InterAffairs

الأحد12162018

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الإثنين, 16 تموز/يوليو 2018 15:52

تركيا: بين الاقتصاد والسياسة

تعليقاً على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، توصل يالجين دوغان الكاتب التركي في البوابة الالكترونيةT24 إلى استنتاج مفاده أن المنافس الوحيد لأردوغان حالياً هو الاقتصاد الوطني(T24.com.tr)

لكن السلطات تؤكد أن الاقتصاد على ما يرام، في إشارة إلى إنه حظي العام الماضي بنمو وصلت نسبته إلى 7.4٪. وفي مقابلة أجراها مؤخراً مع وكالة بلومبرغ ذكّر رجب طيب أردوغان بأن نصيب الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد زاد من 3500 دولار إلى 11 ألف دولار، وأن تركيا بشكل عام أظهرت للعالم على إنها مثال أسطوري للتنمية والتطور(Bbc.com).

بشكل عام، نرى بأن الاقتصاد التركي هو عبارة عن صورة متناقضة إلى حد ما. فإلى جانب الإنجازات التي لا شك فيها، هناك في حقيقة الأمر مشاكل كثيرة. كما ارتفعت أسعار الفائدة على السندات الحكومية بشكل قياسي، مما يدل عليه عدم رغبة المستثمرين بالاستثمار في الاقتصاد. ففي شهر آذار\مارس، قامت وكالة موديز للتصنيف بتخفيض التصنيف الائتماني للبلاد، كما فعلت وكالة ستاندارت اند بورز الأمر نفسه في شهر أيار\مايو. وفي السنوات الأربع التي سبقت انتخاب الرئيس أردوغان، ارتفع معدل البطالة إلى 10.9٪، وبين الشباب - إلى 19٪. وانخفض سعر العملة الوطنية مقابل الدولار بنسبة 20٪ خلال خمسة أشهر من عام 2018، ونتيجة لذلك قفزت أسعار المستهلك بنسبة 12.15٪ على أساس سنوي في شهر أيار\مايو، بينما كانت هذه النسبة في شهر نيسان\أبريل 10.85٪.

الجدير بالذكر أن نسبة مؤشر الثقة الحالي تجاه الاقتصاد وصلت إلى 90.4٪، والتي انخفضت مقارنة مع شهر أيار\مايو بنسبة 3.1%، وهذه إشارة إلى إن عملية إعادة انتخاب أردوغان لم تعزز أبداً "الثقة في المستقبل."

وفي شهر أيار\مايو، نشرت مجلة فورين بوليسي مقالاً أوردت فيه ستة أخطاء رئيسية، بحسب رأيها، ارتكبها رئيس تركيا في السياسة الاقتصادية (Birgun.net)

وتورد المجلة، على رأس هذه القائمة،حقيقة اعتقاد الزعيم التركي أن جميع المشاكل تنبع من ارتفاع نسبة الفائدة على معدل إعادة التمويل، وبالتالي من ارتفاع أسعار الفائدة على القروض. مع أنه يعتقد أن مثل هذه السياسة المتبعة من قبل البنك المركزي لها ما يبررها في ظل ظروف انهيار العملة الوطنية وارتفاع نسبة التضخم. أردوغان، وبحسب رأي المجلة "يواصل الاعلان عن نهج غير تقليدي للتنظيم المالي، مفاده: "كلما انخفضت نسبة الفائدة، انخفض معدل التضخم". مع إنه هنا لا يدافع فقط عن "القاعدة الرئيسية"، ولكنه يمارس أيضاً بعض الضغوط الإدارية على البنك المركزي، الذي تعتبر سياسته النقدية مستقلة رسمياً. بالمناسبة، بعد الانتخابات، حاولت وكالة رويترز معرفة خطط وبرامج كبار المستثمرين في العالم تجاه العمل في تركيا. واتضح أن المستثمرين ينتظرون، وقبل كل شيء، يريدون أن يفهموا ما إذا كان البنك المركزي التركي سيكون مستقلاً فعلياً عن السلطات.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد وقت قصير من إعادة الانتخاب وعد أردوغان بتعزيز سيطرته على البنك المركزي، الذي على الرغم من استقلاليته، لا ينبغي أن يتجاهل الإشارات القادمة من الرئيس (Gazeteemek.com)

البند الثاني من هذه الائحة هو دعم النمو الاقتصادي الشامل والمستدام. وفي هذا الصدد، تحذر المجلة من أن هذا النمو سيؤدي إلى ارتفاع مستوى الركود والتضخم، وهذا بدوره سوف "يأكل"، الدخل ومدخرات السكان.

البند الثالث، بحسب المجلة، هو إن أردوغان واثق من أن المستثمرين سوف يقدمون الى تركيا في أي حال من الأحوال. في حين أن انهيار العملة الوطنية يجعلهؤلاء المستثمرين يشككون في الاستقرار السياسي للبلاد.

البند الرابع، هو أن المشكلة تكمن في ارتفاع الضرائب المفروضة على الطبقة الوسطى المدنية والمتعلمة، والتي عادةً ما تكون من المعارضة، وإعادة توزيع الدخل (العقود الحكومية) بين مؤيديها.

البند الخامس، اقتناع السلطات بأن مشاكل تركيا الاقتصادية هي نتيجة "التخريب" الهادف لبعض القوى الخارجية سيئة النية. وفي هذا الصدد، لا يعترف الرئيس التركي بتصنيف وكالات التصنيف الدولية، وهذا الأمر بدوره يخيف المستثمرين الأجانب.

البند السادس، هو إن تعزيز قبضة الدولة على حساب المجتمع المدني (جنباً إلى جنب مع البند 4) يؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية في البلاد.

الاستنتاج العام هو أن "سلوك أردوغان في مسائل السياسة الاقتصادية لا يؤدي إلا إلى تفاقم الصعوبات في الاقتصاد".

وفي الوقت نفسه، حذر المرشح الرئاسي من الحزب الجمهوري الشعبي المعارض، محرم إنجي، خلال إحدى التظاهرات التي سبقت الانتخابات، من أن "الأزمة هي على الأعتاب. الحديث يدور عن أزمة اقتصادية، التي لن يكون أردوغان قادراً على التعامل معها. وهو بدلاً من ذلك، يفضل مواجهة العالم بأسره(sozcu.com.tr) . بالإضافة إلى ذلك، وعد إنجي حينها، في حال فوزه في الانتخابات، بوضع حد لاختلاس الأموال العامة، ملمحاً إلى إشباع الاقتصاد بالقروض وضمانات الدولة من أجل زيادة الاستثمار. على وجه الخصوص، من أجل تنفيذ "المشاريع العملاقة". وهذا الأمر بحد ذاته يحتاج لحديث مطول.

"خطط هائلة" (ما مجموعه 140 من المشاريع الضخمة) - "بطاقة تعرفة" جديدة باسم أردوغان.وقد تم بالفعل تنفيذ بعضها:

- سكك حديدية وأنفاق السيارات تحت قاع البوسفور ("مرمراي"). وهنا تدعي السلطات أن مارماراي قادرة على تحمل زلزال يصل إلى 9 درجات على مقياس ريختر. (إذ يتوقع العلماء أن تتعرض اسطنبول لزلزال قوي في المستقبل القريب).

- أكبر مسجد على تل بالقرب من مضيق البوسفور، بحسب رأي السلطات، قادر على استيعاب ما يصل إلى 38 ألف شخص

- جسر عبر خليج ازميت في بحر مرمرة والجسر الثالث عبر مضيق البوسفور، المصمم من أجل تسهيل حركة المرور في اسطنبول وأكثر الطرق ازدحاماً الواصل بين أنقرة – إسطنبول. ومع ذلك ، فإن سائقي السيارات الأتراك ليسوا في عجلة من أمرهم لإستخدام هذه الطرق على نطاق واسع بسبب الأسعار التعريفية الباهظة.

- القصر الرئاسي الجديد في منطقة محمية طبيعة في أنقرة، والذي يزيد حجمه بـ 30 مرة من البيت الأبيض و4 مرات قصر فيرساي. وبحسب رأي الخبراء، لا يوجد مثل هذا القصر الرئاسي الضخم والفاخر لدى رئيس دولة في العالم.

- بالقرب من اسطنبول تستكمل أعمال بناء أكبر مطار على هذا الكوكب. حيث يجب أن تصل حركة نقل الركاب إلى 150 مليون شخص في السنة (صاحب الرقم القياسي الحالي - مطار أتلانتا الذي يخدم 95 مليون مسافر. وفي الوقت نفسه، سيتم إغلاق مطار أتاتورك الذي يعمل بكامل طاقته في الجزء الأوروبي من المدينة. المطار الجديد يقع على بعد 63 كيلومترا من المدينة، ولا يصل المترو إلى هناك، وبالتالي لم يتضح بعد كيف سيصل عشرات الملايين من الركاب إلى المطار.

