عقد مؤتمر قمة استثنائي لمنظمة الأوبك في شهر كانون الثاني/يناير 2018، حيث يتمكن الخبراء من إجراء تحليل إضافي للوضع حول المنتجين الأمريكيين، وبناءً على ذلك يتم تحديد مؤشرات تمديد الاتفاق.

ومع ذلك فقد كانت الكلمة الأخيرة لمؤيدي الإجراءات الأكثر حسماً، والحديث قبل كل شيء يدور عن المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وفنزويلا، الذين أعربوا عن اهتمامهم بزيادة النمو المستدام في أسعار النفط العالمية لأسباب خاصة بهم. فبدلاً من عقد قمة استثنائية لمنظمة الأوبك في شهر كانون الثاني/يناير 2018، فإن تقييم عملية تنفيذ الاتفاق المتعلق بتخفيض إنتاج النفط سيتم خلال الاجتماع الذي تقرر بشكل مبدئي انعقاده في شهر حزيران/يونيو 2018. ويشير المشاركون في اللقاء الحالي في فيينا استناداً للوثيقة التي صدرت: "نظراً لحالة عدم الوضوح المتعلقة بشكل رئيسي بالعرض ونمو الطلب، فسوف يتم في حزيران/يونيو 2018 دراسة إمكانية اعتماد المزيد من الإجراءات وفقاً لشروط السوق والتقدم الذي تم إحرازه في مسألة إعادة توازن سوق النفط ". في الوقت نفسه سيتعين على ليبيا ونيجيريا اللتين كانتا معفيتين من هذه الالتزامات بسبب الوضع السياسي الداخلي المعقد والتهديدات الإرهابية أن تحد من إنتاجها للنفط أيضاً. إذ أن هذه البلدان تنتج 1.3 مليون برميل من النفط يوميا. (vedomosti.ru)

بالإضافة إلى ذلك تم التأكيد خلال الاجتماع على دعم تمديد تفويض لجنة الوزراء المشتركة الخاصة بالمتابعة والتي ينبغي عليها مراقبة تنفيذ اتفاق الأوبك وإعداد مقترحاتها حيال التدابير الواجب اتخاذها من أجل تحقيق الاستقرار في سوق النفط. (opec.org)

على الرغم من العامل الإيجابي المهم وطويل الأمد والذي هو على شكل تمديد الاتفاق الحالي فإن تطور الوضع لاحقاً في سوق النفط العالمية سيعتمد على عدد من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية.

وكما يشار إليه في تقرير منظمة الأوبك فإنه في فترة سريان مفعول اتفاق الأوبك منذ الربع الثالث لعام  2016 حتى الربع الثالث من 2017 فقد تقلص حجم احتياطي النفط التجاري في دول منظمة التعاون الاقتصادي من 3.067 مليار برميل وحتى 2.985 مليار برميل، وحجم الاحتياطي في الناقلات من 1.068 مليار حتى 997 مليون برميل نفط. (opec.org)

ومع ذلك، وعلى الرغم من الديناميكية الإيجابية الثابتة فإن سوق النفط مازال يحتاج إلى توازن، هذا ما أكده ألكسندر نوفاك خلال مقابلة مع قناة أر بي كا عشية اجتماع فيينا حيث أشار قائلاً: "نحن نرى أن السوق تخلص من حوالي 50% من فائض احتياطي النفط، كما أننا نرى أن السعر وصل إلى مستوى مقبول إلى حد ما حوالي 60 دولار للبرميل من علامة برنت التجارية، وبدأت الاستثمارات بالفعل تنمو في عام 2017 في حين أنها كانت منخفضة في 2015-2016. ومع ذلك لم نحقق حتى الآن الأهداف المطلوبة المتمثلة في تحقيق توازن في السوق، واليوم الجميع تقريباً يتحدث الجميع عن ضرورة تمديد الصفقة لفترة زمنية أخرى وذلك من أجل تحقيق الأهداف النهائية". (rbc.ru)

حاول المشاركون في اتفاق أوبك الأخذ بعين الاعتبار قدر الإمكان العوامل التي يمكن التحكم بها من قبلهم، لكنها لا يمكن أن تؤثر على جوانب أخرى خاصة بتطور الوضع، ومن بين هذه العوامل الدور الرئيسي الذي تلعبه صناعة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة. إنتاج النفط في الولايات المتحدة، التي منذ البداية قررت أصلاً عدم الانضمام إلى الصفقة ارتفع في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2016 إلى 11.5% أي ما يعادل حتى 9.7 مليون برميل يومياً.

وفقاً لتوقعات وكالة الطاقة الدولية التي تم الكشف عنها في شهر تشرين الثاني/نوفمبر فإن إنتاج النفط في الولايات المتحدة قادر على النمو بوتيرة أسرع خلال السنوات القليلة المقبلة. واستناداً إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية فإن وكالة توقعات الطاقة العالمية تؤكد بأن قطاع الصخر الزيتي الأمريكي سوف يصل بحلول عام 2020 إلى مستوى إنتاج يومي للنفط  بمقدار 30 مليون برميل، وهذا يساوي تقريباً إجمالي مؤشرات الأوبك حالياً. بالإضافة إلى ذلك، تعتقد وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2027 سوف تصبح الولايات المتحدة لأول مرة منذ عام 1953 بلداً مصدراً للنفط. حتى أن الحكومة الأمريكية تتحدث بشكل متفائل للغاية أي حتى عام 2026.

إن إنتاج النفط المتزايد في الولايات المتحدة هو التهديد الرئيسي لخطط الكارتل المتفق عليها. ويقول فاليري نيستيروف، المحلل في شركة سبيربنك سيب: "لا تستطيع منظمة الأوبك تمديد هذا الاتفاق إلى ما لا نهاية". وبحسب قوله، فإن الاتفاق الحالي يمنح شركات النفط فرصة تنفس الصعداء لفترة زمنية أطول، ويخلق ظروف مواتية لتحسن الأسعار، وسوف يساعد روسيا في عام الانتخابات الرئاسية والمملكة السعودية في عام خصخصة أرامكو السعودية. وهنا يحذر فاليري نيستيروف أنه بعد ذلك، على الأرجح، لن يتم تمديد الصفقة، وستعود الشركات العالمية إلى الفوضى التي سبقت انخفاض أسعار النفط في عام 2014. وتابع يقول ان ارتفاع الاسعار بشكل كبير يمكن ان يعطي دفعة لنمو انتاج الصخر الزيتى فى الولايات المتحدة، التي دخلت،فى شهر تشرين الأول/اكتوبر من هذا العام قائمة اكبر عشرة موردين للنفط الى الصين. (rbc.ru)

انتوني يون مدير قسم الاستراتيجية في الأسواق العالمية لشركة سيتي غروب يتوقع أن أسعار النفط ستكون في عام 2018 على مستوى 54 دولاراً للبرميل (الآن - 62-64 دولار)، وفي عام 2019 ستنخفض إلى 49 دولاراً.

من ناحية أخرى، ومن خلال تقييم آفاق تطور سوق النفط العالمية، ينبغي أن نبالغ في تقدير إمكانيات صناعة الصخر الزيتي. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في الآونة الأخيرة لإنتاج النفط في الولايات المتحدة، فإن المخزونات في صهاريج التخزين في البلاد تقلصت منذ آذار/مارس 2017 بنسبة 12%. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل العوامل الجيوسياسية التي يمكن أن تزعزع استقرار الوضع في العالم، بما في ذلك سوق النفط، مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار النفط. ومن بين هذه العوامل، أولا وقبل كل شيء، إمكانية تعميق التناقضات في صفوف اللاعبين الرئيسيين في العالم حول سوريا والعراق، ومزيد من التدهور في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران والعلاقات السعودية القطرية، والعجز والاضطراب الداخلي في فنزويلا، وتصاعد التوترات المحيطة بكوريا الشمالية.

 

في ظل هذه الظروف، يجب على روسيا الآن أن تعد لنفسها سيناريوهات مختلفة لتطور الوضع، والمدروسة للفترة ما بعد حزيران/يونيو 2018، عندما ينوي المشاركون في اتفاق أوبك + العودة إلى مسألة الحفاظ عليه أو إلغائه أو تعديله.

 

 

في السنوات الأخيرة حل محل المصطلح التقليدي "منطقة آسيا والمحيط الهادي" في خطاب السياسيين والمسؤولين الأمريكيين، وصولاً إلى الرئيس، عبارة جديدة: "منطقة الهند والمحيط الهادي". بالطبع يكشف تغيير المصطلح بشكل واضح تغييراً في نهج السياسة الخارجية بشكل عام. والسؤال ما مدى عمق وأمد هذه التغييرات؟

بحسب رأي النقاد فإن رد فعل الولايات المتحدة على التغيير السريع، في كثير من الأحيان يستمر لسنوات قليلة، لتوازن القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادي أصبح بعيداً كل البعد عن الواقع منذ زمن، علماً أن هذا بدأ قبل فترة طويلة من وصول ترامب إلى السلطة. فعلى سبيل المثال فقد أظهرت جميع الإدارات السابقة التي وصلت إلى السلطة بعد عام 1991، عدم الرغبة في تكثيف إصلاحات الاقتصاد العالمي والتجارة، وكذلك المؤسسات التي يقوم عليها النظام العالمي الحديث. [i]

باراك أوباما هو الرئيس الذي شرع في تغيير الوضع. فقد أعلن في عام 2009 عن عزمه إعادة منطقة آسيا والمحيط الهادي إلى سلم أولويات الولايات المتحدة. وقد افترضت استراتيجية "إعادة التوازن" تكثيف سياسة الولايات المتحدة في مناطق العالم التي كانت في الظل أثناء الحرب العالمية على الإرهاب، التي بدأت بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001[ii]. الإبداع الرئيسي لأوباما كان في الاعتراف الفعلي بأن الصين ليست مجرد "خطراً"، والذي يجب على الولايات المتحدة أن تأخذه في عين الاعتبار في سياستها، ولكن هي "تهديد" مباشر، ليس فقط لأمن الولايات المتحدة وإنما للمصالح الأمريكية. في الوقت نفسه فإن خطط أوباما الطموحة لتعزيز مكانة الولايات المتحدة في أكثر المناطق ديناميكية في العالم، ظلت غير محققة إلى حد كبير. وإن السياسة الأمريكية الغامضة سنحت للصين أن تصبح واحدة من القوتين المهيمنتين في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

نتيجة لذلك، وبحسب رأي المركز التحليلي الأمريكي "ستراتفور"، فإن منطقة المحيط الهادي تواجه حالياً مأزقاً حقيقياً. فالولايات المتحدة لا تطمح بمواجهة مباشرة مع الصين، ولكن في الوقت نفسه لا ترغب واشنطن أن تكون هناك هيمنة للصين أو أي قوة أخرى على المنطقة. بدورها لن تتمكن الصين استراتيجياً من تحدي الهيمنة البحرية الحربية الأمريكية على منطقة آسيا والمحيط الهادي، على الأقل لفترة تتراوح بين 10-15 عاماً. ولذلك فإن خطاب بكين "القومي" حول الادعاءات للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، يسعى في معظمه لتحقيق أهداف سياسية داخلية على الأرجح. ومع ذلك فإن اليابان وبلدان شرق آسيا الأخرى يراقبون بقلق متزايد نمو جمهورية الصين الشعبية.

ويرى الخبراء الأمريكيون أن هذا الوضع يدفع معظم بلدان المنطقة نحو تحالف وثيق مع الولايات المتحدة. غير أن جميع أشكال الحوار بين الدول الموجودة حالياً في آسيا الكبرى لا تسمح، بحسب رأي ناشونال انتريست [iii]، بمعالجة قضايا السلام والأمن بشكل فعال. علاوة على ذلك ليس هناك منظمة دولية في منطقة آسيا والمحيط الهادي تضم جميع بلدان المنطقة ولا تتمتع بجدول أعمال يشمل جميع القضايا الإقليمية. وليس هناك من منظمة، بحسب رأي المحللين الأمريكيين، القدرة على إيجاد قاسم مشترك بين مساعي الصين الهادفة لتحقيق الهيمنة الإقليمية، ودور الولايات المتحدة كقوة آسيوية، ومصالح أوروبا الاقتصادية، ورغبة العديد من دول المنطقة تجنب الاعتماد الكامل على بكين.

الإدارة الأمريكية الحالية مازالت حتى الآن ترسل إشارات متضاربة. فمن جهة، أكد ترامب أن آسيا هي إحدى المناطق الثلاث التي تعتبر من المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وخلال انعقاد قمة الأبيك في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر، أكد ترامب الالتزام بالحرية والانفتاح في منطقة الهند والمحيط الهادي. ومن جهة أخرى فإن إعلان واشنطن عن مفهوم "أمريكا أولاً" يترك ورائه سؤالاً غامضاً حول كيف يمكن للبيت الأبيض الدفاع عملياً عن الحرية والانفتاح في المنطقة، رافضة في الوقت نفسه عن النهج التقليدي للولايات المتحدة الذي اتبعته بعد عام 1945 لدعم حرية التجارة. إذ أن الرهان على نظرية "الحمائية الشاملة" يدل على أن ترامب قد تخلى عن مشروع الشراكة عبر المحيط الهادي، والذي يعتبر حجر الزاوية في استراتيجية النفوذ الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادي، التي رسمتها الإدارة الأمريكية السابقة.