- وأخيراً، فإن المشروع الضخم الرئيسي هو "قناة اسطنبول"، التي ينبغي أن تربط البحر الأسود وبحر مرمرة، بموازاة البوسفور. وتخطط الحكومة، في هذا الاطار، إجراء مناقصة هذا العام، على أن يتم الانتهاء من أعمال البناء في عام 2023، الذي يصادف الذكرى المئوية للجمهورية التركية. ومن المتوقع أن القناة سوف تخفف الضغط عن البوسفور، الذي يقتصر نشاطه باستطاعة محدودة وذلك من خلال مرور 130 سفينة في اليوم فقط، فضلاً عن الحد من مخاطر الحوادث التكنولوجية في مدينة مكتظة بالسكان. وتقدر تكلفة المشروع رسمياً بمبلغ 15 مليار دولار، ولكن يتوقع الكثيرون في النهاية أن يزيد هذا المبلغ بأضعاف مضاعفة.

بالمناسبة، ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان أصحاب السفن على استعداد لدفع تكلفة المرور عبر القناة الجديدة، في الوقت الذي ينبغي على تركيا، وفقاً لأحكام اتفاقية مونترو، أن تسمح للسفن الأجنبية بعبور المضيق مجاناً.

يخشى العديد من العلماء من حدوث خلل في التوازن الطبيعي نتيجة بناء القناة، بين بحر مرمرة الحار والمالح وبين البحر الأسود الأقل ملوحة ودفئاً. ويمكن أن يؤدي نمو الازهار في مياه بحر مرمرة إلى عواقب كارثية على الحياة البحرية، وسوف تغطي رائحة كبريتيد الهيدروجين اسطنبول إلى الأبد. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الخبراء أن عملية إزالة الغابات التي لا مفر منها وتدمير مصادر المياه العذبة في غرب المدينة سوف يؤدي إلى تدهور الوضع البيئي في جميع أنحاء المنطقة.

وتؤكد السلطات بأن نصيب الأسد من تكاليف المشاريع الضخمة سوف يتحملها المستثمرون من القطاع الخاص، ولكن يتم ضمان الاستثمار من قبل ممتلكات الدولة، (خصوصاً من الأراضي)، ومع ذلك وفي حال عدم القدرة على استرداد الموارد الاستثمارية من خلال تشغيل المرافق الجديدة فإن الحكومة تعد بتعويض تكاليف رأس المال الخاص. لذا، وبحسب رأي الخبراء، يمكن أن يتحول المشروع بأكمله إلى قنبلة موقوتة تحت بساط الاقتصاد الوطني. وليس من العبث أن يوصي صندوق النقد الدولي بأن تنهج تركيا سياسة أكثر انتقائية أثناء اختيار المشاريع العملاقة.

وبالطبع، فإن الأثر الإيجابي لهذه المبادرات يعزز من سمعة النظام الحاكم في نظر الناخبين، ولكن ما تزال مسألة في أن يتحمل الاقتصاد التركي هذا العبء موضع شك لدى الكثيرين. إذ تبلغ التكلفة التمهيدية الإجمالية لكل المشاريع 325 مليار دولار مع ناتج محلي إجمالي قدره 849 مليار دولار لعام 2017. في الوقت نفسه، ووفقاً للمركز التركي للسياسة الخارجية والدراسات الاقتصادية (EDAM)، فإن العجز الحالي في الميزان التجاري للبلاد يبلغ 40 مليار دولار، والدين الخارجي الموحد يقترب من نصف تريليون دولار أمريكي، ومقدار الديون قصيرة الأجل - 170 مليار دولار، وتصل الحاجة السنوية للتمويل الخارجي للاقتصاد 200 مليار دولار (edam.org.tr). ومع ذلك فإن الرفض الافتراضي للالتزامات المكلفة والباهظة "المشاريع" قد يؤدي إلى تشويه صورة البلاد، في أن تصبح مؤشراً لعجزها الاقتصادي.

الوضع الاقتصادي المتقلب، يفرض حتماً قيوداً على سياسة أنقرة الخارجية. فبحسب رأي فاسيلي كولتاشوف رئيس مركز الدراسات الاقتصادية التابع لمعهد العولمة والحركات الاجتماعية، فإن المشكلة الرئيسية للاقتصاد التركي الموجه للتصدير هو في حجمه الصغير نسبياً، وعليه يبقى الاقتصاد عرضة للتحديات الخارجية والداخلية في حال عدم المشاركة في مشاريع تكاملية. وإن خلاص تركيا هو في أن تكون جزءاً من بنية اقتصادية ضخمة Eadaily.com

في إطار هذا الخطاب، فإن الاختيار بين الاتحادات السياسية والاقتصادية الغربية الممثلة بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي من جهة، والشرقية الممثلة بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومعاهدة منظمة شنغهاي. لكن رفض النهج الغربي للسياسة الخارجية، الذي أعلن عنه أردوغان، لم يحظ بعد النهاية المنطقية على شكل التقارب الحقيقي مع الشرق. ناهيك عن إن الابتعاد عن الغرب وحلفائه سيشكل لتركيا إشكالية حقيقية.

كما أشار المحلل السياسي والصحفي باريش دوستير بهذا الشأن قائلاً:

"لا يتم تحديد السياسة الخارجية من خلال عدد الأصوات التي يتم الحصول عليها في الانتخابات، وإنما من خلال قوة الدولة. إن علاقة تركيا بالغرب هي علاقة هيكلية، وبالتالي لن تتغير سياستها بين ليلة وضحاها"(T24.com.tr)

التقرير الذي تم إعداده من قبل مركز العلاقات الدولية والتحليل الاستراتيجي(TÜRKSAM)، يفيد بأن انجراف تركيا تجاه روسيا وإيران والصين، والتنازل الفعلي عن الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، أدى إلى تدهور العلاقات مع السعودية وقطر - المصادر الرئيسية "للأموال السخية"، والتي بدونها لا يمكن للاقتصاد التركي أن يعمل بشكل سليم. بالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى حقيقة أن نصف الصادرات التركية تذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن تكون هناك تغييرات جذرية في نهج السياسة الخارجية. وفي هذا السياق يشير خبراء مركزTÜRKSAM إلى إن تركيا لا تملك إمكانية الانتقال إلى عصبة أخرى في الآونة الراهنة (Turksam.org).

أياً كان الأمر، تنهج تركيا في السنوات الأخيرة سياسة متعددة الجوانب واضحة المعالم. ولا يمكن لتركيا أن تستغني عن روسيا، الشريك التجاري الثاني لتركيا، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي، بنسبة 37% وبلغ التعاون 21 مليار دولار. على كل حال فإن التعاون بين البلدين يتعزز من عام لعام في مختلف المجالات، وهذا بدوره يثير غضب وامتعاض الولايات المتحدة الأمريكية.

على هذه الخلفية، تزداد المشاكل في الاقتصاد وتتراكم، ويمكن اعتبار النصر في الانتخابات الرئاسية في شهر حزيران\يونيو ، إلى حد ما، عربوناً سياسياً قدمه الناخبون لرجب طيب أردوغان. وستظهر الانتخابات القادمة كيف تمكن الرئيس من معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

 

بحسب رأي العديد من الخبراء فإن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة الحالية مكتوب لها أن تصبح واحدة من أخطر الاختبارات التي يواجهها رجب طيب أردوغان، الشخصية التي تحكم البلاد منذ 15 عاماً. ومع ذلك اتضح بأن تركيا لم تجد حتى الآن بديلاً عن نهج رئيسها، وهي تثق عموماً بسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

لقد كان الخطاب القاس المناهض للغرب اللبنة الأساسية في بنية الحملة الرئاسية، مع التأكيد في الوقت ذاته أنه ليس هناك سوى الرئيس الحالي وفريقه، قادرين على مقاومة المؤامرات من الأعداء الحاسدين من الدول الأجنبية. والحق يقال أنهم نجحوا في الكثير من هذا. فعلى سبيل المثال تمكن أنصار الحكومة عبر شبكات التواصل الاجتماعي من اعتبار أن الارتفاع الكبير في أسعار البطاطا والبصل قبيل الانتخابات بفترة وجيزة، هي مكيدة صدرت عن دول اجنبية.

وبحسب تعبير الصحفي والدبلوماسي المتقاعد أيدين سيلجا شهدت الانتخابات حالة من المواجهة بين من كان "يحلم بالتغيير" ومن كان يشعر "بالخوف من المستقبل"،  (gazeteduvar.com.tr). وبالتالي يمكننا، من خلال هذا المنطق القول، بأن الخوف انتصر على الحلم.

في نهاية المطاف بقي أردوغان معتلياً عرش السلطة بعد أن حصل على 52.6% من الأصوات، مستبعداً بذلك جميع التكهنات التي كانت تتحدث عن أنه سيتم تحديد المرشح الأوفر حظاً من خلال الجولة الثانية من الانتخابات. ولو كان الأمر كذلك فالمنافس الوحيد كان يمكن أن يكون المرشح المفترض من حزب السعادة عبد الله غول، الذي يتمتع بسمعة المحافظ والقومي المعتدل، ولديه علاقة جيدة مع الغرب. وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذه الشخصية شغلت منصب الرئاسة في الفترة ما بين 2007-2014، لكنه بعد ذلك لم يحظ برضا أردوغان، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء. على كل حال، بعد أن كانت هناك زيارة "خاصة" لرئيس هيئة الأركان العامة والسكرتير الصحفي الرئاسي في 24 نيسان/أبريل، نفى السياسي المتقاعد كل الإشاعات التي تدور حول ترشحه للرئاسة.

الصراع الرئيسي كما كان متوقعاً دار حول الفوز بالمقاعد النيابية. ومن أجل حماية نفسه من أي مفاجآت غير سارة (بالمناسبة، من أجل تجاوز 10% العتبة الانتخابية، لابد من بذل الجهود الكبيرة) حصل حزب العدالة والتنمية الحاكم على دعم حزب الحركة القومية، من خلال تأسيس حلف شعبي معها. من جهة أخرى فإن الأحزاب التي أسسها أتاتورك كحزب الشعب الجمهوري والحزب القومي "الحزب الجيد" وحزب السعادة الإسلامي توحدت في إطار تحالف وطني رافضة أردوغان وسياساته. يشار إلى أن حزب الشعوب الديمقراطي الكردي لم ينضم إلى هذا التحالف الوطني، وذلك لأن هذه الخطوة لم تكن لتنال إعجاب الناخبين من أنصار الحزب الكردي ولا القوميين الذين يدعمون التحالف الوطني.

وبحسب تقويم الانتخابات الرئاسية كان من المقرر إجراء التصويت الشعبي فقط في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام. لكن النزعة التي تشكلت من جراء تراجع سمعة وشعبية الحزب الحاكم والرئيس نفسه، جعل السلطات في عجلة من أمرها، لكي لا تسمح للمعارضة من تجميع قواها لخوض المعركة الحاسمة. ويرى الخبراء أن الوضع الاقتصادي هو على رأس المشاكل الرئيسية التي تواجه تركيا، فخلال السنوات الخمس الماضية، ضعفت قيمة الليرة التركية بنسبة 60% مقابل الدولار وبنسبة 50 % مقابل اليورو. وتقلص حجم الاستثمارات حتى مستوى عام 2009 وازداد حجم البطالة بين الشباب الذي بلغ نسبة 20%.

الغضب الشعبي بلغ مستواه الحرج بعد أن استقر في البلاد ملايين اللاجئين السوريين، الذين يتلقون الإعانات من ميزانية الدولة وأغرقوا سوق العمل. بالإضافة إلى ذلك ولد مئات الآلاف من الأطفال السوريين في تركيا خلال هذه الفترة، ولا أحد يعرف ما الذي يمكن فعله معهم الآن.

كل ذلك أدى إلى تراجع شعبية الحزب الحاكم، الذي يعتمد على الأغلبية المحافظة من السكان. إذ تعتبر النسبة التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في 24 حزيران/يونيو والتي بلغت 42.5% من الأصوات و295 مقعداً في البرلمان، هي واحدة من أدنى المعدلات في تاريخ الحزب (خلال انتخابات 2002 على 34.3% من الأصوات، و46.6% في عام 2007 و49.9% في عام 2011 وفي عام 2015 حصل في شهر حزيران/يونيو على 40.9% وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر على 49.5%).

ظهر حزب الحركة القومية على الساحة في فترة صعبة. وفي شهر حزيران/يونيو 2015 حصل هذا الحزب على 16.6% من الأصوات، ولكن بعد حملة مكثفة من قبل السلطات والتي كانت تهدف إلى استقطاب ناخبيه، استسلم الحزب في شهر تشرين الثاني/نوفمبر ورضي بنسبة 11.9%. إن الحصار المفروض من قبل الحزب الحاكم قبيل الانتخابات الحالية أدى إلى الانقسام، إذ أن الممتعضين من "الخيانة" التي جاءت من قيادة الحزب أدت إلى تأسيس "الحزب الجيد"، الذي أصبح يشغل مقاعد في البرلمان ضمن التحالف الوطني. وبالتالي فإن نسبة الأصوات التي منحت للقوميين (11.1% لحزب الحركة القومية وهذا يشكل 48 مقعداً و10% للحزب الجيد وهذا يشكل 43 مقعداً في البرلمان) تضاعفت خلال أربع سنوات تقريباً. وهو أمر لا يثير الدهشة في ظل الجو المزعج للحملات العسكرية للجيش التركي في سوريا والعراق.

لم يحالف الحظ أيضاً الحزب الشعب الجمهوري المعارض الذي حصل على 22.5% من الأصوات (في شهر حزيران/يونيو 2015 حصل على 25% وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر حصل على 25.3%). وهنا يميل الخبراء بشكل عام إلى تفسير انهيار شعبية الاشتراكيين على أنه بسبب الضعف السياسي لزعيم الحزب الحالي كمال كيليتشدار أوغلو.

أما حزب الشعوب الديمقراطي فقد تجاوز العتبة الانتخابية عندما حصل على 11.7% على الرغم من أن السلطات تتهمه بوقوفه بشكل مباشر مع حزب العمال الكردستاني، الذي يعتبر العدو الرئيسي لتركيا. وفي شهر حزيران/يونيو من عام 2015 حصل حزب الحركة القومية 13.1% من الأصوات، وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد حملة واسعة النطاق ضد الأكراد، حصل الحزب على 10.8% من الأصوات.

بالإضافة إلى ذلك، شاركت ثلاثة أحزاب في الانتخابات البرلمانية وهم حزب الوطن "الأوراسي" وحزب الحرية الكردي الديني وحزب السعادة الإسلامي، التي لم تتجاوز عتبة الانتخابات. وقد ذهبت أصوات أول حزبين، وفقاً للقانون التركي، للحزب الحاكم. ولم يحتفظ سوى حزب السعادة، الذي دخل ضمن الكتلة الانتخابية المعارضة، بأصواته وأصبح لديه ثلاثة مرشحين في البرلمان في قائمة حزب الشعب.

إن التوزيع الجغرافي للأصوات بقي كما هو على مدى سنوات عديدة: حزب الشعب الجمهوري ومرشحه للرئاسة محرم إنجي فازوا في المحافظات الساحلية الغربية، وحزب حركة القوميين ومرشحه صلاح الدين ديميرطاش في المناطق الجنوبية الشرقية الكردية من البلاد. أما بقية المحافظات فقد منحت أصواتها للرئيس أردوغان وحزبه.

وقد أشارت المعارضة خلال العملية الانتخابية إلى وجود العديد من الانتهاكات خاصة تم تسجيل الكثير منها في شرق وجنوب شرق البلاد. فعلى سبيل المثال أوقفت الشرطة سيارة خاصة عند مدخل مركز الاقتراع في مدينة سوروك (محافظة أورفا)، والذي عثرت فيها على أربع أكياس من البطاقات الانتخابية المعدة مسبقاً. بعد فترة وجيزة وبحسب المعلومات الواردة من صحيفة Sözcü فقد تم العثور على في سلة المهملات في هذا المركز على بطاقات انتخابية منحت أصواتها لمرشحي المعارضة. وعلى بعد آلاف الأميال من هناك، وفي لوكسمبورغ، صوت 9 آلاف شخصاً، على الرغم من حقيقة وجود فقط 792 مواطن تركي في هذا البلد ممن يحق لهم التصويت. وكما قال أرتور تيمأزوف المراقب من منظمة شنغهاي للتعاون لصحيفة كوميرسانت، فإن الانتخابات كانت طبيعية وديمقراطية بشكل عام (kommersant.ru)

نتيجة لذلك سيحكم البلاد رئيس يتمتع بسلطات وصلاحيات كبيرة من جهة، وبرلمان ضعيف يسيطر عليه زعيم الدولة وفقاً للاستفتاء الذي جرى العام الماضي من جهة أخرى. وعلى وجه الخصوص سيتم إلغاء منصب رئيس الوزراء، وسوف تخضع الحكومة مباشرة للرئيس، الذي سوف يصدر المراسيم بتعيين وإقالة الوزراء.

ومع ذلك يمكن للبرلمان نظرياً أن يعقّد حياة أردوغان، والحديث يدور قبل كل شيء عن احتمال قيامه بحجب الثقة عن الرئيس والمطالبة باستقالته، وهذا ممكن فقط في حال حظي القرار بتأييد 361 برلماني. بالإضافة إلى كل ذلك تم المحافظة على إمكانية التغلب على الفيتو الرئاسي من خلال جمع 301 صوتاً. على كل حال كل هذا يبدو اليوم نظرياً، إذ أن الكتلة الحزبية الفائزة سوف يكون لها 362 نائباً من 600 في البرلمان.

ليس كل شيء واضح حتى الآن، وعلى أردوغان أن يكون حذراً من ابتزاز زعيم حزب الحركة القومية دولت باهجة لي، الذي أعلن من دون سبب وعلى الفور بعد الانتخابات بأن حزبه يعتبر حزباً رئيسياً في الوضع السياسي الجديد. نذكر بأن الشخصيتين السياسيتين أعلنا أثناء الانتخابات بأنهما خصمان لا يمكن أن يلتقيا أبداً، حتى أنه غالباً ما كان يستخدما خلال انتقادهما لبعضهما البعض عبارات غير برلمانية. ففي حال عاد السيد دولت إلى موقفه السابق وقرر أن يكون من ضمن صفوف جبهة المعارضة فسوف يكون من الصعب على الرئيس التركي الاحتفاظ بالسلطة المطلقة فقط بفضل القوانين الدستورية المشرعة له بذلك.