كما يتضح من التجربة الأمريكية في إنشاء التحالفات في سنوات الحرب الباردة، فإن هيكلية الأمن بين الدول تحافظ على الاستقرار طالما كانت هناك مصالح مشتركة هامة توحد بين جميع المشاركين في هذه الهيكلية وكذلك وجود نهج مشترك حيال التهديدات والقدرة على تنسيق المصالح المتبادلة لفترة طويلة. وبحسب رأي العديد من الخبراء الأمريكيين فإن جميع المؤشرات المذكورة أعلاه أصبحت موجودة في منطقة آسيا والمحيط الهادي. الولايات المتحدة من جانبها ترغب في عدم زعزعة الاستقرار على نطاق واسع في واحدة من أهم مناطق العالم. وعلى غرار الإدارتين السابقتين، يرى البيت الأبيض بزعامة ترامب بأنه هناك نفس التهديدات في المنطقة: الحاجة إلى الحفاظ على القدرة التنافسية قبل كل شيء استراتيجياً مع الصين. التهديد العسكري من قبل جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالإضافة إلى مشكلة الإرهاب الدولي. يمكن هنا أن نضيف أولوية جديدة لواشنطن برئاسة ترامب وهي تكمن في التهديد من قبل الجريمة المنظمة العابرة للقارات. [iv]

إن جوهر الاستراتيجية في آسيا، والتي بدأت معالمها تتحدد من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، تكمن في أن واشنطن لا تخطط في نهج سياسة الردع بشكل مكثف، ناهيك عن عزلة الصين، وذلك لأن لا الأولى ولا الثانية يمكن تحقيقهما أو مرغوب فيهما في ظل السياق الحالي للعولمة. بدلاً من ذلك تعتزم الولايات المتحدة الحفاظ على وجودها في المنطقة كقوة عظمى تهدف إلى الحد من الآثار السلبية المزعزعة من نفوذ جمهورية الصين الشعبية. [v]

وفقاً للمعلومات المتوفرة من مصادر عامة فإن العنصر الرئيسي للاستراتيجية التي يتم صياغتها يجب أن تصبح الفكرة، التي طرحها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي منذ عدة سنوات حول "اتحاد الديمقراطيات في منطقة المحيط الهادي"[vi]. وعلى دول اليابان وأستراليا والهند والولايات المتحدة أن تشكل عنصراً مركزياً، يحمل هيكلية لصياغة جديدة للأمن والاستقرار الإقليمي في آسيا. والسؤال هل سيتم تحويل "اتحاد الديمقراطيات" إلى مؤسسة دولية، إذا كان الأمر كذلك،  فإنه إلى أي مدى لا يمكن لأحد التنبؤ حالياً بما سيجري في المستقبل. في سنوات الحرب الباردة ظهرت أكثر من مرة في مختلف أجزاء آسيا نماذج للأمن الإقليمي بمشاركة الولايات المتحدة[vii]. جميع هذه النماذج عفا عليها الزمن حتى قبل نهاية المواجهة العالمية أثناء عهد الثنائية القطبية، ويرجع ذلك أساساً إلى عدم قدرة واشنطن مراعاة مصالح الشركاء بموجب الاتفاقات المبرمة. في الوقت نفسه فإن المبادرة الحالية تبدو أكثر طموحاً، إذ يتوقع مؤيدوها أن تنضم معظم دول المحيط الهادي إلى "اتحاد الديمقراطيات" (على الأقل ضمن صيغة الحوار (4+).

الدور الرئيسي الهام، الذي يرمز إلى تغيير اسم المنطقة في تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين من "آسيا والمحيط الهادي" إلى "الهند والمحيط الهادي" [viii] يكمن في تطوير العلاقات الاستراتيجية مع الهند. في الواقع بحسب رأي المراقبين الأمريكيين، فإن الدولتين تجدان المزيد من القضايا المشتركة في العلاقات الثنائية على أساس "القلق المشترك من رغبة الصين في الهيمنة الإقليمية". كما هو معروف فإن الهند هي ثالث أكبر اقتصاد في آسيا وهي قوة نووية لديها نزاع حدودي مع الصين. وبالتالي فإن انضمام الهند في تحالف تقوده الولايات المتحدة يسمح بأن يشكل كفة مقابلة لنفوذ الصين من دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في الوجود العسكري الأمريكي. في الوقت نفسه، وبحسب رأي الخبراء الأمريكيين، فإن ذلك يعطي زخماً جديداً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لأكبر الأنظمة الديمقراطية في العالم، والتي هي في أمس الحاجة إليها حالياً. .[ix]

الرد على المبادرة الصينية "حزام واحد طريق واحد" يمكن أن يكون المفهوم الأمريكي ذي الطبيعة المماثلة. وإن مثل هذه المبادرة يمكن أن تهدف إلى إعطاء زخم جديد للعلاقات الاقتصادية بين أكبر عدد ممكن من حلفاء الولايات المتحدة الحاليين في آسيا والشرق الأوسط. وكمثال على تطور العلاقات في هذا الاتجاه يمكن الإشارة إلى التعاون المتنامي بين الهند وإسرائيل. وأخيراً فإن أداة ردع الصين الهامة ينبغي أن تصبح الآليات الوطنية القائمة والمعلن عنها على مستوى الخطط المشتركة، والخاصة بالتحكم والحد من الاستثمارات الأجنبية المحتملة "العدائية".

وبالتالي يمكن تفسير الإشارات الحالية التي تصدر من إدارة ترامب نحو الاتجاه الأسيوي على أنها محاولة إضافة فكرة تطوير العلاقات التجارية الثنائية مع دول المنطقة بالدرجة الأولى إلى العناصر الجيوسياسية الخاصة بفترة ما قبل عهد أوباما. وبحسب فكرة ترامب فإن هذه الهيكلية تسمح بزيادة العائدات الاقتصادية ونقل العلاقات مع الحلفاء الحاليين والمحتملين إلى المستوى التجاري. وكما يشير الخبير الروسي المعروف فيودور لوكيانوف قائلاً: بما أن محاولة إعادة هيكلة العلاقات مع الصين محفوفة باندلاع نزاع خطير ومكلف، فإن ترامب يتصرف على ما يبدو من خلال المحاكمة، أي من خلال اختبار حدود الممكن، سواء كان ذلك في الاتجاه الصيني وردع وعقاب كوريا الشمالية أو من خلال محاولات ربط دول المنطقة بشكل وطيد وجعلها تدور في محيطها. [x]

من الواضح أن احتمال ظهور "الوفاق الآسيوي" أو حتى "حلف الناتو الآسيوي" بات يشكل مصدر قلق كبير بالنسبة لموسكو. حالياً تتمتع روسيا بالإمكانيات، بما في ذلك المؤسساتية، من أجل الترويج لرؤيتها حيال الهيكلة الأمنية إن لم يكن بالنسبة لآسيا الكبرى برمتها، فإنه على الأقل لجزئها القاري. في حين أن عدد شركاء روسيا المحتملين في منطقة آسيا والمحيط الهادي لا يكاد يكون أدنى من عدد شركاء الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن عملية صياغة وتنفيذ استراتيجية روسية متكاملة لآسيا سوف تتطلب "قيادة فكرية" ودبلوماسية رفيعة المستوى على المدى الطويل.

 

[i] http://www.scmp.com/comment/insight-opinion/article/2121297/america-falters-and-europe-declines-look-east-see-future

[ii] https://foreignpolicy.com/2011/10/11/americas-pacific-century/

[iii] http://nationalinterest.org/feature/how-america-its-indo-pacific-allies-will-redefine-regional-23155

[iv] https://www.whitehouse.gov/the-press-office/2017/11/10/remarks-president-trump-apec-ceo-summit-da-nang-vietnam

[v] http://nationalinterest.org/feature/how-america-its-indo-pacific-allies-will-redefine-regional-23155

[vi] https://www.project-syndicate.org/commentary/a-strategic-alliance-for-japan-and-india-by-shinzo-abe?barrier=accessreg

[vii]  الحديث يدور بالدرجة الأولى بمعاهدة سيتو، معاهدة جنوب شرق آسيا (1955-1977)، التي تضم أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا وباكستان والولايات المتحدة وتايلند والفلبين وفرنسا. (كوريا الجنوبية وجنوب فيتنام بمثابة "شركاء الحوار"). معاهدة أمن أنزوس - أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، تعمل رسميا حتى الآن. وأنزيوك (1971-1975) - أستراليا وبريطانيا العظمى ونيوزيلندا وماليزيا وسنغافورة، التي لم تدخل فيها الولايات المتحدة رسميا، ولكنها اعتبرت أنها متحالفة.

[viii]  عشية جولة ترامب الآسيوية الكبيرة التي جرت في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، تم تكرار مصطلح "منطقة الهند والمحيط الهادئ" بشكل منتظم في الخطب الرسمية لوزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس.

[ix] https://www.cfr.org/blog/want-free-and-open-indo-pacific-get-india-apec

 

[x] http://www.globalaffairs.ru/print/redcol/Rasshirenie-ramok-19132

 

 

 

إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الصادر في السادس من شهر كانون الأول/ديسمبر، والذي يعترف رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل، أظهر مستوى التصعيد في السياسة المعاصرة للتناقضات الخطيرة بين اثنين من المفاهيم القانونية الدولية الرئيسية: بحكم القانون وبحكم الواقع.

من وجهة نظر الالتزام بالإجراءات السياسية والقانونية المحلية، فقد قام رئيس الولايات المتحدة بمجرد تفعيل القانون، الذي أقره الكونغرس الأمريكي في عام 1995 والذي ينص على نقل السفارة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. هذه الوثيقة تضمنت وقف تنفيذ هذا الحكم لمدة ستة أشهر، وذلك ليتمكن رئيس الولايات المتحدة في كل مرة من اتخاذ القرار المناسب. حتى هذه اللحظة استخدم كل الرؤساء السلف لترامب (وهو أيضاً في هذا العام) هذه الفرصة من خلال إصدار مرسومين ذي صلة في السنة. في هذا الصدد فإن القرار الحالي لا يشكك في استمرارية الامتثال للقانون الأمريكي، حيث أكد دونالد ترامب خلال الكلمة التي ألقاها (nytimes.com) قائلاً: "منذ ذلك الحين مضى أكثر من 20 عاماً، ونحن لم نخطو خطوة واحدة نحو تحقيق سلام دائم وإبرام اتفاقية سلام بين إسرائيل وفلسطين. وسيكون من الغباء افتراض أن تكرار نفس الصيغة سيؤدي إلى نتيجة مختلفة أو حتى نتيجة أفضل. ولهذا قررت أن الوقت قد حان للاعتراف رسمياً بأن القدس عاصمة لإسرائيل".

ومع ذلك، من وجهة نظر "واقع السياسة" فقد تم اختيار الوقت غير المناسب لتفعيل قانون اعتمد في عام 1995، وهذا يشير مرة أخرى إلى خصوصية "النهج التجاري" الذي يسلكه دونالد ترامب حيال الشؤون الدولية. ومن خلال تبرير قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، على الرغم من وضوح المخاطر والتداعيات التي ستنشأ في المنطقة وما حولها، صرح الرئيس الأمريكي أنه عمل وفقاً لواقع الحال، وكذلك عن عزمه القيام بإجراء مماثل "علاج الصدمة" وإعادة إطلاق عملية التفاوض في إطار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، حيث أضاف ترامب قائلاً: "لم أقم بشيء سوى الاعتراف بالواقع، وهذا هو الشيء الذي يجب القيام به وكان علينا القيام به من زمن".

ومن خلال التذكير بأن إسرائيل لديها الحق في تحديد عاصمتها بنفسها، أكد زعيم البيت الأبيض أن القرار الحالي لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن الالتزام بتسوية سلمية للقضية الفلسطينية الإسرائيلية، لا بل على العكس من ذلك، فإن هذا القرار يمثل نهجاً جديداً حيال القضية. في الوقت نفسه كلف ترامب وزارة الخارجية الأمريكية بوضع خطة لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، على الرغم من أنه لم يحدد أي موعد زمني لهذه العملية. ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، استناداً للمتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، فإنه ومن أجل نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس ينبغي الإعداد بشكل جيد لهذه العملية، وبالتالي فإن تنفيذ قرار دونالد ترامب سوف يستغرق سنوات. (rbc.ru).

بطبيعة الحال فقد رحب بقرار الرئيس الأمريكي كل من إسرائيل وكذلك دور النشر والخبراء الأمريكيين المؤيدين تقليدياً للدولة اليهودية. فقد صرح بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن قرار الرئيس الأمريكي "التاريخي" يعكس التزامه بالمبادئ العريقة والحقيقة الخالدة. وبحسب قوله فإن أي سيناريو لتسوية سلمية مع الفلسطينيين يجب أن يتضمن فقرة حول وضع القدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل.

كذلك أشار المحلل إيلي ليك في صفحات المجلة التجارية The Bloomberg View إلى أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ينبغي ألا يصبح نهاية لمحادثات السلام وإنما بداية لها.

طبعاً كان من المتوقع أيضاً أن يكون هناك رد فعل سلبي من الجانب الفلسطيني، حيث صرح الزعيم الفلسطيني محمود عباس بأن بلاده تدين ولا تعترف بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبحسب قوله فإن قرار الرئيس الأمريكي هذا وكأنه تخلي عن دور الوسيط في المفاوضات السلمية. وختم عباس قائلاً: "القدس عاصمة أبدية لفلسطين".

في حين حذر حسام زملط مستشار الرئيس محمود عباس عشية إعلان دونالد ترامب، من التداعيات والعواقب الكارثية لمثل هذه الخطوة. وبحسب قوله فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سوف يكون بمثابة ضربة قاتلة موجهة ضد عملية السلام بين فلسطين وإسرائيل.

أما سفير دولة فلسطين في روسيا الاتحادية عبد الحفيظ نوفل صرح في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية آر-بي-كا بأن السلطات الفلسطينية ترفض بشكل قاطع قرار الرئيس الأمريكي، الذي يجعل من الولايات المتحدة دولة غير مرغوب بها في المفاوضات الرامية للتوصل إلى تسوية سلمية. علاوة على ذلك فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يتعارض مع القانون الدولي، وهنا أكد عبد الحفيظ نوفل قائلاً: "كل ذلك سوف يخلق مقدمات لتصعيد التوتر في المنطقة، التي تشهد بالفعل أوقاتاً صعبة. نحن نؤكد أن القدس الشرقية كانت ولا تزال عاصمة لدولة فلسطين على أساس قرار الأمم المتحدة. (rbc.ru)

في هذا الصدد تحذر دار النشر الفلسطينية "الأيام" بأن ............ الأمريكية ستودي إلى كارثة جديدة وتستنتج قائلة: "ترامب يتحدث مرة أخرى عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والفلسطينيين في حالة من الغضب. والسؤال لماذا تسير الإدارة الأمريكية ضد جميع اللاعبين، الذين يعترفون بأن الجزء الشرقي من المدينة محتل من قبل إسرائيل؟ إن الاستخدام الغبي للقدس ضمن مناورات الولايات المتحدة السياسية هو إحباط أمريكي آخر سوف يصب في حصالة فشل سياسة ترامب. (inosmi.ru)

منذ البداية حث الجانب الروسي جميع الأطراف المشاركة في عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية للتحلي بضبط النفس. وبحسب المعلومات الواردة من المكتب الصحفي للكرملين، فإنه وخلال المكالمة الهاتفية بين فلاديمير بوتين مع رئيس دولة فلسطين محمود عباس، التي أجريت في 5 كانون الأول/ديسمبر بمبادرة من الجانب الفلسطيني، فقد أكد الرئيس الروسي موقف بلاده المبدئي في دعم الاستئناف الفوري للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية حيال جميع القضايا المتنازع عليها، بما في ذلك وضع القدس، والتوصل إلى قرارات عادلة طويلة الأمد، والتي تلبي مصالح الطرفين. (kremlin.ru)

في الوقت نفسه فقد تلقت موسكو قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول القدس بقلق بالغ. وهنا صدر تعليق من قسم الإعلام والصحافة في وزارة الخارجية الروسية (mid.ru) يقول: "نحن ننطلق من حقيقة أن التسوية العادلة والدائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي طال أمده يجب أن يتم التوصل إليها استناداً للقانون الدولي المعروف، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تنص على تسوية جميع جوانب الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية بما في ذلك قضية القدس الحساسة، وذلك في سياق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة. ما يثير القلق هو أن إعلان الموقف الجديد للولايات المتحدة بشأن القدس يهدد بتصعيد إضافي للوضع في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية وفي المنطقة برمتها. وفي هذا الصدد نحن نحث جميع الأطراف المشاركة لضبط النفس والتخلي عن الأعمال التي يمكن أن تكون محفوفة بعواقب وخيمة لا يمكن السيطرة عليها".

تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل سيطرت على القدس الغربية خلال الحرب العربية الإسرائيلية التي اندلعت في السنوات 1947-1949، في حين أن أراضي القدس الشرقية تم الاستيلاء عليها نتيجة حرب الأيام الستة في عام 1967 مع مصر والأردن وسورية والعراق والجزائر. وفي عام 1980 تم إضفاء صفة الشرعية على وضع القدس باعتبارها مدينة موحدة لا تتجزأ عاصمة للبلاد، نتيجة اعتماد الكنيست الإسرائيلي قانوناً أساسياً بهذا الشأن. وردا على ذلك، اعتمد مجلس الأمن الدولي في شهر آب/أغسطس 1980 القرار رقم 478 الذي يدين القانون باعتباره انتهاكا للقانون الدولي.  وشددت الوثيقة على أن "جميع التدابير والإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل - باعتبارها دولة احتلال - والتي غيرت أو تهدف إلى تغيير طبيعة ومركز مدينة القدس الشريف، ولا سيما "القانون الأساسي" المتعلق بالقدس الذي صدر مؤخرا من الجانب الاسرائيلي، باطلة وتعتبر ملغية على الفور".

كما دعا القرار الدول الاعضاء في الأمم المتحدة إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من القدس. وقتها امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.                       (Documents-dds-ny.un.org)

في الوقت ذاته، بالكاد يمكن الموافقة على رأي شبلي تلحمي الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد "بروكينغز" في الولايات المتحدة الذي وصف قرار دونالد ترامب بشأن القدس بأنه يتعارض مع المنطق وكذلك مع أولويات الإدارة الأمريكية في المنطقة، أهمها محاربة المتشددين الإرهابيين ومواجهة النفوذ الإيراني (rbc.ru).

حتى لو أننا تجاهلنا حقيقة أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كان جزءاً من مجموعة الوعود التي تحدث عنها دونالد ترامب أثناء الحملة الانتخابية، وكذلك الضغوط التي تمارس من قبل اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة نفسها، والنظر في آفاق تطور الوضع في الشرق الأوسط من أوجه عدة، فإنه علينا أن نشير إلى أن تصرفات واشنطن تستهدف أيضاً، بما في ذلك الهدف المخطط له الرامي إعادة هيكلة الوضع في المنطقة، وعلى وجه الخصوص، تغيير طبيعة بعض التكتلات الإقليمية في سياق ضمان المصالح العسكرية السياسية للولايات المتحدة. وعليه فإن أهم النتائج المترتبة على قرار دونالد ترامب يمكن الإشارة إليها كما يلي:

أولاً- تدهور العلاقات بين تركيا وإسرائيل، والتي كانت تحمل طابع الهدوء حتى يومنا هذا. فأنقرة أعربت عن احتجاجها ضد قرار دونالد ترامب. والرئيس رجب طيب أردوغان وصف القرار الأمريكي بشأن القدس أثناء كلمة ألقاها أمام البرلمان التركي بأنه تخطي للخطوط الحمراء وهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. (rbc.ru)

كما أعرب أردوغان أثناء اتصال هاتفي مع الرئيس فلاديمير بوتين عن القلق الشديد بسبب القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والإعلان عن برنامج لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى هناك. وقد أعرب الزعيمان عن ثقتهما بأن مثل هذه الخطوات يمكن أن تهدد مستقبل العملية السلمية في الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، وبمبادرة من تركيا سوف تعقد في 13 كانون الأول/ديسمبر لهذا العام قمة طارئة في إسطنبول لمنظمة التعاون الإسلامي. (kremlin.ru)

ولخصت الصحيفة التركية ميليت الصراعات في المنطقة قائلة: "إسرائيل هاجمت القاعدة العسكرية لإيران وحزب الله في سورية، وبانتظار الظروف المناسبة سوف ترد إيران بإجراء مماثل. الحرب في اليمن تكتسب بعداً جديداً. والإرهاب مازال يضرب مصر. القضية السورية بعيدة كل البعد عن الاستقرار. وترامب يستعد للإعلان عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وهذه ليست القائمة الكاملة للصراعات في الشرق الأوسط". (milliyet.com.tr)

ثانياً- تعميق التناقضات بين قطر والمملكة السعودية على وجه الخصوص وفي معسكر منطقة الخليج العربي بشكل عام. ووفقاً للمعلومات المتوفرة فإن أحد الدوافع التي حفزت دونالد ترامب لرفع سقف الرهان في العملية شرق أوسطية، كان الرغبة في تعزيز التعاون مع إسرائيل في سياق مواجهة إيران، مضيفاً في نفس الوقت التعاون العسكري والسياسي المناهض لإيران مع الرياض. ولكن فإن آفاق تشكيل تحالف تكتيكي ثلاثي الأطراف بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية سوف يعزز تلقائياً من موقف المعارضة لهذا التحالف من قبل قطر، التي تجد نفسها حالياً في حالة حرب سياسية تجارية مع السلالة السعودية. فأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني وصف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بأنه تصعيداً خطيراً وحكماً بالإعدام على السلام في المنطقة.

وتشير صحيفة ميليت قائلة: "إن مثل هذا القرار سوف يعزز من تدهور سمعة وصورة الولايات المتحدة في المنطقة. ربما ستكون إسرائيل مسرورة من هذا القرار، ولكن سوف يعني أيضاً تعزيز الترسانة الإيديولوجية لإيران وحزب الله وداعش والمتطرفين. من جهة أخرى فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سوف يعني ظهور مشكلة جديدة، والتي سيكون من الصعب التعامل معها من قبل بعض الدول المتعاونة مع إسرائيل مثل المملكة السعودية ومصر".

ثالثاً- الموجة التالية من تفاقم العلاقات الإسرائيلية اللبنانية. فقد وصف الرئيس اللبناني ميشيل عون قرار دونالد ترامب بأنه يشكل تهديداً للعملية السلمية والاستقرار في المنطقة. وبحسب رأي الزعيم اللبناني فإن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تراجعت لعقود من الزمن.

رابعاً- عودة المشاكل الفلسطينية الإسرائيلية إلى جدول أعمال الاتحاد الأوروبي مع احتمال وجود تناقضات جديدة في هذه المنظمة. حتى الآن، الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون كان أكثر الرؤساء الذين أدانوا بشدة قرار الولايات المتحدة. فقد صرح بأنه لا يؤيد قرار دونالد ترامب، وإن وضع القدس يجب أن يحدده الإسرائيليون والفلسطينيون من خلال المفاوضات. وقد اتخذ الأمين العام للأمم المتحدة البرتغالي الجنسية أنطونيو غوتيريش نفس الموقف وقال: "ليس هناك بديل عن إنشاء الدولتين، ولا يوجد خطة ب". ومع ذلك يمكن أن يكون هناك في صفوف الاتحاد الأوروبي تأييد خفي لتصرفات ترامب، والحديث يدور قبل كل شيء عن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا الوسطى والشرقية.

خامساً- ينبغي الأخذ بعين آفاق تأثير الولايات المتحدة على عملية التسوية السورية، أولا وقبل كل شيء ضمن إطار ثلاثية أستانا. في هذا الصدد يمكن أن نتوقع حدوث تقارب بين مواقف تركيا وإيران، وهذا بدوره سوف يساهم في خلق صعوبات معينة لروسيا. فموسكو في هذه الحالة سوف تواجه مطالب أنقرة وطهران المشتركة في المجال العسكري والسياسي ولاسيما في مسائل تعزيز وجودهما في سورية.

بالنسبة لروسيا من المهم في ظل الظروف الراهنة الحفاظ على مجال للمناورة. حالياً يتم تحديد حدود هذا المجال من خلال الاعتراف الرسمي بعاصمة إسرائيل مدينة تل أبيب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى من خلال إعلان وزارة الخارجية الروسية الذي تم التصريح عنه في شهر نيسان/أبريل هذا العام حول أنه في سياق إنشاء دولة فلسطين في المستقبل وعاصمتها القدس الشرقية فإن موسكو سوف تعتبر القدس الغربية عاصمة إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك فإنه من الواضح أن موضوع القدس، والتسوية الفلسطينية الإسرائيلية بشكل عام، سوف يصبح في القريب العاجل واحداً من المواضيع الأساسية في العلاقات الروسية الأمريكية، جنباً إلى جنب مع القضايا السورية والكورية الشمالية والأوكرانية. فكما أعلن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف في ختام مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون على هامش جلسة مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون في فيينا التي انعقدت في 7 كانون الأول/ديسمبر 2017 فقد لفت انتباه محاوره للمخاوف التي أعربت عنها الدول العربية والإسلامية بشكل عام وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي فيما يتعلق بحقيقة أن هذا القرار يمكن أن يقوض ويلغي المفاوضات حول إنشاء الدولتين، في الوقت الذي يمكن أن تعيش فيه إسرائيل وفلسطين جنباً إلى جنب ومع بعضهما البعض بأمان. (mid.ru)

 

ومع ذلك فإن التصريحات الدبلوماسية والجدالات يمكن أن تصبح ثانوية في حال دخلت منطقة الشرق الأوسط نتيجة قرار الرئيس الأمريكي، موجة جديدة من تصعيد التوتر بمشاركة اللاعبين الإقليميين (الحديث يدور قبل كل شيء عن إسرائيل وإيران)، وهذا من شأنه أن يجبر روسيا في إعادة النظر بأولوياتها في هذا السياق. 

 

إن قرار البيت الأبيض الذي تم الإعلان عنه قبل أيام سبب عاصفة من ردود الفعل. بالطبع لم يكن هناك قضية أخرى خاصة في ظل الظروف الراهنة يمكن أن تثير جدلاً مثل هذا الموضوع برمزيته وأهميته، حتى لو كان يتعلق بالوضع الداخلي للولايات المتحدة. ولو أنه تم نشر لافتة ضخمة على تمثال الحرية كتب عليها "مغلق للإصلاح" لما تركت صدى بالقدر الذي تركه قرار ترامب هذا، الذي يعتبر بمثابة رسالة إلى العالم الخارجي تشير إلى أن أمريكا تغلق أبوابها من أجل التركيز على الشؤون الداخلية الملحة، خاصة بعد الانطلاقة المتسرعة للإصلاحات في عهد الرئيس أوباما.

هذا القرار مثله مثل كل شيء في الحياة له منطقه الخاص، والذي يجب أن يكون مفهوماً. القضايا الخارجية مؤجلة على الرف. والحلفاء يمكن أن يحصلوا على ما يريدون ولكن على حسابهم الخاص وفي إطار دبلوماسية الشؤون الداخلية. وكل شيء يمكن أن يعيق تحول البلاد سوف يتم تجاهله تماماً، لكن هذا لا يعني التخلي عن عناصر استراتيجية السياسة الخارجية التقليدية، بما في ذلك البقاء على الحلفاء تابعين وخلق مشاكل للمنافسين المحتملين، ولكن ليس على حساب الأولويات الداخلية، وإنما في سياق الأمور ومن أجل الراحة النفسية للنخب.