أما بالنسبة للعلاقات الروسية التركية لا يوجد أي مبررات أو أسباب للحديث عن تغيرات مهمة في هذا الإطار، إلا في حال قرر أدروغان التقرب والتودد مرة أخرى من الحلفاء الغربيين. بالمناسبة يمكن أن يدفعه لهذه الخطوة انجراف حزب الحركة القومية إلى المعارضة. في هذه الحالة سيكون قادراً الاحتفاظ بالسلطة من خلال المشاركة مع حزب الشعب الجمهوري، الذي بدوره يركز على أهمية الديمقراطيات الغربية، وقد يقدم تنازلاً مع أردوغان في حال أوصت واشنطن وبروكسل بذلك.

 

عقدت منظمة أوبك اجتماعاً للكارتل في الفترة ما بين 22-23 حزيران/يونيو، واجتماعاً مع الدول الرائدة المنتجة للنفط غير الأعضاء في المنظمة (بما في ذلك روسيا). وقد جرى النقاش حول إمكانية زيادة حجم إنتاج النفط. في وقت سابق، وبالتحديد في منتصف شهر حزيران/يونيو، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرة أخرى انتقاداً لنشاط منظمة أوبك، وأعرب عن عدم رضاه حيال ارتفاع أسعار النقط. وفي هذا السياق كتب على حسابه في تويتر قائلاً: "إن أسعار النفط مرتفعة جداً، وهذا يعني أن منظمة الأوبك تسلك النهج القديم". ولهذا تواصل الدول الرائدة المنتجة للنفط، في ظل الظروف التي تسودها التناقضات، صراعها من أجل نيل حصة في السوق، ومن أجل تحقيق أسعار تسمح لها بالحصول على عائدات مستقرة على المدى المتوسط والطويل.

بدأت جولة جديدة من الصراع من أجل النفوذ على أسواق النفط قبل 3-4 سنوات نتيجة ظهور لما يسمى بطفرة النفط الصخري- وهذا يعني الحصول على زيادة سريعة في إنتاج النفط من خلال طريقة التصديع المائي (تقنيات "مشكوك فيها" لإنتاج النفط الصخري عن طريق التكسير الهيدرولي) في الولايات المتحدة الأمريكية. وكما هو معلوم فقد أدت الزيادة في العرض لمادة النفط في السوق العالمية إلى هبوط في الأسعار بمقدار 2-3 مرات بحلول خريف عام 2016.

وخلال الفترة التي امتدت بين 2014-2016 كان العديد من المستثمرين في النفط الصخري الأمريكي يأمل في أن إنتاج النفط الرخيص سوف يشبع السوق العالمية بحيث يؤدي إلى انهيار المنافسين، وعلى وجه الخصوص روسيا ودول منظمة الأوبك، وبعد ذلك يمكن للشركات الأمريكية أن تكون قادرة على كسب الأرباح الهائلة. ولكن وفي نهاية عام 2016 اتفقت روسيا مع المملكة السعودية، لمشاركة معظم الدول الرئيسية المنتجة للنفط، على تقليص حجم انتاج النفط بإجمالي قدره 1.8 مليون برميل يومياً، عن المستوى الذي كان عليه في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2016. ومن خلال إظهار الانضباط منقطع النظير، والذي فاجأ الخبراء، حقق المشاركون في الصفقة زيادة في الأسعار تتراوح بين 20-30 دولار للبرميل الواحد. حتى أن ولي عهد المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان أعلن، خلال الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في شهر نيسان/أبريل 2018، أن هدف المملكة هو تمديد العمل بهذا البرنامج لمدة 10-20 سنة أخرى. وهنا تشير مجلة فورين بوليسي إلى أن المسؤولين السعوديين، الذين تحدثوا قبل بضعة أشهر عن سقف الأسعار بقيمة 70 دولاراً، هم الآن يوضحون بأن هذا السعر يمكن أن يكون نصف السقف المطلوب.

وفي نفس الوقت، وبحسب رأي الخبراء، فإنه على الرغم من نجاح الصفقة، هناك العديد من العوامل التي تؤثر على السعر، والتي تقع خارج نطاق مسؤولية منظمة أوبك. نعم عندما يقلص نادي الأوبك زائد روسيا بالفعل من إنتاج النفط فإنه يعطي حافزاً لارتفاع الأسعار كما كان مخططاً له، ولكن في الوقت نفسه فإن هذه العملية تخلق فراغاً في السوق. هذا الفراغ تحاول أن تشغله بعض الدول المنتجة للنفط من خارج الاتفاقية، وأهم هذه الدول هي الولايات المتحدة. في ظل هذه الظروف، وبحسب تقدير موقع Republic.ru فإن الولايات المتحدة تحصد الفائدة العظمى من وجود نظام الحصص في منظمة الأوبك، وذلك لأن هذه الحصص لا تفرض أي قيود على الشركات الأمريكية، التي يمكن ان تستمر في زيادة الإنتاج.

حالياً حلّت الولايات المتحدة محل المملكة السعودية وأصبحت تشغل المركز الثاني بعد روسيا في إنتاج النفط. ويتوقع خبراء وكالة الطاقة الدولية أن يزداد الطلب العالمي على النفط بنسبة 10 بحلول عام 2040. ومع ذلك يعتقد الخبراء بأن الولايات المتحدة سوف تصبح الدولة الرائدة بلا منازع في سوق النفط والغاز العالمية، حيث من المتوقع أن يصل إنتاج النفط في الولايات المتحدة بحلول عام 2025 إلى 16.8 مليون برميل يومياً. ووفقاً لتوقعات الوكالة فإن المملكة العربية السعودية سوف تحتل المركز الثاني بمؤشر يبلغ 12.3 مليون برميل يومياً. أما فيما يتعلق بروسيا فسوف تحتل المركز الثالث حسب التوقعات، إذ يشير التقرير إلى أن حجم إنتاج النفط الروسي سينخفض بحلول عام 2025 إلى 10.5 مليون برميل (في عام 2016 كان هذا المؤشر 11.3 مليون)، وبحلول عام 2040 سوف يصل إلى 8.6 مليون برميل في اليوم. بالنسبة لتوقعات تعزيز دور الولايات المتحدة في سوق النفط مبني كما كان سابقاً على الحقبة الجديدة من نمو إنتاج النفط الصخري، على الرغم من أن هذه العملية ليست رخيصة كما كان متوقعاً في وقت سابق.

في هذه الأثناء تحاول الولايات المتحدة إيجاد حل لمهمة معقدة متعددة الجوانب، خاصة وإن الولايات المتحدة لا تتحكم بجميع عناصر هذه المهمة. فمن جهة، تريد واشنطن دعم منتجي النفط الأمريكيين، الذي يؤثر زيادة إنتاجهم، بالإضافة إلى الأمور الأخرى، ويحد من اعتماد الولايات المتحدة على واردات النفط. ومن جهة أخرى، يبحث ترامب عن حلول لمهام جيوسياسية مهمة بالنسبة له، والحديث يدور عن ردع إيران والصين وروسيا. إذ أن ارتفاع أسعار النفط، بحسب واشنطن، يؤدي إلى زيادة عائدات وإمكانيات طهران وموسكو، التي بدورها تشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية الحيوية. وهذا بدوره يؤدي في الوقت نفسه إلى تكاليف إضافية بالنسبة لبكين التي تعتمد على واردات النفط، والعكس صحيح. وبالتالي يعتبر جون حنا كبير خبراء صندوق حماية الديمقراطية، والذي كان يشغل منصب مساعد نائب الرئيس الأمريكي ديك تشين لشؤون الأمن القومي، أن ارتفاع الأسعار المتزايد يمكن أن يصل إلى مستوى عال ومكلف بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الجيوسياسية.

لقد وجدت نفسها منظمة الأوبك معرضة للهجوم عندما بدأ المستثمرون والشركات الأمريكية بالاستيلاء على أصول الشركة النفطية الحكومية في فنزويلا PDVSA. وعلى أثر ذلك لم تعترف الولايات المتحدة، في شهر أيار/مايو، بنتائج الانتخابات الرئاسية، وفرضت عقوبات ضد كاراكاس، إذ حظرت واشنطن على الشركات الأمريكية شراء النفط من فنزويلا. والآن تحاول الولايات المتحدة توجيه ضربة لإيران، من خلال انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، وهذا يعني حتماً استئناف العقوبات ضد القطاع النفطي الإيراني واختفاء مئات الآلاف من براميل النفط الخام من الأسواق العالمية بحلول تشرين الثاني/نوفمبر العام الجاري.

قد تكون النتيجة قفزة كبيرة في الأسعار وركود في الاقتصاد العالمي. وبالتالي حانت اللحظة التي تحتاج فيها الولايات المتحدة إلى السعوديين لتهدئة الأسواق، من خلال التأكيد للجميع أن الرياض لديها التصميم والقدرة على تعويض أي خسارة من واردات النفط الإيرانية. وفي مطلع شهر حزيران/يونيو، أفادت وسائل الإعلام أن إدارة الرئيس ترامب طلبت من منظمة الأوبك زيادة الإنتاج لتعويض النقص المحتمل من الواردات من إيران بسبب الجولة الجديدة من العقوبات الأمريكية. ولكن نفى سهيل المزروعي وزير النفط في الإمارات العربية المتحدة، الذي يشغل منصب رئيس منظمة الأوبك، هذه المعلومات في 11 حزيران/يونيو هذا العام.