وما يدل على الوضع المعقد بالنسبة للإدارة الأمريكية وللبلاد على حد سواء، هو حقيقة أن دونالد ترامب اعتبر أنه من الضروري التنازل أمام الناخبين للجناح المتدين ونخب الحزب الجمهوري، الذي لا علاقة له بالعهد الجديد. وهذا ما لم يفعله أي رئيس من قبله. هذا الجزء من المجتمع الأمريكي يؤمن بما يسمى "بالصهيونية المسيحية" في إشارة إلى أن الأماكن المقدسة يجب أن تكون تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين قدوم "المسيح المخلص". الحديث يدور هنا عن حملة صليبية بالوكالة تقودها إسرائيل... ويا للعجب والغرابة. لكن هذه المرة على حساب الولايات المتحدة التي أصبحت وجهاً لوجه في مواجهة العالم الإسلامي بأسره.

ومهما كان الاهتمام كبيراً بمسألة نجاح عمليات التحول في الولايات المتحدة، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتفق مع هذا النهج غير المسؤول الذي يتماشى مع روح "أنا ومن بعدي الطوفان"، والذي يتجاهل مصالح الأطراف الأخرى في الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك الإطار القانوني الدولي الذي تشكل أثناء تسوية هذه القضية. وهذا القرار لا يناسب وضع الولايات المتحدة باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، الذين يتحملون مسؤولية خاصة في صون الأمن والسلم الدوليين.

بعد محاولات تنفيذ استراتيجية تغيير الأنظمة العلمانية في العراق وسورية خلال السنوات الـ 25 الماضية، مع الرهان على هذه الأنظمة الملكية وقبل كل شيء في الخليج العربي، فإن الولايات المتحدة تخلت في الواقع عن هذه الأنظمة الملكية وتركتها على مهب الريح. وليس المهم القضية الفلسطينية بحد ذاتها (من خان وعدد المرات التي تم فيها خيانة الفلسطينيين في هذه المنطقة؟) بالقدر ما هو مهم البعد الديني لوضع القدس ومقدساتها. وهذا يؤثر بشكل كبير على مسألة شرعية الأنظمة الملكية في العالم العربي والإسلامي. ويتجلى هذا الأمر بشكل واضح للمملكة السعودية، التي كانت تعمل على تصدير الجهاد لمدة 40 عاماً. والآن، وبعد انهيار المشاريع الجهادية في العراق وسورية قد تصبح المملكة هي الضحية وفق المبدأ القائل "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها". حتى أن المتشددين الأصوليين لم يخفوا أبداً بأن السيطرة على شبه الجزيرة العربية ومقدساته هي هدفهم النهائي، ناهيك عن أن الولايات المتحدة، من خلال استخراجها للزيت الصخري، أصبحت غير مرتبطة في مجال موارد الطاقة بدول المنطقة.

قرار واشنطن هذا يؤثر على مشروع تحديث المملكة السعودية الحالي، على الرغم من أن نجاحه كان محط شك. وبالتالي فإن انهيار المملكة السعودية، وهذا ما تنبأ به الخبراء والمراقبون منذ فترة طويلة ووضعوا مختلف السيناريوهات، سوف يطرح على جدول الأعمال مسألة التحكم الجماعي للدول الإسلامية الرائدة بالمقدسات الإسلامية في مكة والمدينة المنورة. وبالتالي فإن الطموحات العثمانية الجديدة لأنقرة ليست وهمية تماماً، ومن غير المرجح أيضاً أن يؤدي إزالة القواعد الأمريكية في المنطقة إلى تخفيف العبء عن الرياض وعواصم أخرى، لا بل على العكس. وسوف تكتسب مسألة مستقبل الإسلام وتحديثه، حيث يمكن أن تكون الريادة هنا للإخوان المسلمين وتركيا وقطر، ديناميكية جديدة. المقاطعة الشرقية في المملكة السعودية الغنية بالنفط يقطنها الشيعة، فهل سيصبح الخليج العربي "بحراً شيعياُ"؟ بمعنى آخر أنه من خلال توجيه ضربة واحدة سوف ينهار الهيكل الكامل للسياسة الإقليمية مع علمنا أن هذا الهيكل عاجلاً أم آجلاً كان ينبغي أن يتغير، لكن هذه مسألة أخرى. مع أنه من الواضح أن الغرب قد خسر كل الوقت من أجل تحقيق تحول إيجابي في المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة، والولايات المتحدة ببساطة لم تؤد واجبها لأنها كانت تفرض سياستها على الدول الغربية، وفي نفس الوقت لعبت دوراً سلبياً في تقاعس "الرباعية" للوساطة الدولية في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لمصالح إسرائيل كما تفهمها نخبتها، فقد كان الرهان على إقامة تحالف غير رسمي مع المملكة السعودية ضد إيران. أما الآن ستواجه من الناحية الاستراتيجية، العزلة في المنطقة. حزب الله المحارب (من خلال مشاركته في حرب حقيقية في سورية وفقدانه عدة آلاف من المقاتلين) فإن ذلك كان أخطر بكثير مما حدث في عام 2006. وإن الأسلحة التقليدية من خلال قوتها التدميرية ودقتها في الإصابة باتت تشبه إلى حد كبير أسلحة الدمار الشامل. الولايات المتحدة لن تحارب في المنطقة إلى جانب إسرائيل أبداً وسوف تقتصر على الدعم المالي وتقديم الأسلحة والتقنيات العسكرية. على كل حال هذا ما يجعل التعاطف مع إسرائيل في أمريكا رخيصاً نسبياً.

بالطبع يمكن أن تعتمد إسرائيل على دبلوماسية روسيا، ولكن نحن نعلم بأن الدبلوماسية هي فن الممكن وإن الشيء الوحيد الذي يمكن لموسكو القيام به لإسرائيل هو إجلاء السكان المنحدرين من الاتحاد السوفيتي السابق وأحفادهم. ببساطة فإن التطور العالمي دخل مرحلة عندما ينبغي أن نفكر في ما كان لا يمكن أن يحدث لنا من قبل. وإن ما حققناه في سورية حدث بإرادة شخص واحد، الذي استطاع بدقة قراءة الوضع المعقد ومخاطره وتداعياته، هذا الشخص يتمتع بحس الاعتدال الذي يتناسب مع ثقافتنا وليس مع الثقافة الأمريكية الغربية. نحن وضعنا أهدافاً محدودة وحققناها، ونحن في نهاية المطاف لسنا آلهة. جوهر نجاحنا يكمن في أننا لم نضع خطة خروج مستقلة، وإنما كانت من ضمن استراتيجية النصر من خلال تحديد كل التصورات لأعمالنا من البداية إلى النهاية. نحن بشكل أو بآخر لن نخرج من سورية قريباً ولكن الولايات المتحدة مصممة إعاقتنا في سورية من خلال القيام بأعمال تخريبية ، وهذا بدوره سوف يعقد الوضع في إسرائيل من خلال الحديث عن توقعات عالية وأوهام خطيرة. المهم أن روسيا موجودة في المنطقة بحكم الضرورة، ونحن لسنا سادتها، كما تدعي وسائل الإعلام الغربية التي تحاول أن تعزو إلينا ثقافتها السياسية، ونحن لا نريد التحكم والسيطرة على هذه المنطقة كما فعل الأمريكيون من خلال (الرعاية الاستراتيجية) لهذه المنطقة.

وسيكون من الأفضل أن تقيم إسرائيل علاقات جيدة مع أنقرة، ولكن هي وحدها قادرة على إنقاذ الوضع، وعلى وجه الخصوص سيكون عليها أن تقدم مشروعاً سلمياً واقعياً مع العرب وبسرعة، بما أنه مازال هناك جهة يمكن التفاوض معها. وهنا يبدو أنه لا يوجد لدى إدارة ترامب برنامج حقيقي حول هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه يجب أن نأخذ بالحسبان أنه من الضروري توفير الضمانات الدولية لضمان أمن إسرائيل ضمن جميع السيناريوهات المطروحة. وبالتالي لا ينبغي على إسرائيل أن تصعد الموقف، وإلا هذا سوف يرتد عليها، وسيكون القطار قد فات .على أي حال الحل بيد السلطات الإسرائيلية ولا يمكن لأحد، باستثناء الظروف، أن يفرض الحلول اللازمة عليها.

من مصلحة إسرائيل الإسهام في تحديث المنطقة، وبالتالي ينبغي عليها أن تتعظ من تجارب دعمها للمشاريع الأمريكية الفاشلة، خاصة وأن كل منها أضر في نهاية المطاف بمصالح أمنها، هكذا على الأقل ما تصرح به النخبة الإسرائيلية. يكفي أن نذكر بأن الحرب في العراق حظيت بدعم تحت شعار "الطريق إلى القدس تمر عبر بغداد" (ثم عبر دمشق؟). والآن بعد أن أعلنت واشنطن عن "هديتها الأخيرة" من خلال إغلاق الباب أمام إسرائيل عبر عدم تحمل مسؤولية تقرير مصير الشرق الأوسط، فإنه قد حان الوقت لإعادة تقييم الوضع واتخاذ القرارات التي من شأنها ضمان بقاء إسرائيل في بيئة إقليمية جديدة على المدى الطويل.

بشكل عام نحن نتحدث عن ظاهرة إغلاق فعلي للمشروع الغربي من قبل مؤسسي وأصحابه المستفيدين الرئيسين من الأنغلوساكسون. يبدو أن أمريكا من خلال لعب دور الإمبراطورية أخذت على عاتقها مسؤوليات أكبر مما يمكن أن تتحمل. فعلى سبيل المثال تم رفض مواصلة العمل ضمن إنشاء اثنين من المشاريع العملاقة التي تمثلت في شكل شراكة عبر المحيط الهادئ وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، وهذه الصفعة بسمعة الولايات المتحدة التي لا تعترف بخسارتها. لقد كان البريطانيون أول من أدركوا حقيقة الوضع بما في ذلك قسم مهم من النخبة المحافظة. وقد لعبت تجربتها الخاصة دوراً إيجابياً عندما أصبحت أنقاض الإمبراطورية البريطانية مادة لبناء الإمبراطورية الأمريكية العالمية. الآن هذه الإمبراطورية تنهار، وهي ستكون الأخيرة ولن تكون هناك إمبراطورية أخرى، وينبغي على كل دولة أن تنقذ نفسها بنفسها. ولهذا وتحت شعار "بريطانيا العالمية" اختارت لندن دبلوماسية متعددة الاتجاهات شبيهة بالنموذج الروسي وبنموذج التجارة الحرة الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر. وهنا نفترض بأن هذا الموضوع موجود على طاولة المباحثات لتشكيل حكومة ائتلافيه بين شولتز وميركل، فألمانيا لم تعد ترغب في أن تكون الطليعة ضمن الدول الغربية وذلك لأنه لم يعد هناك مفهوم "العظمة الغربية" كما كان سابقاً، لكن من الضروري إنقاذ منطقة اليورو، على الرغم أنه من الأفضل أخذ زمام المبادرة والبدء بعمل جدي لإنشاء أوروبا الكبرى، بما أن المشروع الأوروبي في شكله الحالي فشل فعلياً (فالألمان لا يريدون أن يدفعوا المزيد من أجل تحقيق التكامل).

 

وعلى أثر سقوط باريس و(فرنسا) في شهر حزيران/يونيو عام 1940 كتبت آنا أحماتوفا تقول: "عندما تنهار الإمبراطوريات، فلأحد يسير في جنازتها ولا أحد يقرأ الآيات ويترحم عليها، ولا يبقى في مكانها سوى الأطلال". في هذه المرة هناك الكثير من قرقعة السيوف- عقوبات من واشنطن وخطاب مناهض لروسيا من لندن. هذا لا يغير شيئاً في جوهر المسألة فالحلفاء والأصدقاء يجب أن يبقوا في الخنادق حتى النهاية.  هذا يعني أن السفينة الأمريكية بدأت تغرق، وبطبيعة الحال لا ينبغي أن ننتظر وقوع الكارثة. وإن القرار المتعلق بالقدس لا يترك أي شك، ليس فقط بين الحلفاء للولايات المتحدة من العرب، حيال جوهر ما يجري من أحداث. 

 

قام قادة تركيا وإيران بزيارة للرئيس الروسي في سوتشي لمناقشة قضية التسوية السورية بعد الانتصار على الإرهاب. هذه هي المرة الأولى منذ 500 عام من العلاقات الدبلوماسية الروسية مع هذه الدول، لذلك يمكن القول بأن هذا النشاط يستحق كل هذا العناء.

وقد أكد كل من فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني استعدادهم لتعزيز التعاون في المستقبل، في إشارة إلى النجاحات الكبيرة التي تحققت في مجال مكافحة الإرهاب (بحسب قول فلاديمير بوتين تم إفشال محاولة انهيار البلاد!). وفي ختام المباحثات أشار الرئيس الروسي إلى أنه يتعين على الجميع الآن أن نولي اهتماماً خاصاً لعملية التسوية السياسية. وقد رحبت وزارة الخارجية السورية بالبيان الختامي للقادة الثلاثة.

وقد أكد الأطراف خلال البيان الختامي المشترك على أن منصة أستانا وإنجازاتها أصبحت أداة فعالة لتعزيز السلام والاستقرار في سورية. إذ أنه وفي أستانا بالتحديد تلتقي القوى المشاركة بشكل مباشر في الأزمة السورية وتجلس إلى طاولة المباحثات، في حين أن المفاوضات في جنيف تضم فقط أولئك الذين ترسلهم البلدان الغربية. يكفي هنا أن نذكر حقيقة غياب ممثلي تركيا وإيران عن هذه المباحثات.