هناك أداة أخرى لمواجهة محاولات منظمة الأوبك وحلفائها المحتملين في تنظيم وضبط أسعار النفط، وهذه الأداة يمكن أن تكون على شكل مشروع قانون "ضد الكارتل لإنتاج النفط وتصديره". وبحسب المعطيات الواردة في موقع expert.ru فقد تم الموافقة في الأسبوع الماضي على وثيقة ذات صلة (صدرت لأول مرة منذ 18 عاماً) من قبل لجنة قانونية لمجلس النواب الأمريكي. حيث ينص مشروع القانون على فرض حظر حيال أي تواطؤ للكارتل في سوق النفط. حيث يقترح أن يتم تطبيق قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار على نشاط منظمة الأوبك، والذي بفضله تم تقسيم Standard Oil منذ 100 عام. وإذا ما تم تمرير القانون فإن الإدارة الأمريكية سوف تحصل على تفويض يسمح لها برفع دعوى قضائية ضد دول منظمة الأوبك، متهمة إياها بالحد من إنتاج وتوزيع النفط في السوق الأمريكية والحد من تجارة النفط والتلاعب بأسعاره. في هذه الحالة فإن الحكومات الأجنبية، بحسب رأي أصحاب مشروع القانون، لن تكون قادرة على استخدام الحصانة السيادية في المحاكم الأمريكية. بعبارة أخرى يمكن رفع دعوى قضائية ضد أي دولة أجنبية في المحاكم الأمريكية، وهذا تغيير استراتيجي محتمل في الوضع، الذي يمكن أن يشكل في هذا السوق.

أياً كان الأمر فإن مستقبل زعيمة منظمة الأوبك-المملكة السعودية يعتمد بدرجة كبيرة على الاتجاهات التي ستحرك سوق النفط في المستقبل المنظور. إذ أن المواجهة الجيوسياسية مع إيران والبرنامج الإصلاحي الطموح "الرؤية 2030"، الذي يحتاج إلى أن تكون أسعار النفط عالية وأكثر استقراراً، بالإضافة إلى الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وتوسيع التعاون مع روسيا، كل ذلك سوف يحدد سياسة البلاد لسنوات عديدة مقبلة. فالاتفاقات التي تم التوصل إليها العام الماضي بين موسكو والرياض فتحت، بحسب رأي موقع Carnegie.ru، صفحة جديدة في العلاقات الروسية السعودية، حيث أدرك كل طرف بأن الحوار ممكن.

وخلال انعقاد منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، أعلن وزراء الطاقة في روسيا والمملكة السعودية عن إمكانية زيادة الإنتاج. وفي 15 حزيران/يونيو أفادت وزارة الطاقة الروسية أن الرياض وموسكو اتفقتا على إعداد اتفاقية ثنائية بشأن المسؤولية عن استقرار سوق النفط. وفي 16 حزيران/يونيو أصبح معروفاً أنه خلال اجتماع لولي العهد محمد بن سلمان في موسكو مع الرئيس فلاديمير بوتين تم الاتفاق على تمديد التعاون بين البلدين، حول ما يسمى باتفاقية أوبك+، إلى آجل غير مسمى. وبحسب قول وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك فلن تتضمن الوثيقة كميات محددة، ولكن على الأرجح سوف تكون هناك إمكانية لاتخاذ قرار حول تنظيم عملية الإنتاج، إذ لزم الأمر.

في الوقت ذاته ترى صحيفة فيدوموستي، أنه ليس كل أعضاء منظمة أوبك يدعمون فكرة زيادة الإنتاج، خاصة وأن وزير النفط العراقي كان قد دعا يوم 11 حزيران/يونيو إلى الامتناع عن هذه الخطوة. فبحسب رأيه يمكن أن تؤدي الزيادة في العرض إلى انخفاض الأسعار وانهيار الصفقة بين منظمة أوبك وروسيا، لأن المضاربين والمستهلكين قد يسيئوا تفسير مثل هذا القرار. يشار إلى أن شخصيات رسمية من إيران وفنزويلا تحدثت في وقت سابق عن مثل هذه التحذيرات. ولكن، حسب ما ترى صحيفة كوميرسانت، بما أن روسيا والمملكة السعودية هما الدولتان الرائدتان في صفقة أوبك+ فإن موقفهما المتفق عليه سيكون لهما تأثيراً حاسماً على القمة التي ستنعقد في فيينا.

بشكل عام يتعين على المشاركين في قمة أوبك المقبلة اتخاذ قرار بشأن حجم الإنتاج والاتفاق على تخصيص الحصص بين المشاركين في اتفاقية أوبك+. وحسب المعلومات الواردة حتى تاريخ 20 حزيران/يونيو فقد اقترحت روسيا والمملكة السعودية زيادة إجمالية للإنتاج قدرها 1.5 مليون برميل يومياً، مع علمنا أن المملكة السعودية وروسيا والإمارات العربية المتحدة وكازاخستان والإكوادور هي الدول القادرة فقط فعلياً على زيادة الإنتاج. إن النتيجة الأكثر ترجيحاً للقمة في فيينا ستكون مربحة لجميع ميزانيات بلدان اتفاقية أوبك+، ولكن يمكن أن يؤدي هذا الأمر إلى تكرار أزمة عام 2014، عندما تسببت الأسعار العالية لفترة طويلة بتفعيل نشاط سوق الصخر الزيتي. على كل حال هناك ثمة خيار آخر وهو أن يكون الطرفان على استعداد لزيادة الإنتاج فوق مستوى حصص اتفاقية أوبك+، ولكن في هذه الحالة يحتاج الأمر إلى توافق في الآراء حول مستوى الأسعار المريح بالنسبة لهم. فالجدل الذي يمكن أن يثار بين أطراف صفقة اتفاقية أوبك+ حول مستوى الأسعار مرتبط بالخلافات حول كيفية تأثير مسألة زيادة الأسعار على إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة.

وبالتالي يمكننا القول بأن الحالة الراهنة لسوق النفط العالمية تحددها مجموعة من العوامل، التي لا يتحكم فيها أي طرف من الأطراف المعنية بالكامل. إذ أنه هناك عامل يضاف إلى العوامل الأساسية لاتفاق أوبك+ وهو الانخفاض التدريجي للمخزون التجاري لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وهنا تلعب العوامل الظرفية الدور الكبير، منها الوضع الجيوسياسي بسبب التوتر القائم في منطقة الشرق الأوسط، والذي يمكن أن يتفاقم أكثر بشكل كبير بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، والتهديد باستئناف فرض عقوبات واسعة النطاق ضد قطاع النفط الإيراني. بالإضافة إلى التغيرات التي تشهدها قيمة عملة الدولار مقابل اليورو والعملات الأخرى، وكذلك تقلبات الطلب بسبب المضاربة على العقود الآجلة من قبل صناديق التحوط، والأزمة المتنامية لقطاع النفط في فنزويلا. وأخيراً يعتقد موقع Republic.ru بأن لاعبي سوق النفط مازالوا إما يتجاهلون أو يفهمون بشكل خاطئ الإشارات الواردة من قطاع النفط الصخري الأمريكي. ومع ذلك فإن تطور هذا القطاع يمكن أن يؤدي إلى قلب السوق وتغيير استراتيجيات اللاعبين في أسواق العقود الآجلة.

على كل حال ينبغي على روسيا كغيرها من المشاركين الأخرين في صراع السوق النفطي، أن تعمل على حل مسألة صعبة متمثلة في صياغة سيناريو مثالي يجمع بين المصالح والأهداف التكتيكية والاستراتيجية. وما يجعل الوضع أكثر تعقيداً هو غياب توافق في الآراء بين المحللين: إذ يعتقد البعض أن انهيار عروض الأسعار في الأعوام 2014-2015 جاء نتيجة تغير دوري للأسعار. وبالتالي يمكن زيادة الأسعار من خلال إبرام اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع معظم الدول المصدرة للنفط تنص على السيطرة المحكمة على مستويات الإنتاج. ويخشى آخرون من أن استعداد منظمة الأوبك حالياً لإقامة تعاون وثيق مع موسكو هدفه إثقال كاهل روسيا بعبء تقليص إنتاج النفط، والذي سوف يجعلها أضعف المشاركين في سباق النفط العالمي.

الأربعاء, 13 حزيران/يونيو 2018 13:28

التاريخ يعيد نفسه

Written by

 

 

رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي السابق تامر باردو صرح في الآونة الأخيرة بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يعد لهجوم على إيران في عام 2011.

وفي هذا الإطار أكد السيد باردو بأن الأمر الذي صدر للقوات من أجل التحضير للعدوان لم يكن مجرد اختباراَ أو تدريباً. إذ أن تل أبيب كانت تخطط للقيام بهجوم في غضون 15 يوماً، والذي على الرغم من كل التحضيرات لم ير النور.

والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا وراء هذا التصريح؟

لم يحمل التصريح الذي أدلى به ضابط المخابرات الإسرائيلي أي مفاجئة تاريخية، بمعنى لم يأت بأي جديد للمؤرخين في المنطقة. الجميع يتذكر جيداً أنه بحلول عام 2011 كان الوضع حول إيران، أو بالأحرى حول برنامجها النووي، متأزماً إلى أقصى حد.

حيث وصلت المفاوضات النووية، التي استمرت ثماني سنوات، والتي جرت بأشكال مختلفة، إلى طريق مسدود. وفي هذا السياق اتخذ مجلس الأمن الدولي في الفترة ما بين 2006-2010 ستة قرارات تدين إيران بسبب عدم السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية الإشراف على برنامجها النووي، وعدم الرغبة في التوصل إلى حل وسط أثناء المفاوضات. وقد تضمنت أربع من هذه الوثائق التي صدرت من مجلس الأمن عقوبات اقتصادية دولية ضد إيران. ومع ذلك فإن هذه الإجراءات العقابية لم تكن كافية لإقناع طهران بواقع الأمر.

القضية تكمن في أن "نافذة الأمل" لإيجاد حل سياسي للقضية النووية الإيرانية باتت تنغلق تدريجياً. وبالتالي بدأت كل من إسرائيل والولايات المتحدة الاستعداد على أرض الواقع لحل عسكري للمشكلة الإيرانية. ومع ذلك لابد من الإشارة من أن السيناريوهات العسكرية كانت بالفعل على طاولات القادة في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 2011 صرح في هذا الصدد بن كاسبيت، وهو معلق سياسي أمني إسرائيلي معروف عن علاقته بقيادة بلاده، بأن إسرائيل في السنوات الأخيرة وبمبادرة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، صعدت على نطاق واسع الاستعدادات لتوجيه ضربة ضد إيران. وبحسب المعطيات فإن رئيس الوزراء كان يتمتع في إطار هذه القضية بدعم مطلق من وزير الدفاع إيهود باراك.

في ذلك الوقت كان السياسي الإسرائيلي المعروف، زعيم حزب كاديما شاؤول موفاز، الذي ولد في إيران، يعتقد بأن إسرائيل وحدها يجب أن تقوم بالقضاء على التهديد النووي الإيراني من خلال استخدام القوة.

وفي الأول من شهر آذار/مارس 2011 أفادت الأنباء بأن نورتن شوارتز قائد سلاح الجو الأمريكي صرح بأن مرؤوسيه وضعوا خطة لعملية عسكرية ضد إيران تضمنت ثلاثة سيناريوهات:

-         توجيه ضربة شاملة ضد واحدة أو عدة منشآت نووية رئيسية

-         توجيه ضربة صاروخية جوية محدودة الزمن والحجم (2-5 أيام) تستهدف المنشآت الحساسة للبنية التحتية النووية وقواعد الصواريخ ووسائط الدفاع الجوي والمطارات والقواعد البحرية الحربية وعقدة الاتصالات الرئيسية

-         القيام بعملية صاروخية جوية واسعة النطاق تستغرق عدة أيام لتوجيه ضربة صاروخية بهدف القضاء الكامل على المنشآت النووية والبنية التحتية العسكرية الأساسية في جمهورية إيران الإسلامية (السيناريو اليوغسلافي)

وكانت القوات الأمريكية في الوقت نفسه تدرس إمكانية استخدام أقوى الذخائر غير النووية، والحديث يدور عن قنبلة جديدة تزن 13.5طن، قادرة على تدمير المنشآت النووية للعدو تحت الأرض والموجودة ضمن هيكل اسمنتي بسماكة خرسانية تصل إلى 65 متراً.

بالإضافة إلى ذلك، فقد خططت القوات الجوية الأمريكية منح طائرات التزود بالوقود، إذا دعت الحاجة لذلك، لصالح المقاتلات الإسرائيلية التي ستقوم بتنفيذ عملية تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية.

بالفعل وقتئذ تركت الخطة العسكرية الخاصة بتسوية البرنامج النووي الإيراني انطباعاً كبيراً لدى القيادتين في تل أبيب وواشنطن. علاوة على ذلك فقد كان الجيش الإسرائيلي والأمريكي، معاً وبشكل منفصل، يقومان بتدريبات ومناورات، أخذين بعين الاعتبار مختلف الاحتمالات والخيارات للعمليات العسكرية التي يمكن شنها ضد إيران.

ومع ذلك، على ما يبدو، لم يتم دراسة احتمال القيام بعملية عسكرية برية طبقاً "للسيناريو العراقي" وذلك بسبب طبيعتها الطوباوية، وبسبب خصائص الوضع الإقليمي والدولي لذلك الوقت والظروف التي كانت تعيشها إيران.

الأمر الوحيد والاستثنائي كاد أن يكون من خلال القيام بعملية إنزال جوي لفك الحصار المحتمل عن مضيق هرمز (حيث حذرت طهران وهددت مراراً بإغلاقه) والسيطرة لاحقاً على خطوط النقل البحري في هذه المنطقة.

إذاً كانت الخطط كثيرة، وليس عبثاً أن الصحافة العالمية وبعض المؤسسات الهامة في مختلف بلدان العالم كانت تتحدث في عام 2011 مراراً وتكراراً عن الموعد المحدد بدقة للهجوم على إيران.

ولكن الذي حدث هو أن الاتحاد الأوروبي وبعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية فرضت في الفترة بين عامي 2011-2012 عقوبات ضد إيران، والتي اعتبرت بحسب رأي هيلاري كلينتون، عقوبات قاصمة سوف تجبر القيادة الإيرانية بتغيير موقفها في المستقبل المنظور.

في نهاية المطاف تم إلغاء سيناريو الضربة العسكرية الشاملة، وبدلاً منه تم تحقيق ضربة مالية اقتصادية شاملة ضد طهران، وهنا يمكن القول بأن هذه الضربة حققت هدفها إلى حد ما. إذ أن المشاكل الخطيرة، التي بدأت تطفو على السطح في الاقتصاد الإيراني، أجبرت طهران على إجراء تعديلات في سياستها.

في هذه الأثناء تم انتخاب حسن روحاني رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذه الشخصية ربما تكون الوحيدة من بين السياسيين في إيران، القادرة على التفاوض مع المجتمع الدولي حول البرنامج النووي الإيراني.

وبالفعل فقد تعامل الرئيس روحاني ببراعة مع هذه المهمة، وأصبح أحد مؤسسي خطط العمل الشاملة المشتركة، حيث تنفس العالم ومنطقة الشرق الأوسط الصعداء، وتم اعتبار الحرب ضد إيران عملية غير مجدية.

وها قد مضى حوالي ثلاث سنوات تقريباً، وقد حل عصر جديد في واشنطن حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خروجه من خطط العمل الشاملة المشتركة.

إذاً ماذا بعد؟ التاريخ يعيد نفسه. ودونالد ترامب وكأنه يمتطي آلة الزمن عاد بالوضع حول إيران إلى بداية العقد الثاني من القرن الحالي. فالوضع الخاص بالبرنامج النووي الإيراني عاد إلى الفترة 2011-2012، أي إلى تلك المواجهة مع جمهورية إيران الإسلامية التي تحدثنا عنها في وقت سابق.

والآن وبفضل الرئيس ترامب يتكرر كل شيء. ولهذا لم يكن من باب العبث عندما ذكرنا خيارات الضربة العسكرية ضد إيران، والتي تم وضعها في ظروف المواجهة القاسية مع إيران. وهذه السيناريوهات يمكن تنفيذها للأسف، ربما ليس اليوم أو غداً، ولكن بعد أن تستأنف طهران برنامجها النووي من دون أي اتفاقات أو حضور لمفتشين تابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك رداً على سياسة الرئيس ترامب ونتيجة لانهيار خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل كامل. وطهران في هذه الحالة سوف تقوم بإعداد قنبلتها الذرية، والتي بطبيعة الحال سوف تعود بالعالم إلى زمن الاضطراب الذي يسود المواجهة العسكرية في المنطقة، والذي ينطوي على عواقب كارثية تهدد منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره.

وبالتالي ليس من المستبعد أن يكون هذا كله هدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحقيقي.

 

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 16:57

تركيا عشية الانتخابات المبكرة

Written by

 

في أوائل شهر نيسان/أبريل 2018، أعلن الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في شهر حزيران/يونيو 2018. والسؤال لماذا اتخذ مثل هذا القرار؟

بعد الاستفتاء الدستوري، الذي أجري في عام 2016، تغير شكل الحكم في تركيا، وأصبح نظام الحكم في الجمهورية رئاسياً. في الوقت نفسه مازال البرلمان القديم يمارس نشاطه في البلاد. ومع ذلك يهدف أردوغان إلى تعزيز مكانته وتوسيع سلطاته الرئاسية، على الرغم من نمو مشاعر المعارضة في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، وبحسب تقييم الخبراء، فإن البلاد في الوقت الراهن تعيش حالة ما يسمى بالأزمة الاقتصادية المؤجلة، والتغلب عليها يؤدي حتماً إلى اتخاذ تدابير لا تحظى برضا من قبل الشعب. على أي حال يبدو من الواضح أنه من الأفضل أن يتم اتخاذ مثل هذه القرارات بعد الانتخابات المرتقبة. والسؤال هل سيتمكن من تنفيذ هذه الخطط؟ على هذا السؤال وغيره من القضايا الأخرى يجيب خبراء المجلس الروسي للشؤون الدولية خلال إفطار عمل في ساحة مكتبة دوستويفسكي في موسكو.