عشية انعقاد القمة الثلاثية التقى الرئيس الروسي في مقر إقامته في سوتشي الرئيس بشار الأسد، وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع قادة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وقطر والمملكة السعودية، من أجل وضع حد للأحاديث المحتملة من وراء الكواليس وعدم إضفاء طابع السرية على مباحثات سوتشي.

من المعروف أن النضال ضد عدو مشترك يؤدي إلى تكاتف الحلفاء. لكن كلما اقترب النصر، كلما كانت الخلافات، المتجذرة في المصالح القومية للحلفاء، أكثر وضوحاً. والسؤال ما الذي كان في جعبة الأطراف عشية الخوض في المفاوضات؟

من خلال لعب الدور الكبير في هزيمة الجماعات الإرهابية، وهذا ما يعترف به الرئيس السوري أيضاً، تدعو روسيا إلى إنشاء توازن قوى ومصالح لجميع اللاعبين في سورية بما فيهم الخارجيين - على كل حال ليست هناك طريقة أخرى لتطبيع الوضع بعد مرور سنوات من الحرب. والآن موسكو مهتمة بتسوية سياسية بين مختلف الأطراف السورية وهذا من شأنه، بالإضافة إلى تحقيق المهمة الأساسية التي تكمن في إحلال السلام داخل البلاد، أن يعزز من مكانة موسكو باعتبارها وسيطاً دولياً يتصرف بنزاهة وشفافية وفعالية.

لكن في طهران الوضع مختلف بعض الشيء. فمن خلال منظور نموذج السياسة الخارجية الإيرانية فإن النجاح على أرض المعركة يبدو قبل كل شيء على شكل انتصار على الإرهاب السني (الحق يقال إن داعش وجبهة النصرة يجندون المراهقين من هذه الطائفة)، وبالتالي لا داعي للبحث عن حلول وسط بشكل عام. وليس من قبيل المصادفة أن يوجه رئيس الوزراء التركي بينالي يلدريم انتقاداً لإيران مؤخراً بسبب سعي الأخيرة لهيمنة إحدى الطوائف الإسلامية على الأخرى في المنطقة.

علاوة على ذلك طهران غير راضية من المساعي الروسية التي تأخذ بعين الاعتبار مصالح إسرائيل، التي لا تتوقف عن قصف التشكيلات الإيرانية والحليفة لطهران عندما تقترب كثيراً من مرتفعات الجولان. حتى الآن تتحلى إيران بالصبر ولا ترد على هذه الهجمات، لكن السؤال إلى متى هذا.

أنقرة تمكنت خلال الحرب من إعادة النظر في سياستها، مما مكنها من المطالبة بأحد الأدوار الريادية في السياسة الإقليمية. وقد اعترف زعيم الدبلوماسية التركية مولود شاويش أوغلو "بأن ليس فقط روسيا وإيران، وإنما الولايات المتحدة وفرنسا وحتى السعودية، بدأت تتخذ موقفاً أكثر مرونة تجاه الرئيس الأسد، وهنا يجب علينا أن نكون واقعين". في حين أن المتحدث باسم الرئيس التركي إبراهيم كالين أشار إلى أن الرئيس بشار الأسد لا يمكنه أن يكون ذلك الشخص القادر على قيادة النظام الديمقراطي.

التخلي عن الموقف المتشدد تزامن مع تزايد التوتر في العلاقات مع الحلفاء الغربيين لتركيا. واليوم يتهم رجب طيب أردوغان الولايات المتحدة بأنها تستخدم إحدى المنظمات الإرهابية ضد الأخرى، وهذه ليست علاقات يمكن أن يطرحها الحليف. وهنا ليس من الصعب أن نخمن بأن الزعيم التركي يقصد هنا الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي ترعاه واشنطن، وداعش.

لقد تغيرت أولويات أنقرة في سورية مع مرور الوقت. فبعد أن كانت الأولوية في الإطاحة بالرئيس الأسد، أصبحت في إضعاف موقف الأكراد. إذ أن أي شكل من أشكال بناء الدولة الكردية في هذا البلد يعتبر تهديداً لوحدة الأراضي التركية. ولهذا يبدو من الواضح أن القوات التركية التي تمركزت في المنطقة الحدودية لن تغادر سورية في المستقبل المنظور. علاوة على ذلك تتحدث القيادة التركية صراحة عن إعداد عملية عسكرية في منطقة عفرين الكردية. والحجة هي مصدر القلق النابع من الوضع الديموغرافي في هذه المنطقة، وهنا من الواضح أن المقصود الوضع العرقي، بحسب اعتقاد تركيا، الذي يكمن في قيام السلطات الكردية بإبعاد السكان التركمان في عفرين، والتي تتعاطف معهم تركيا.

يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه حول عقد مؤتمر الحوار السوري من أهم نتائج اجتماع سوتشي. نذكر بأن هذه الفكرة جاءت بمبادرة من فلاديمير بوتين والتي حظيت على تأييد من قادة إيران وتركيا (مصير سورية يجب أن يحدده السوريون بأنفسهم، من قبل ممثلي الحكومة السورية الحالية ومن قبل ممثلي المعارضة).

المشكلة الرئيسية هنا هي أنه ليس من الواضح بعد من هي الجهات التي سيتم إرسال الدعوة للمشاركة في المؤتمر. وليس من قبيل المصادفة أن يوافق رؤساء الدول الثلاث، ضمن البيان المشترك، على أنه ينبغي التنسيق بشكل إضافي حيال قائمة المشاركين في المؤتمر. والجميع يعلم أنه بدون تمثيل كردي سيتحول المؤتمر إلى اجتماع منقوص، ولكن تركيا تتخذ موقفاً خاصاً في هذه القضية. أنقرة ليس ضد الأكراد السوريين بشكل عام (نحن نعلم بأنها أنشأت علاقات تجارية مع كردستان العراق، وإنما هي ضد حزب القوات الديمقراطية التابع لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية). لكن المشكلة هي أن حزب القوات الديمقراطية يلعب دور قائد الأوركسترا في المجال السياسي والعسكري في المناطق الكردية في سورية. ولهذا ليس هناك معنى في إبرام اتفاق مع جهات كردية أخرى "معتدلة" من وجهة نظر أنقرة. موقف تركيا المتعنت بشأن هذه المسألة أعلنه أردوغان مرة أخرى في نهاية المحادثات في سوتشي حيث قال : "من أولوياتنا القضاء على العناصر الإرهابية التي تهدد الأمن القومي لبلادنا والتي تتعدى على الوحدة السياسية ووحدة الأراضي السورية. وبما أننا نتحدث عن وحدة الأراضي والسيادة السورية فإنه لا يمكننا اعتبار عصابة دموية، التي تحاول تقسيم البلاد، شريكاً شرعياً في المباحثات". لم يعد بإمكان أردوغان التراجع حالياً إذ أصبح مستقبله السياسي على المحك.

ومع اقتراب الانتصار على داعش تبرز القضية الكردية، التي ما تزال تشكل حجر عثرة وورقة مساومة بين اللاعبين الرئيسيين في سورية. فالأكراد السوريين الذين لعبوا دوراً كبيراً في الانتصار على داعش، ومن خلال تلقيهم دعم الولايات المتحدة، باتوا يسيطرون على ثلث البلاد، على الرغم من أن نسبتهم لا تتجاوز 15% من سكان البلاد (وفقاً لمعطيات أجهزة الاستخبارات التركية فقد حصل الأكراد من الأمريكيين ما مجموعه 3500 شاحنة من الأسلحة والذخيرة). الأمريكيون أنشأوا عشرات القواعد العسكرية في منطقة كردستان السورية، ومن الواضح أنهم مثل الأكراد لن يغادروا سورية.

ولذلك لا يزال التطبيع النهائي للوضع في البلاد بعيداً، وليس من قبيل المصادفة أن يعلن رؤساء روسيا وتركيا وإيران أنهم مستعدون للاجتماع مرة أخرى إذا لزم الأمر.

 

لا أحد يتوقع أن الطريق إلى السلام سيكون سهلاً. فقد حذر فلاديمير بوتين في معرض الحديث عن نتائج مرحلة السلام للأزمة قائلاً: "هذه العملية ستكون صعبة وتتطلب التنازلات بما في ذلك من السلطات الرسمية". 

 

يولي الخبراء الأمريكيون في الآونة الأخيرة اهتماماً خاصاً للعلاقة بين المناطق والأقاليم الروسية مع السلطات المركزية ومن خلال اللعب على وتر المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لمختلف الأقاليم الروسية، يروج المثقفون من وراء المحيطات فكرة ضرورة تحقيق نظام اللامركزية في علاقتهم مع موسكو.

والحديث هنا لا يدور فقط عن منح سلطات مستقلة إضافية للأقاليم، ولكن حول رغبة الأمريكيين بتقسيم روسيا على طول الحدود بين الأقاليم.

بول غوبل المسؤول في جهاز الاستخبارات المركزية السابق، وهو الآن واحد من كبار الخبراء في مؤسسة جيمس تاون الأمريكية، يصف في هذا الإطار النزعة الإقليمية بأنها قومية الثورة الروسية في المستقبل. ويحث على استبدال النزعة القومية بالإقليمية وإنشاء الهويات الإقليمية المختلفة داخل روسيا، على سبيل المثال الهوية السيبيرية وهوية نوفوغورد وكيونيغ سبيرغ. (1)

وقد أعرب غوبل أكثر من مرة عن دعمه لإنشاء جمهورية الأورال المستقلة وجمهورية سيبيريا وعن استقلال فنلندا-الأوغرية واستقلال إنغري على أراضي روسيا الاتحادية. وهنا يعتقد غوبل بأنه من أجل زعزعة الاستقرار في روسيا فإن المستقبل هو لصالح المشاريع الإقليمية.

مؤسسة جيمس تاون عبارة عن مركز تحليلي تقييمي، الذي يركز بشكل دائم على مسألة النزعة القومية والنزعة الإقليمية في روسيا. ومن بين الأفكار التي طرحتها المؤسسة، تشكيل ما يشبه هوية القوازاق الوطنية المنفصلة لدى سكان كوباني ونهر الدون وهوية بومور لدى سكان شمال روسيا وكذلك هوية وطنية مستقلة لسكان تتر سيبيريا ... إلخ.

والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو سبب تحول اهتمام مجتمع الخبراء الأمريكي من التركيز على النزعة الإقليمية بدلاً من القومية؟

أولاً- تبدو النزعة الإقليمية أكثر قابلية للتطبيق من القومية. والمجتمع يمكن أن يرفض القومية بسبب النظريات العنصرية وغيرها من الممارسات المسيئة التي يمكن أن تظهر حتماً جراء انتشار الإيديولوجية القومية.

ثانياً- النزعة الإقليمية بالتحديد هي التي تحتوي بشكل كامل على المكون الاقتصادي والاجتماعي، وهذا العنصر حساس جداً بالنسبة لروسيا. إذ أنه من الأسهل البدء في مشاريع التحريض الإقليمي الانفصالي في منطقة كالينين غراد بحجة الحصول على مطالب اقتصادية أكثر توازناً مع المركز، من التمسك بفكرة الانفصالية القومية.

ثالثاً- الانفصالية الإقليمية متعددة القوميات، ويمكن استخدام هذه النزعة من قبل سكان المنطقة بغض النظر عن انتمائهم القومي. هذا يعطي الانفصالية الإقليمية شكلاً من أشكال الشرعية ومطابقاً للمعايير الديمقراطية، من خلال اعتبارها إحدى الإيديولوجيات السمحة والتي تسمح بوضع السلطات المركزية موضع المذنب بشكل دائم.

رابعاً- الانفصالية الإقليمية أسهل من ناحية انخراطها بالنشاط الاحتجاجي للمعارضة المتطرفة الموالية للغرب. ومن الأصعب انخراط النزعة القومية العارية بسبب الخطاب المتشدد للأخيرة.

خامساً- من خلال دعم النزعة الإقليمية يمكن اتهام السلطات المركزية بالشوفينية القومية، وهذا ما يقوم به بول غوبل. في الوقت نفسه يوحد بول الجمهوريات الواقعة على نهر الفولغا تحت اسم ايدل- الأورال، وهذا ما يذكرنا بالأوهام العدوانية للقوميين المحليين المتشددين منذ زمن الحرب الأهلية ومحاولات هتلر اللعب بالورقة القومية بين شعوب منطقة الفولغا (نذكر أنه كانت هناك كتيبة ضمن القوات النازية الألمانية تحمل اسم ايدل- الأورال). (2)

سادساً- تسعى النزعة الانفصالية الإقليمية إلى فصل مناطق بأكملها عن الدولة، ولا تقتصر على أماكن إقامة هذه القومية أو تلك. على سبيل المثال يسمح للروس المقيمين في منطقة الفولغا بأن يكونوا من بين مواطني جمهورية ايدل- الأورال المستقلة.

يشار إلى أن إذاعة "سفوبودا" وتعني الحرية أطلقت، سلسلة من المواد ذات الصلة والتي تعزز الانفصالية الإقليمية في روسيا. وهنا يصور موقع "ايدل- ريالي" حياة الجمهوريات الفنلندية الأوغرية في روسيا بأنها حزينة ويائسة، حيث يتم قمع الثقافة الفنلندية الأوغرية وتدهور الاقتصاد (3). كذلك تم إطلاق مشاريع "دونباس- ريالي" و"القرم- ريالي" و"سيبيريا- ريالي" على الرغم من أن المعلومات التي قدمت هي بعيدة عن الحقيقة.

وإذا كانت المسألة الثقافية واللغوية في الجمهورية ليست من الأولويات "كما هو الحال في تترستان وباشكيريا، حيث يتكلم السكان الأصليين في معظمهم باللغة الأم" وليس هناك مساحة للمضاربة ضمن هذا الإطار، فإن إذاعة "سفوبودا" تطلق موضوعات استفزازية أخرى، على سبيل المثال حول وجود مضايقات سياسية للأقاليم من جانب السلطات في موسكو، ووجود قيود في سلطات الأقاليم وعدم مبالاة السلطة المركزية لمشاكل الأقاليم.

ليست فقط الولايات المتحدة تحاول نشر النزعة الانفصالية الإقليمية في روسيا، فلقد كانت هناك محاولات عديدة حول إعادة تسمية كالينين غراد على حساب الأموال الألمانية وكذلك بمساعدة محبي الوقوف على الأطلال الألمانية في كالينين غراد نفسها (4،5،6). بالإضافة إلى رغبة النرويج خلق هوية بومور لدى سكان إقليم أرخانغيلسك.

وقد تم الكشف عن تورط موظفي البعثات الدبلوماسية البولندية في محاولات تشكيل شريحة من المعارضة في الأقاليم من بين السكان المحليين من أصول بولندية ولاسيما الشباب (7).

 

1)    https://www.fondsk.ru/news/2017/11/24/o-zapadnyh-zaschitnikah-regionalnyh-interesov-v-rossii-45118.html

2)    http://windowoneurasia2.blogspot.ru/2017/10/peoples-of-idel-ural-come-together-to.html

3)    https://www.idelreal.org/a/28394399.html

4)    http://newsbalt.ru/reviews/2017/01/university-konigsberg-rich-nazi-past/

5)    http://newsbalt.ru/news/2017/06/09/kaliningradskiy-minkult-profinansiroval-panegirik-koenigsbergu/

6)    http://newsbalt.ru/analytics/2017/01/hannah-arendt-lies-and-russophobia/

 

7)    http://newsbalt.ru/analytics/2016/08/poland-kuzbass-political-provocations/

 

الخميس, 30 تشرين2/نوفمبر 2017 13:05

روسيا وإيران في سورية: وحدة وصراع الأضداد

Written by

 

الوضع في سورية يتغير بسرعة كبيرة، وفكرة المصالحة باتت تشمل عدداً كبيراً من المشاركين في الأعمال القتالية من مختلف الأطراف. حالياً يتم تشكيل مناطق خفض التصعيد التي تشرف عليها كل من روسيا والولايات المتحدة والأردن، علماً أن العلاقة تجاه هذه المناطق مازالت غامضة من قبل اللاعبين السياسيين المنخرطين في سورية، بما في ذلك اللاعب "المحايد" إسرائيل. ولكن من الواضح بأن عملية تطور الصراع السوري بدأت تتحول إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة الكفاح السياسي والدبلوماسي من أجل مستقبل سورية.

الوحدة والاختلاف

إذا كانت موسكو وطهران تعملان سابقاً أو كانتا تحاولان التنسيق سوية من خلال حماية ودعم مؤسسات الدولة في سورية، يبدو أنه في هذه المرحلة ظهرت اختلافات في وجهات النظر حول مستقبل الجمهورية العربية السورية، وكذلك دور ومكان كل مشارك من المشاركين المتورطين في النزاع السوري.

من الناحية التكتيكية فإن مواقف موسكو وطهران تتطابق حول مستقبل سورية، ولكن من الناحية الاستراتيجية لا يوجد توافق في الرؤية. وفي هذا السياق كتب الباحث الروسي نيكولاي كوجانوف قائلاً: "لا يوجد لدى موسكو ولا طهران أوهام حول وجود اختلافات في ما يتعلق بالأهداف النهائية، التي تجبر روسيا وإيران على النضال من أجل الإبقاء على عمل مؤسسات الدولة السورية".

فروسيا تريد أن ترى سورية دولة علمانية، حيث تكون فيها جميع فئات المجتمع الدينية والعرقية متساوية. أما جمهورية إيران الإسلامية فهي تريد أن تساعد السوريين من أجل إنشاء هيكلية يمكن أن تحافظ على تفوق الطائفة العلوية (إحدى تيارات الشيعة في الإسلام) وبقية الأقليات الدينية الأخرى على الأغلبية من الطائفة السنية.

بشكل عام تركز طهران على تأسيس نظام في دمشق يمكن أن يضمن لإيران حصة الأسد في السياسة السورية، مما سيمكنها من تحقيق قرارات مربحة بالنسبة لها. قبل كل شيء الحديث يدور عن الحفاظ وتعزيز القوس الشيعي المكون من إيران والعراق وسورية ولبنان، والذي يشمل أيضاً الممر اللوجستي البري الذي يضمن إمكانية تقديم الدعم العسكري والتقني والمالي للقوى الموالية لإيران في مجال هذا القوس. أولاً وقبل كل شيء المقصود هنا حزب الله اللبناني.

حزب الله- أداة إيرانية قوية في سورية 

هذه الجماعة تعتبر في الكثير من البلدان إرهابية وهي صنيعة إيران وعائلة الأسد. فقد كان والد بشار الرئيس السابق للجمهورية العربية السورية حافظ الأسد، مع فيلق الحرس الثوري الإسلامي في إيران، وراء تأسيس هذه المنظمة في عام 1982، والتي كانت بمثابة سيف في وجه إسرائيل والمعارضين السياسيين ورجال الدين في لبنان نفسه.

إن الرؤساء من عائلة الأسد سمحوا بإنشاء المعابر، بحيث يمكن لفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإشراف على نشاط حزب الله بشكل كامل مع توريد الأسلحة والمعدات العسكرية لهذه الجماعة وتقديم الدعم المالي والمادي. كما قام الحرس الثوري بتدريب القيادات من حزب الله.

وبحسب تقييم نوار أوليفر وهو محلل عسكري من مركز إسطنبول للدراسات الاستراتيجية "عمران"، فإن عدد عناصر حزب الله في سورية يبلغ حوالي 10 آلاف شخص. ولكن هذا مكون شيعي واحد يدخل ضمن الجماعات الشيعية في سورية والتي تنشط تحت رعاية جمهورية إيران الإسلامية، ويصل تعدادها حوالي 70 ألف شخص. الحديث يدور عن متطوعين وميليشيات تم تجنيدهم من قبل الحرس الثوري الإيراني في إيران والعراق وأفغانستان وفي سورية نفسها.

واليوم على الرغم من أن دور حزب الله في سورية يتراجع بسبب الخسائر الكبيرة وتقليص عدد الأفراد والتركيز بشكل رئيسي على العودة إلى لبنان، لا تزال هذه الحركة المساعد الرئيسي لإيران من أجل تعزيز القوس الشيعي. البروفسور هلال خاشان في الجامعة الأمريكية في بيروت أشار إلى أنه تحت إمرة وقيادة الضباط من الحرس الإيراني، فإن الفيلق يستخدم حزب الله في إطار مخططاته لإقامة ممر بري من إيران إلى لبنان.

ومنذ شهر حزيران/يونيو 2016 أصبح حزب الله (وكذلك القوات الإيرانية) ينادي على نحو متزايد ضد اتفاق وقف إطلاق النار. حتى أن القضية وصلت إلى مواجهات مفتوحة مع القوات الحكومية، بما في ذلك أثناء العملية في حلب، التي كان ينبغي أن تنفذ بشكل مشترك. بالإضافة إلى ذلك وجدت القوات الفضائية الجوية الروسية نفسها مضطرة لقمع مواقع المقاتلين الشيعة عندما أعاقت قوات تدعمها إيران خطط إجلاء المدنيين إلى مناطق آمنة.

الصراع من أجل الأراضي

موسكو اقترحت أكثر من مرة دمج الجماعات الشيعية ضمن صفوف القوات المسلحة السورية، لكي تعمل تحت قيادة موحدة، مع أهداف وغايات مشتركة. ولكن إيران لا يبدو أنها كانت ترغب أن تفقد أداة الضغط على دمشق، ومن جهة أخرى التخلي عن أداة السيطرة إن لم يكن على كامل الأراضي السورية فعلى الأقل على أكثر المناطق أهمية بالنسبة للمصالح الإيرانية.

إحدى هذه المناطق، بالإضافة إلى الممر الشيعي، أصبحت محافظة دير الزور، تلك المنطقة الهامة استراتيجياً واقتصادياً والغنية بموارد النفط والغاز. الخبير العسكري ألكسندر بيريجييف الدكتور في جامعة الاقتصاد الروسية أكد بأنه هناك لعبة حول دير الزور لا علاقة لها بمحاربة الإرهاب بشكل مباشر، وأشار في هذا الإطار قائلاً: "إن السيطرة على هذه المحافظة يعني السيطرة على المواد الموجودة فيها. روسيا على الرغم من أنها تقدم الدعم للحكومة الشرعية التي يرأسها بشار الأسد، لا تريد السيطرة على منطقة ما من المناطق، لا بل على العكس من ذلك، تسعى أن يكون تحت مسؤوليتها الجزء الرئيسي من سورية التي تسيطر عليها الحكومة الرسمية في دمشق. أما فيما يتعلق بإيران هناك إشارات استفهام. فمن جهة إيران تحاول ضمان السلام في سورية، ولكن بحيث تكون الأراضي المحررة تحت سيطرة الحكومة السورية وهذه مسألة أخرى تماماً.

إيران وإسرائيل: التناقضات

إن إسرائيل التي تعتبر الخصم العسكري والسياسي والإيديولوجي الرئيسي لإيران في الشرق الأوسط، ترى في أعمال طهران في سورية تهديداً مباشراً لها. وهناك من يعتقد في إسرائيل أن أهداف إيران في سورية ليس محاربة الإرهاب والجماعات المعارضة المسلحة بقدر ما هو الاستيلاء على الأراضي السورية وتعزيز مواقعها في منطقة الشرق الأوسط.

وكما يعتقد أنطون مارداسوف رئيس قسم دراسات النزاعات الشرق أوسطية في معهد التنمية المبتكرة، فإن قلق الجانب الإسرائيلي حيال تعزيز دور إيران في المنطقة لا يمكن اعتباره من دون سبب. وبحسب رأيه فإن طهران بالفعل تسعى قبل كل شيء لتحقيق أهدافها الخاصة، وعندما سيكون الأمر في صالحها فإنها لن تمانع في اللجوء إلى أساليب تصعيد الأزمة السورية. وبالتالي فإن إيران ومن أجل تحقيق أهدافها تستفز إسرائيل والولايات المتحدة للقيام بأعمال أكثر تطرفاً.

ويؤكد هنا المحلل السياسي قائلاً: "هناك أسباب لقلق إسرائيل من الوحدات الإيرانية، لأن طهران تواصل تعزيز تواجدها العسكري في سورية وتقوم في الوقت ذاته بنشر المذهب الشيعي في المناطق السنية، وهذا بحد ذاته أمر خطير للغاية من وجهة نظر الصراع بين الطوائف. إن الأراضي الشاسعة في الصحراء السورية تسيطر عليها هذه القوات الموالية لإيران، وفي المستقبل يمكن لإيران أن تشكل ما يسمى بالممر الشيعي. وهذا هو عامل مزعزع للاستقرار يمكن أن يعيق عملية التسوية السياسية".

والدليل على ذلك هو حقيقة أن إيران لم تكن متحمسة لفكرة وقف إطلاق النار الروسية، بحجة أن هذا الاتفاق يسمح للعدو إعادة تنظيم صفوفه وجمع قواه لكي يهاجم مرة أخرى القوات الموالية للرئيس الأسد. ولهذا طالب الإيرانيون استمرار الأعمال القتالية.

مناطق خفض التصعيد - طريق للسلام؟

لكن الخسائر الكبيرة في ساحة المعركة كانت عامل فتور للإيرانيين. ففي عاصمة كازاخستان أستانا وافقت طهران خلال المفاوضات الثلاثية بين روسيا وتركيا وإيران على إنشاء مناطق خفض التصعيد. جرى الحديث لإنشاء أربع مناطق خفض التصعيد في سورية (في محافظات إدلب وحمص وشرق الغوطة وجنوب غرب سورية). لكن للأسف لم يتم حتى الآن التنسيق بين الدول الضامنة من أجل حدود هذه المناطق.

ومع ذلك في السابع من شهر تموز/يوليو وبمبادرة من روسيا تم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء مناطق خفض تصعيد في جنوب غرب سورية في مناطق درعا والقنيطرة والسويداء، علماً أن روسيا والولايات المتحدة والأردن أخذت على عاتقها مسألة مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار في هذه المنطقة. كما تم في هذا البلد إنشاء مركز رصد يضمن بواسطة الخبراء الروس والأمريكيين التواصل بين الأطراف المتحاربة. في البداية ستقوم الشرطة العسكرية الروسية بضمان الأمن في مناطق خفض التصعيد بالتنسيق مع الأمريكان والأردنيين.

في 22 تموز/يوليو أصبح معروفاً أنه تم التوقيع على اتفاق حول منطقة خفض التصعيد في الغوطة الشرقية (بالقرب من دمشق إلى الشمال من المناطق الجنوبية الغربية). وقد أشار وزارة الدفاع الروسية إلى أن هذا الاتفاق جاء نتيجة المحادثات التي جرت في القاهرة، والتي كانت بمشاركة ممثلين عن وزارة الدفاع الروسية وأعضاء من المعارضة السورية المعتدلة بوساطة الجانب المصري. حيث ستقوم كل من الولايات المتحدة وروسيا بمراقبة منطقة خفض التصعيد الجديدة.