وفي هذا السياق ذكر بافل شليكوف الخبير والدكتور في العلوم التاريخية والأستاذ في قسم تاريخ بلدان الشرق الأوسط والأدنى في معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في جامعة موسكو الحكومية، أنه عشية أول فوز له في الانتخابات تسلم رجب طيب أردوغان في عام 2001 السلطة حاملاً شعار بناء "تركيا الجديدة". ولابد هنا من القول أن هذا الشعار تحقق في كثير من الجوانب، ولكن السؤال ما هي النتائج التي يمكن على أثر ذلك أن تتمخض وتؤثر على البلاد؟

من دون مبالغة فإن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة تكتسب أهمية تاريخية، لأنها تهدف لتعزيز نتائج الاستفتاء الدستوري الذي عقد في شهر نيسان/أبريل 2017. وهذه النتائج تسمح لأردوغان أن يتصرف ضمن إقنومين في آن واحد-الأول كرئيس للدولة والثاني كرئيس لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

وتعتبر فترة حكم سليمان ديميريل في الأعوام 1965-1971 هي الفترة الأكثر ملائمة في تاريخ تركيا الحديث، والذي تم الإطاحة به من خلال انقلاب عسكري في 12 من شهر آذار/مارس 1971.

وطوال سنوات التواجد في السلطة كان حزب العدالة والتنمية الحاكم يتحدث عن تحالف جديد، والذي لم يتم تأسيسه أصلاً. ومع ذلك كان الحزب القومي يعتبر نفسه حليفاً. وهنا نلاحظ ظهور خطر تكرار الوضع، الذي مرت به تركيا في أواخر السبعينات من القرن الماضي، عندما أصبح مئات الأشخاص ضحايا العنف في الشوارع. على كل حال جميع المشاركين باتوا قاب قوسين أو أدنى من بداية الحملات الانتخابية.

أما فيما يتعلق بدستور عام 1982 فهو يفترض وجود عتبة انتخابية عالية جداً (10%)، مع الحفاظ على ميزات للحزب الفائز، وهذه الصيغة تم اعتمادها من أجل منع عدم دخول الأحزاب الحليفة إلى البرلمان كحزب العمل الوطني برئاسة دولت بهجلي.

لا أحد يشك من المحللين السياسيين بفوز أردوغان. ومع ذلك يتفق معظم الخبراء أن حزب العدالة والتنمية الحاكم بالكاد قادر على أن يقدم نتيجة ما من شأنها أن تدل على زيادة شعبية ممثليه بشكل كبير في السلطة المركزية والمحلية.

الوضع صعب للغاية أيضاً ضمن دوائر المعارضة. فالتحالف المناهض لأردوغان شمل القوى السياسية، التي ترى في سياسة الحزب الحاكم خطراً على الطابع العلماني للحكم في تركيا. من بين هذه الأحزاب على وجه الخصوص حزب يسار الوسط الجمهوري برئاسة كمال قليتش دار أوغلو وحزب القوميين المحافظين "الحزب الخير" برئاسة ميرال أكشينار، التي انشقت عن حزب العمل الوطني برئاسة دولت بهجلي، وأخيراً حزب الشعوب الديمقراطي اليساري الكردي برئاسة صلاح الدين دميرطاش الذي يقضي حالياً عقوبة السجن. من المثير للاهتمام أن الأكراد قبل بداية عام 2010 كانوا يصوتون في الغالب للأحزاب المحافظة. وبالتالي فإن انتقالهم إلى جبهة المعارضة يدل على خيبة الأمل في سياسة النظام الحالي، وهذا يشكل خطراً كبيراً على حزب العدالة والتنمية ويجبره مغازلة هذا الجزء من الناخبين، وفي الوقت ذاته يتم طرح عدد من الشخصيات التي تتمتع بسمعة مشكوك فيها سياسياً ضمن قائمة المرشحين الانتخابية. على سبيل المثال تم ترشيح عثمان نوري غولاتشار الممثل السابق لتنظيم القاعدة ليكون نائباً عن ولاية فان.

على كل حال فإن الانتخابات الرئاسية أقل إثارة بكثير، إذ أن فوز أردوغان يبدو واضحاً للعيان، والسؤال الوحيد هو ما إذا كان سيفوز في الجولة الأولى أو الثانية؟ في حين أن محرم انجه أثبت على أنه المعارض الأكثر شعبية، ولكن على الرغم من انتقاداته اللاذعة تجاه "العثمانية الجديدة"، فإنه من غير المرجح أن يشكل خطراً كبيراً على رئيس الدولة الحالي. ومن باب الانصاف تجدر الإشارة إلى أنه في البداية كان لدى خصوم حزب العدالة والتنمية فكرة استقطاب الرئيس التركي السابق عبد الله غول، وهو مؤسس حزب العدالة والتنمية لخوض الحملة الانتخابية، لكنه لم يعط موافقته (وفقاً لبعض المصادر، فقد تم عقد مباحثات معه من قبل قوى موالية للحكومة). وفي هذا الاطار تستخدم المعارضة في خطابها أكثر المواضيع إلحاحاً من أجل انتقاد النظام السياسي، من بينها نمو النزعة الاستبدادية وكذلك تفاقم الأزمة الاقتصادية.

وهنا يؤكد كريم خاس الخبير في مجال العلاقات الروسية التركية الدكتور في العلوم السياسية بأن رئيس تركيا أصبح الآن أكثر من مجرد رئيس دولة، وبالتالي يمكنه نتيجة الانتخابات أن يضع بين يديه صلاحيات واسعة لم يسبق لأحد أن يتمتع بها. إن الوضع في تركيا فريد من نوعه، وذلك لأنه اعتباراً من عام 1921 كان البرلمان هو الحلقة المركزية في هندسة إدارة الدولة. أما ما نراه اليوم هو سعي أردوغان للسيطرة، ليس فقط على السلطة التنفيذية، ولكن أيضاً على السلطات التشريعية والقضائية. واستناداً لنتائج الانتخابات سوف يحصل على حق إصدار المراسيم متجاوزاً البرلمان. في الوقت ذاته فإن الانتخابات المبكرة هي إجراء ضروري بالنسبة لأردوغان، فالوضع في الشرق الأوسط بشكل عام مضطرب وغير مستقر، وهذا يؤثر على الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد. وفي هذه الحالة فإن اكتساب الوقت يعني الكثير وذلك لشعوره بالقلق أنه لن يكون قادراً الحصول على الأغلبية المطلوبة من الأصوات بعد ذلك.

كما يدرك أنصار السلطة أهمية الدعاية. على سبيل المثال استحوذت مجموعة شركات Domiroren المؤيدة للحكومة على أكبر مؤسسة إعلامية تدعى  Dogan. وهنا تفضل السلطات التركية مواجهة الصعوبات الاقتصادية بعد الانتخابات وليس قبلها مما يوحي إلى أنه لن يكون بإمكانها، في حالة أخرى، الحصول على 50% زائد صوت واحد.

يشار إلى أن دولت بهجلي رئيس حزب العمل الوطني كان قد أعلن عن فكرة تأجيل الانتخابات، وذلك بسبب أن النظام السياسي الجديد لم يستقر بعد، وعليه اقترح تأجيل التصويت من 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 إلى 26 آب/أغسطس 2018. ولكن بعد الاجتماع مع أردوغان تم تأجيل الموعد مرة أخرى وأصبح في 24 حزيران/يونيو. وبذلك حصلت ميرال اكشينار على فرصة المشاركة في الحملة الانتخابية.

وبحسب قول كريم خاس هناك حالياً أربعة سيناريوهات لتطور الأحداث.

-         فوز أردغان في كل من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية

-         حصوله على أغلبية في الانتخابات الرئاسية وخسارته في البرلمان

-         خسارته في الانتخابات الرئاسية وحصوله على أغلبية في البرلمان

-         الخسارة الكاملة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية - وهذا السيناريو الأقل احتمالاً.

إن كل من مرشحي المعارضة للرئاسة أقل شأناً من أردوغان من حيث الإمكانيات الإدارية. ومع ذلك فإن محرم إنجه لديه فرصة أكبر لتوحيد صفوف الناخبين الأكراد حوله. وميرال أكشينار تتمتع أيضاً بقدرات جيدة، ولكن إذا خاضت الجولة الثانية فإنه من الصعب أن تتمكن من جمع أصوات الأكراد. حيث أشار الخبير بهذا الشأن قائلاً: "إن الحركات الكردية تتذكر جيداً عندما كانت تشغل منصب وزير الداخلية في الفترة ما بين 1996-1997، وهم كانوا غير راضين عن سياستها وعن قراراتها أثناء توليها هذا المنصب".

وبحسب تقييم كريم خاس فإن الديون الخارجية لتركيا وصلت في الوقت الحاضر إلى مبلغ فلكي يقدر بنحو 438 مليار دولار. وعلى الرغم من أن سياسة أردوغان مازالت تتمتع بدعم جزء كبير من السكان، إلا أنها تؤدي إلى تعميق الانقسام في المجتمع التركي. بالإضافة إلى ذلك تسعى واشنطن لفرض عقوبات على البنوك التركية وعلى عدد من ممثلي النخبة المحلية. أحد الأسباب هو قرار أنقرة شراء منظومة الصواريخ الروسية اس-400 من موسكو. فإذا كانت تركيا في عام 2001، عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكان هناك نمواً ملموساً في مجال الاستثمار في القطاعين المصرفي والصناعي، إلا أنها الآن لديها مشاكل في العلاقات مع جميع جيرانها تقريباً بما في ذلك مع أوروبا.