إسرائيل بدورها تشعر بالقلق إزاء استخدام مناطق خفض التصعيد هذه من قبل إيران والجماعات الشيعية المؤيدة لها. وتل أبيب لا تسمح بشكل قاطع حتى باحتمال وجود أو تحرك القوات الإيرانية أو حزب الله على الأراضي السورية بالقرب من حدودها في منطقة خفض التصعيد الجنوبية الغربية. وهنا يحث الإسرائيليون بشدة إلى انسحاب معظم القوات الإيرانية من سورية وكذلك الميليشيات العراقية الموالية لإيران وفصائل حزب الله أيضاً.

في هذا السياق صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما تم الحديث عن مناطق خفض التصعيد قائلاً: "أنا مستعد لتأييد أي مبادرة إذا كانت ستؤدي إلى السلام. لكن في الوقت نفسه سوف نراقب عن كثب الأوضاع بحيث لا تظهر قواعد عسكرية لحزب الله وإيران في هذه المناطق".

وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أوضح كلمات رئيس وزرائه، فبحسب رأيه إذا كانت مناطق خفض التصعيد هذه سوف تستخدم من أجل تعزيز مواقع قوات حزب الله أو أي قوات مدعومة من إيران فإن إسرائيل ستترك لنفسها الحق في التصرف. بمعنى آخر تل أبيب ترسل إشارة ذات مغزى واضح حول الاستعداد لتسوية مشكلة أمنها بشكل مستقل أمام هذه التهديدات.

الجدير بالذكر أن مسألة إنشاء منطقتين من مناطق خفض التصعيد من قبل روسيا والولايات المتحدة جاء بعد إجراء المشاورات مع تل أبيب. ففي المؤتمر الصحفي الذي عقد في هامبورغ يوم 8 تموز/يوليو خلال قمة العشرين أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما تطرق بالحديث عن منطقة خفض التصعيد المتفق عليها، إلا أنه تم إجراء مشاورات مع إسرائيل وإنه سوف تستمر هذه المشاورات في المستقبل القريب.

وفي 17 من شهر تموز/يوليو صرح سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي بأن موسكو وواشنطن بذلتا كل ما في وسعهما لمراعاة مصالح وضمان أمن إسرائيل لدى إنشاء منطقة خفض التصعيد في جنوب سورية.

ليس من قبيل الصدفة في أن التدابير العملية الخاصة بإنشاء منطقة خفض التصعيد جنوب غرب البلاد ومنطقة الغوطة الشرقية، لم تنسق مع الإيرانيين بشأن نظام عمل هذه المناطق وضمان السيطرة والمراقبة والأمن. وإنه من غير المرجح أن يتم نشر القوات الإيرانية في هذه المناطق أو الميليشيات المسلحة الموالية لها أو مجرد عبور هذه القوات من خلالها.

المصالح الروسية وإيران

إن المصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط متعددة الاتجاهات ولا تركز فقط على إيران، التي تعاني حالياً من وضع صعب إن كان ذلك في الفضاء الجيواستراتيجي (المواجهة الإيرانية الشيعية مع السنة)، أو إن كان ذلك في إطار المنطقة، حيث تصطدم مصالحها العسكرية والسياسية مع قوى إقليمية عديدة.

في الوقت ذاته فإن روسيا، من خلال الدفاع عن مصالحها في الشرق الأوسط ولاسيما في سورية، تحافظ على علاقات تجارية طبيعية مع دول المنطقة، بما في ذلك مع البلدان المناهضة لإيران مثل المملكة السعودية وإسرائيل. في هذه الحالة فإن الدخول في حلف استراتيجي مع إيران يمكن أن يضعف موقف روسيا وأن يؤدي إلى المواجهة مع معظم بلدان المنطقة أولاً، ومع الغالبية السنية في العالم ثانياً، وهذا بحد ذاته قد يكون محفوفاً بعواقب سياسية داخلية تهدد روسيا باعتبارها بلد متعدد الأديان.

في هذا الصدد من المنطق أن تقيم موسكو أنشطة طهران في سورية بشكل براغماتي. خاصة فيما يتعلق برغبتها في فرض وصاية على دمشق على أقل تقدير، وإنشاء قاعدة سياسية إيديولوجية سياسية (وربما عسكرية) لنشر نفوذها الشيعي الفارسي ليس فقط في سورية وإنما في المنطقة برمتها. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار واحتمال حدوث انفجار حقيقي على الجبهة الإيرانية الإسرائيلية وعلى الجبهة الإيرانية والدول العربية. إن تطور الأحداث بهذا الشكل بالكاد أن يكون مطابقاً لمصالح روسيا، التي تدافع عنها موسكو باستمرار. وهنا بالذات بحسب العديد من المحللين السياسيين، يكمن سبب وجود منافسة بين موسكو وطهران في سورية. قبل كل شيء فإن التنافس يصب للتأثير على السلطة السورية بين اللوبي المحلي الموالي لروسيا واللوبي المؤيد لإيران. علاوة على ذلك نلاحظ من الجانب الإيراني وجود بعض الغيرة تجاه موسكو، وهذا الأمر بطبيعة الحال لن يفضي إلى إقامة علاقات استراتيجية تحالفية وثيقة ومنفتحة.

في رأيي، تحدث نعمة الله يزدي آخر سفير لإيران في الاتحاد السوفيتي وأول سفير لإيران في روسيا في أحد مقابلاته، عن فكرة صادقة ومناسبة قائلاً: "لا يمكن لطهران وموسكو أن تصبحا حليفتان استراتيجيتان، ولكن يجب أن تكون هناك استراتيجية لتطوير علاقتهما".

للأسف فإن استراتيجية تطوير العلاقات الثنائية تبقى غامضة في يومنا الحالي. وإذا ما تحدثنا عن السياسة فإنه كما ذكرنا سابقاً لا يوجد توافق كامل للآراء تجاه قضية هامة مثل الأزمة السورية. يبدو أنه لا توجد خطة مشتركة لكيفية حل هذه المشكلة.

ربما تكون المواجهة التكتيكية للغرب إحدى النقاط القليلة التي تخلق تقارباً نظرياُ بين موسكو وطهران، وخاصة اليوم عندما تتجمع الغيوم المكثفة من العقوبات مرة أخرى فوق سماء روسيا وإيران. لكن هذا لا يكفي، إذ أن الطرح الذي تقدم به وزير الخارجية الروسي الأسبق رئيس المجلس الروسي للعلاقات الدولية إيغور ايفانوف خلال المشاركة في مؤتمر بعنوان "تطوير الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران" يوضح بشكل لا لبس فيه أن الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران لا يمكن أن تبنى على أساس المواجهة المشتركة للغرب. هذه الشراكة يجب أن تكون مبنية على أساس رؤية شاملة لحل قضايا العصر العالمية من خلال خرائط طريق مدروسة تهدف لتحقيق استقرار الوضع في المناطق المجاورة للبلدين، ومن خلال مقترحات مفصلة لإنشاء أنظمة إدارة دولية للموارد، وكذلك مبنية على مبادرات واقعية متعلقة بتحسين القواعد الأساسية للقانون الدولي".

من خلال الأخذ بعين الاعتبار جميع الأمور الإيجابية التي تراكمت خلال التعاون بين روسيا وإيران في سورية، من الضروري الاعتراف بصحة ما قاله نيكولاي كوجانوف الذي أشار إلى أن زواج المصلحة بين روسيا وإيران يسمح بتخفيف الصعوبات لكن لا يحل المشكلة، وإنما يؤجلها إلى وقت آخر عندما سيتم طرح هذه المشكلة مرة أخرى بشكل مباشر. واليوم فإن موضوع مستقبل سورية مطروحاً على بساط البحث بشكل مباشر ويتطلب حلاً استراتيجياً.

 

الكلمات الرئيسية: الولايات المتحدة- روسيا- إيران- سورية- الأزمة السورية- إسرائيل- استراتيجية العلاقات بين الشيعة والسنة- حزب الله- الحرس الثوري الإيراني  

 

الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 13:03

روسيا والنزاع الجزائري المغربي

Written by

 

منذ البداية جذبت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف إلى الجزائر والمغرب اهتماماً خاصاً وذلك بسبب خصوصية تطور هذه المنطقة وكذلك آفاق التعاون بين البلدين من جهة، وموسكو من جهة أخرى.

وليس سراً أن من بين جميع بلدان المغرب العربي تعتبر العلاقات الجزائرية المغربية هي الأخطر من ناحية احتمال اندلاع نزاع في المنطقة. إذ أن الرباط تتهم الجزائر بدعمها لجبهة البوليساريو، التي تناضل من أجل استقلال الصحراء الغربية (المغرب الإسباني سابقاً). فيما تصر السلطات الجزائرية من جانبها على حل هذه المشكلة على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتطلب سحب الوحدات العسكرية المغربية والإدارة المدنية من الصحراء الغربية، الموجودة هناك منذ أكثر من 40 عاماً. ففي شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1975 نظمت السلطات المغربية ما يسمى "بالمسيرة الخضراء"، حيث تمكن خلالها 350 ألف مواطن مغربي الدخول إلى أراضي الصحراء الغربية من أجل السيطرة على هذه المستعمرة الإسبانية في ظل تفكك الإدارة المستعمرة. رداً على ذلك وفي عام 1976 أعلنت جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر وعدة بلدان أخرى، عن إقامة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية على أراضي الصحراء الغربية، والتي يعترف بها بشكل أو بآخر ما يقرب من 60 دولة، والتي تعتبر أيضاً جزءاً من الاتحاد الإفريقي.

إن التناقضات الموجودة بين المغرب والجزائر تجبرهما بحكم الواقع البحث عن دعم في المجتمع الدولي. فبالنسبة للجانب المغربي، فإن المجال الهام للتعاون مع روسيا هو المجال العسكري التقني الذي يرمي إلى ضمان التكافؤ العسكري مع جارتها. وكما هو معروف فإن الجزائر حالياً تعتبر ثالث مشتري للأسلحة العسكرية بعد الهند والصين. وفي هذا الإطار صرح رئيس الحكومة الروسية عندما كان في زيارة للجزائر قائلاً: "لابد من أن نذكر هنا بأن الجزائر أصبحت واحدة من البلدان القليلة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، التي لم تتأثر بالأحداث الفوضوية التي تسببها الربيع العربي منذ عام 2011. وهنا لعبت عملية الشراء الكبيرة للمعدات العسكرية (بما في ذلك من روسيا)، التي قامت بها سلطات البلاد على مدى سنوات، دوراً كبيراً من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية "vestifinance".

وعلى الرغم من أنه لم يتم التوقيع على اتفاقيات عسكرية محددة خلال محادثات رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف ونظيره المغربي سعد الدين العثماني، التي انتهت في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أن موضوع تعزيز التعاون العسكري التقني الثنائي كان حاضراً على بساط البحث. وفي هذا الإطار أكد رئيس الحكومة المغربي، الذي وصف العلاقة بين الرباط وموسكو بأنها علاقات شراكة استراتيجية عميقة، قائلاً: "بأمر من ملك المغرب، فتحنا آفاقاً جديدة لتعزيز التعاون العسكري التقني وكذلك في مجال الأمن". (على كل حال يطلق أيضاً على العلاقات مع روسيا بأنها علاقات شراكة استراتيجية في الجزائر). بدوره أشار ديمتري ميدفيديف قائلاً: "نحن نفتح بأنفسنا مجالات جديدة، على وجه الخصوص، كما نوه زميلي، الحديث يدور عن التعاون في مجال توريد المنتجات العسكرية وفي مجال الأمن" (vestifinance).

إن سعي روسيا لإيجاد توازن جديد في العلاقات مع الجزائر والمغرب تجلى في حقيقة أن موضوع التعاون العسكري التقني لم يكن أولوية خلال محادثات رئيس الحكومة الروسية في العاصمة الجزائرية.

في الوضع الراهن وخلال الجولة المكوكية لديمتري ميدفيديف كانت الأولوية في المباحثات هي مسائل تطوير التعاون في قطاع الطاقة وكذلك التنسيق في أسواق النفط والغاز العالمية. إذ أن الجزائر تعتبر واحدة من أكبر منتجي الغاز الطبيعي، حيث تعود صادرات الغاز للبلاد بـ 30% من الناتج المحلي الإجمالي، و60% من عائدات ميزانية الدولة و95% من عائدات التصدير. ومن حيث احتياطي النفط، تحتل الجزائر، باعتبارها عضو في منظمة أوبيك، المرتبة 15 في العالم، ومن حيث الصادرات المرتبة 11. المغرب بدورها لا يمكن أن تتباهى بوجود احتياطي كبير للطاقة، ولكن شرعت السلطات بزيادة استهلاك الغاز والتسريع في عملية بناء محطات توليد الطاقة الحرارية، بما في ذلك على أساس استخدام الغاز الطبيعي المسال. ويشمل هذا البرنامج بناء محطة التحويل إلى غاز، قادرة على إنتاج حتى خمسة مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً وكذلك شبكة الأنابيب وخمس محطات توليد الطاقة الحرارية باستطاعة إجمالية لا تقل عن 2.4 غيغا واط.

ووفقاً لوزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك فإن الفرص الجيدة للمشاركة في مشاريع الغاز المغربية متوفرة لدى شركة "غاز بروم" وشركة "نوفاتيك"، بما في ذلك على أساس توريد الغاز الطبيعي المسال من مشاريع "يامال للغاز الطبيعي المسال" و"أركتيك للغاز الطبيعي المسال". (vedomosti.ru)

وفي هذا السياق أكد رئيس مجلس إدارة شركة نوفاتيك ليونيد ميخيلسون أن الشركة تنظر إلى المغرب باعتبارها سوقاً واعدة لمبيعات الغاز الطبيعي المسال، وهي راغبة بالمشاركة في بناء محطة التحويل إلى غاز، وأضاف قائلاً: "نعم هناك اهتمام بهذا الموضوع وسوف يطرح الجانب المغربي مناقصة بهذا الشأن". وبحسب رأيه فإن الغاز الطبيعي المسال من روسيا يمكن أن يكون بديلاً بشكل كامل أو جزئياً عن، ما يتم استيراده عبر خطوط أنابيب الغاز من المملكة السعودية إلى المغرب، ومازالت المباحثات تجري حول تمديد العقد، الذي من الممكن أن يتخذ بحقه القرار النهائي في بداية عام 2018.

وكما أشار ممثل شركة "غاز بروم" خلال مقابلة مع صحيفة "فيدوموستي" الروسية فإن الشركة مهتمة أيضاً في توريد الغاز الطبيعي المسال إلى المغرب ومستعدة لدراسة المشاركة في المشاريع ذات الصلة.

ويعتقد ديمتري مارينتشينكو المحلل في شركة فيتش قائلاً: "إن إمكانية ليس فقط توريد الغاز الطبيعي المسال وإنما العمل على بناء البنية التحتية يمكن أن تصبح من المزايا التنافسية للشركة، التي ينبغي عليها حالياً البحث عن أسواق محتملة للتوزيع أثناء تنفيذ المشروع التالي للغاز الطبيعي المسال. (vedomosti.ru)

حتى الآن توجد مناقشات مسائل التعاون الروسي المغربي في قطاع الطاقة على مستوى رؤساء الحكومات بالتوقيع على مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة الروسية ووزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة في المملكة المغربية للتعاون في مجال كفاءة استخدام الطاقة، وكذلك مذكرة التفاهم بين وزارة الطاقة الروسية ووزارة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة للتعاون في مجال الطاقة المتجددة. وهنا أشار بهذا الصدد ديمتري ميدفيديف قائلاً: "نحن ناقشنا بالتفصيل المشاريع الجديدة التي يمكن أن تكون أساساً في التعاون بين البلدين. الحديث يدور حول الطاقة بأشكالها المختلفة وطرق الحصول على منتجاتها". (vestifinance)

في الوقت نفسه أوضح ميدفيديف بهذا الشأن مشيراً إلى أن توريد الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياطات الغاز المغربي هي مسألة واعدة جداً.

خلافاً لما هو عليه في المغرب، فإن السوق الجزائرية تعتبر ذات أفق أكبر بالنسبة لروسيا في تنفيذ المشاريع المتعلقة بمجال الطاقة الذرية. وهنا صرح ديمتري ميدفيدف في مقابلة مع وكالة الأنباء الجزائرية عشية زيارته لهذا البلد بأن روسيا مستعدة لتقديم الحلول التقنية والفنية للجزائر، في حال تم اتخاذ قرار في هذا البلد حول إنشاء صناعة وطنية نووية. (aps.ds)

وبحسب قوله فقد تم وضع إطار تنظيمي وقانوني للتعاون في مجال الطاقة النووية. حالياً بدأت روسيا بإعداد الخبراء المتخصصين في مجال الذرة للجزائر. وعلى التوازي نحن مستعدون للنظر في مشاريع توليد الطاقة الكهربائية "النظيفة" ضمن محطات الرياح والطاقة الشمسية. وبحسب تأكيد رئيس الحكومة الروسية فإنه تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين مؤسسة "روس آتوم" الحكومية الروسية ومفوضية الطاقة الذرية في الجزائر حول التعاون في مجال التعليم وتدريب الكوادر في مجال الطاقة الذرية. (government.ru)

بالإضافة إلى التعاون الثنائي تتمتع روسيا والجزائر بخبرة التعامل في المحافل الدولية، والحديث قبل كل شيء يدور في إطار منظمة أوبيك ومنتدى الدول المصدرة للغاز. الجزائر بالذات اقترحت على منظومة أوبيك في نهاية عام 2016 إبرام اتفاقية، حازت تأييد روسيا، حول الحد من إنتاج النفط، والتي سمحت بتحقيق الاستقرار في هذه السوق. وفي هذا الصدد أشارت صحيفة لو-بوينت الفرنسية قائلة: "إن زيارة ديمتري ميدفيديف ترسل إشارة واضحة للجزائر والدول الأخرى المصدرة للغاز والنفط إلى أوروبا، في إشارة إلى أن روسيا تؤمن في إمكانية الحوار وإحراز التسويات. (afrique.lepoint.fr)

ومع ذلك فإن مجال الطاقة التقليدية يعتبر واعداً من حيث تطوير العلاقات الروسية الجزائرية. وبحسب قول ألكسندر نوفاك فإن شركة النفط الروسية لوكويل مهتمة بالمشاركة في مناقصات تطوير حقول النفط والغاز في الجزائر، علماً أن الشركة مهتمة أيضاً بالمناقصات إن كانت في الجرف البحري أو براً. (rbc.ru)

في ظل الأوضاع المعقدة في شمال إفريقيا بشكل عام وفي العلاقات بين المغرب والجزائر بشكل خاص، تظهر روسيا الرغبة في تعزيز والحفاظ على توازن القوى الإقليمي، وفي الوقت نفسه زيادة التعاون في تلك المجالات، التي تعتبر أولوية لكل بلد من البلدين المذكورين.

 

الكلمات الرسمية: روسيا- أوبيك- الجزائر- ديمتري ميدفيديف- الطاقة- منتدى الدول المصدرة للغاز- غاز بروم- المغرب- الصحراء الغربية- روس آتوم- محطة الطاقة النووية- لوكويل- نوفاتيك. 

 

قام في الأسبوع الماضي العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود بزيارة إلى موسكو. ومع إن هذه الزيارة استغرق إعدادها حوالي عامين، إلا أنه أصبح من الواضح أن تأجيل زيارة العاهل السعودي لم تكن بسبب الدولة الروسية المضيفة. يشار إلى إن وسائل الإعلام السعودية وصفت هذه الزيارة قبل بدء المباحثات بأنها تاريخية وأكدت أنها تهدف لوضع النقاط على الحروف في القضايا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية وكذلك المسائل المتعلقة بالأزمة السورية وسوق النفط، بالإضافة إلى التقارب الروسي السعودي في المجال العسكري والتعاون في مجال الطاقة النووية. الجدير بالذكر أن المراقبين الروس كعادتهم كانوا أكثر حذراً في تقييماتهم لهذه الزيارة التاريخية.

نذكر بأن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين استؤنفت في عام 1991، ومع ذلك لم تكن هناك علامات التقارب الحقيقي إلا في مطلع عام 2000 بعد تحقيق السلام في الشيشان. ومنذ ذلك الحين كان الطرفان يعربان بين الحين والآخر عن الرغبة في تحسين ورفع مستوى العلاقات، ولكن لم يتعدى هذا الأمر التصريحات والإعلانات.

على كل حال تم التوصل إلى توافق في أحد المواضيع الحساسة. فبفضل جهود موسكو والرياض إلى حد كبير ظهر اتفاق علني حول الحد من إنتاج النفط، الذي كان يعاني من هبوط حاد بالأسعار، وهنا تطابقت مصالحنا. وبالتالي ليس من المستغرب أنه في ختام المحادثات في موسكو، أعلن الطرفان من دون الدخول في التفاصيل عن استعدادهما "إذا لزم الأمر" تمديد صلاحية الاتفاق المبرم.

علاوة على ذلك تم التوقيع على عدد من الاتفاقات في المجال الاقتصادي، والحديث يدور عن التعاون في مجال الطاقة النووية والتكنولوجيا المتطورة وتكرير النفط والنقل والتمويل. وعلى وجه الخصوص بين صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي وصندوق السيادي السعودي. على الرغم من ذلك ينبغي علينا ألا ننسى بأنه هناك تقليد في الشرق يشير إلى أن مسألة التوقيع على الاتفاقيات هي تعبير عن نوايا لتنفيذها، ولا تعتبر قراراً ملزماً لتنفيذها.

لقد أثارت الاتفاقات المبدئية والعقود ومذكرات التفاهم حول التعاون في المجال العسكري والتقني ضجة كبيرة. فالحديث كان يدور عن بيع أنظمة مضادة للدبابات وقاذفات هاون وكذلك تشييد مصنع في السعودية لإنتاج الأسلحة الفردية بمبلغ يقدر بنحو 3.5 مليار دولار. والأهم من ذلك الحديث كان يدور عن بيع منظومة الصواريخ اس-400 تريؤمف الشهيرة. على كل حال، وبحسب قول رئيس مؤسسة روس تيخ سيرغي تشيميزوف فإن السعوديين وضعوا شروطاً مفادها بأن العقد سوف يدخل حيز التنفيذ في حال قدمنا لهم جزء من التقنيات ونفتح مصنعاً لإنتاج هذه الصواريخ على الأراضي السعودية. والسؤال هل ستقبل روسيا هذا الشرط. بالإضافة إلى ذلك وباعتراف تشيميزوف تم التوقيع على عقود بقيمة 20 مليار دولار منذ خمس سنوات، لكن ما الفائدة؟ إذ أن هذه العقود لم تتعد مجرد عرض النوايا؟ وقتها الرياض لم تشتر شيئاً بفلس واحد. وإذا ما سمينا الأشياء بأسمائها فإن السعوديين ببساطة كانوا يلعبون معنا ويقولون لنا لا داعي لتوريد أنظمة الدفاع الجوي اس-300 إلى إيران ونحن بالمقابل سوف نشتري أسلحتكم ودباباتكم ومعدات أخرى.

http://lenta.ru/news/2017/07/10/saudi

حتى الآن لا توجد أسباب للاعتقاد بأن اللعبة انتهت. إذ أن الجيش السعودي يمتلك أحدث الأسلحة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وبالتالي ليس هناك أي معنى لإعادة تسلحيها، خاصة وأنه تم التوقيع مؤخراً مع ترامب على عقد غير مسبوق لتوريد الأسلحة بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار. كما أنه ليس هناك من سبب يجعل السعودية تخطو على خطى تركيا نكاية بالغرب. إذ أن العلاقة بين المملكة السعودية من جهة وواشنطن وبروكسل من جهة أخرى ليست واضحة، ولكن يمكن اعتبارها استراتيجية تصل إلى حد الشراكة.

يبدو أن الأمر متعلق بشيء آخر. للأسف تشهد منطقة الشرق الأوسط جولة أخرى من المواجهات بين السنة والشيعة تتجسد بالمملكة والسعودية وإيران على التوالي. مع أن زمام الأمور بيد إيران حالياً، حيث تعزز نفوذها في كل من سورية والعراق واليمن ولبنان (من خلال حزب الله) وحتى في منطقة الخليج العربي من خلال قطر الدولة غير المحبوبة لدى جيرانها. بالمناسبة هناك بالقرب من قطر بلد آخر شيعي وهو البحرين، حتى أنه هناك العديد من الشيعة في المملكة السعودية نفسها.

مع الآخذ بعين الاعتبار حجم الانتقادات الموجهة لإيران، التي صرح عنها علانية الملك السعودي في موسكو، فإنه من الصعب الشك في أن القضية الإيرانية كانت واحدة من أهم القضايا في أجندة السياسة الخارجية أثناء المباحثات. المسألة التي يبدو أنها نضجت تماماً هي أن الجماعات الموالية للسعودية في سورية والتي يتم سحقها من قبل القوات السورية والإيرانية والروسية، وكذلك من قبل القوات التي تسيطر عليها طهران وأنقرة، تنسحب من مواقعها بسرعة كبيرة، وبالتالي فإن تأثير المملكة في المنطقة يتقهقر. لذلك من المحتمل أن الفكرة المهيمنة في موقف الرياض أصبحت الرسالة التي تقول: "دعونا نشتري أسلحتكم لكن شريطة ألا يتم بيعها لإيران". وعلى الرغم من بعض الصعوبات الاقتصادية التي تشهدها المملكة في الآونة الأخيرة إلا أن السلالة الحاكمة يمكن أن تسمح لنفسها الاستثمار في شراء "الحديد" ببضعة مليارات من الدولارات، المهم هنا ألا تصل هذه الأسلحة إلى الخصم بالإضافة إلى الأموال هناك مكاسب سياسية وهذا يعني عقود جديدة محتملة مع دول المنطقة. وسائل الإعلام السعودية عشية الزيارة أكدت أن تحسين العلاقات مع الرياض سوف تؤثر إيجابياً على علاقات موسكو مع العديد من دول المنطقة.

ومن الواضح أيضاً أن أي اتفاقات بشأن سورية من دون موافقة مماليك الخليج العربي لا يمكن تنفيذها ومحفوفة بنزاعات جديدة. ولهذا فإن حقيقة زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى روسيا هي زيارة مهمة للغاية، تدل على الاعتراف ببلادنا كلاعب مهم في الشرق الأوسط حتى من قبل الرياض وتفتح أمام موسكو، كما يقال الآن، نافذة جديدة على الشرق الأوسط. والسؤال لماذا لا تحاول روسيا أن تصبح وسيطاً لتسوية الصراع بين السعودية وإيران؟ خاصة وإن هذه المهمة السامية لن تسيء إلى أي منهم، علماً أن الساسة في الشرق يحترمون ويقدرون الوسطاء، وإن احتمال تحقيق النجاح في التوسط بين هذين الخصمين سوف يرفع من شأن موسكو في المنطقة عالياً.

ما يدل على أن روسيا يمكن أن تلعب هذا الدور هو تصريح فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة أخبار العرب السعودية حين قال: "نحن لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أن روسيا أصبحت لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط ولاسيما بفضل عقيدة أوباما، التي بسببها تضاءل دور الولايات المتحدة في المنطقة، وإن روسيا بقدرتها العسكرية والمالية دخلت بقوة في هذه المعادلة.

 

الكلمات الرئيسية: روسيا- إيران- سورية- بوتين- اس-400- زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو 

 

الصفحة 1 من 3