يبلغ النمو الاقتصادي حالياً نسبة 7.5% بالبلاد، ويرجع الفضل إلى التكاليف في أعمال البناء إلى حد كبير، على وجه الخصوص إعادة بناء أعمار البنية التحتية التي دمرت خلال العمليات الخاصة. في الوقت ذاته تشهد القطاعات السياحية والصادرات تراجعاً ملحوظاً.

في هذه الحالة قد يكون مستقبل المشاريع الروسية التركية، وعلى وجه الخصوص بناء محطة الطاقة النووية "أك كويو" موضع تساؤل. وفي حال تفاقم الوضع الاقتصادي في البلاد سيكون من الصعب على موسكو العثور على شريك قادر على دعم هذه المشاريع طويلة الأمد. ونتيجة لذلك ستضطر روسيا لإدارة المخاطر السياسية الداخلية في تركيا، والتي من الضروري تجنبها قدر الإمكان.

في الوقت نفسه وعلى الرغم من التعاون مع روسيا في مسألة تسوية الأزمة السورية، إلا أن موسكو وأنقرة لديهما أهداف مختلفة في المنطقة، وكثيراً ما تكونان على ضفتي النقيض. فمحافظة إدلب هي الآن بمثابة برميل من البارود، حيث يدور الصراع بين أنصار الرئيس بشار الأسد والمعارضة المتشددة المسلحة. في الوقت ذاته فإن أردوغان يشعر بقلق بالغ إزاء تكثيف نشاط الحركة الوطنية الكردية في سورية، ولهذا هو مهتم بعدم توحيد صفوف الأكراد في شمال البلاد.

ويتفق الخبراء على رأي مفاده أن رجب طيب أردوغان، على الرغم من الأزمة، سيحتفظ بكرسي السلطة وذلك لأن خسارتها يمكن أن تعني ليس فقط بالنسبة له موتاً سياسياً. ومع ذلك فإن تشكيل تحالف كردي داخل تركيا يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تغييرات سياسية في المنطقة، والتي سيكون لها التأثير الكبير على طبيعة العلاقات الروسية التركية.

على كل حال، وكما يشير الخبير بافل شليكوف، من المحتمل جداً أنه هناك من سيواصل سياسة الرئيس الحالي. وعلى وجه الخصوص، ينظر بعض علماء السياسة إلى وزير الطاقة الحالي بيرات البيرق على أنه خلف لأردوغان. وفي هذا الإطار أكد الباحث على أن أرودغان لن يواجه مشاكل مع الشخصية التي ستخلفه.

 

الكلمات المفتاحية: الأزمة السورية - المجلس الروسي للشؤون الدولية - العلاقات الروسية التركية - رجب طيب أردوغان - القضية الكردية – إدلب - بافل شليكوف- كريم حاس - الانتخابات في تركيا - ميرال أكشينار - محرم إنجه.

 

 

السياق العالمي

تم التفكير بالجولة الحالية للانعطاف الروسي نحو الشرق في النصف الثاني من العقد الأول للقرن الواحد والعشرين، باعتبارها استجابة اقتصادية متأخرة لصعود آسيا، والتي قدمت للبلاد العديد من الفرص لتنميتها وتطويرها، وقبل كل شيء للجزء الشرقي منها. هذا الصعود مكّن من تحويل مناطق ما وراء الأورال والشرق الأقصى إلى منطقة متطورة للبلاد كلها، بعد أن كانت تشكل عبئاً في عهد روسيا القيصرية، أو جبهة خلفية في مواجهة الغرب، وأحياناً جبهة لمنافسة اليابان أو الصين.

لقد تم تبرير جدوى الانعطاف من خلال التوقعات التي تحدثت عن تباطؤ حتمي لاقتصاد الشريك التقليدي الرئيسي، والحديث يدور عن أوروبا، وكذلك تفاقم العلاقات معها ومع الغرب بشكل عام. في ظل ذلك أصبح من الواضح تماماً ضرورة تنويع العلاقات الاقتصادية ومصادر التنمية الخارجية.

وقد حظيت هذه التقييمات بدعم عدد من الاتجاهات القوية التي ظهرت على مدى العقود الماضية. أولاً الحديث يدور عن انهيار وأزمة النظام العالمي الذي فرضه الغرب على العالم منذ لحظة شعوره بأنه حقق النصر النهائي. ثانياً ظهور طابع اللاعولمة بشكل سلبي والطابع الإقليمي على السياسة والاقتصاد العالميين. ثالثاً تسارع الاتجاه المرتبط بسابقه نحو تسييس العلاقات الاقتصادية، الذي جعل الترابط والاعتماد على سوق واحدة أقل ربحية نسبياً، إن لم يكن خطراً للغاية.

وأخيراً ظهرت نزعة شعارها "آسيا للأسيويين" بشكل واضح بدلاً من شعار "آسيا للعالم". التطور في آسيا، وخاصة في الصين، بدأ في التركيز أكثر فأكثر على الأسواق المحلية والإقليمية. على التوازي بدأت عملية التحرر الروحي والإيديولوجي للحضارات الآسيوية العظيمة سابقاً، التي وجدت نفسها خلال القرنين الماضيين إما مستعمرة أو مرتبطة ارتباطاً شبه كامل بالغرب. حيث استحوذت الدول الآسيوية الكثير من الإنجازات الغربية واستفادت من النظام الاقتصادي العالمي الليبرالي الذي أنشأته، وتعززت مكانة هذه الدول وبدأت المطالبة بدور فعال على خارطة العالم  الأيديواستراتيجية.

وقد أصبح من الواضح حتمية انسحاب الولايات المتحدة المؤقت، التي تعبت من لعب دور الشرطي العالمي. حيث بدأ دور إنعاش البلاد داخلياً يظهر واضحاً في عهد الرئيس باراك أوباما. لكن النخب القديمة والقصور الذاتي لم يسمحوا له الابتعاد عن التدخل المكلف وغير الفعال في شؤون الدول الأخرى، في حين عزز ترامب من نزعة "الانغلاق على الذات". الولايات المتحدة تحولت إلى ملغمة خطيرة شبه منعزلة مع ما تبقى لها من تدخلات خارجية، وأصبح من الواضح أن بلاد العم سام تسعى بشكل متزايد إلى إنشاء مركزها الخاص من خلال التخلص من بعض التزاماتها العالمية غير المربحة.

بدأت تتشكل نزعة تميل إلى صياغة عالم ثنائي القطب من خلال عالم متعدد الأقطاب مع ما يترتب عنه من فوضى حتمية، القطب الأول الولايات المتحدة وما يدور في فلكها، والثاني الفضاء الأوراسي. وعلى الرغم من أن الصين تبدو بشكل واضح المركز الاقتصادي للفضاء الأوراسي، إلا أنه لن يتم هيكلة المركز الأوروبي الأسيوي في حال لعبت بكين دور المهيمن على هذه المنطقة.

لكن على أي حال اتضح أن روسيا من خلال انعطافها نحو الشرق اكتشفت لنفسها العديد من الفرص التي لم تكن متوقعة منذ البداية.

النتائج الأولى

أخيراً لقد تحقق انعطاف روسيا نحو الشرق، الذي تم الإعلان عنه مراراً وتكراراً، والذي بدأت معالمه السياسية والاقتصادية ترتسم بشكل جلي في الفترة ما بين 2011-2012. وعلى الرغم من تراجع التجارة الخارجية الروسية وانخفاض قيمة الروبل، إلا أن التجارة مع آسيا أخذة في النمو مرة أخرى، وهذه الحصة تزداد بسرعة نسبة لإجمالي التجارة الخارجية للبلاد.

لقد أصبح هيكل التجارة الخارجية غير المربح وغير السليم من الماضي، والذي تشكل في سنوات انهيار المجمع الاقتصادي السوفيتي وانتشار الفوضى، عندما كانت البلاد تحصل على سلع مكلفة وغير مجدية اقتصادياً من الغرب وخاصة من أوروبا، مقابل توريد منتجات الطاقة. إن تنويع تدفق التجارة الخارجية يضع روسيا في موقف مربح إن كان ذلك أثناء المساومة الاقتصادية أو السياسية، مما يغير التوازن لصالحها. في الوقت الراهن لا يقتصر الأمر على توريد منتجات الطاقة إلى الشرق، بل أيضاً المنتجات الزراعية وغيرها من السلع الهامة استراتيجياً وكذلك الأسلحة.

لقد بدأت مرحلة مهمة من زيادة في الاستثمار، وهي حتى الآن تأتي إلى حد كبير من الصين. وتشير التقديرات إلى أن حجمها المتراكم بات يتجاوز 30-40 مليار دولار. ومما يضمن المزيد من النمو في التجارة والاستثمارات هي سلسلة من المشاريع الضخمة في مجال الطاقة، وإطلاق مشروع "ميناء فلاديفوستوك الحر" والذي يتضمن معظم موانئ ساحل المحيط الهادي الروسي، بالإضافة إلى تشغيل 15 منطقة ذات التنمية المتقدمة.

العلاقة بين روسيا والصين تحمل طابع التحالف بحكم الواقع وليس بحكم القانون، لكنها تصبح أكثر تكاملاً وتوازناً من خلال تعزيز العلاقة مع اليابان وفيتنام وبقية دول منظمة الآسيان الأخرى والهند وكوريا الجنوبية وإيران. وبدلاً من التنافس المتوقع في آسيا الوسطى بين موسكو وبكين بدأت تنشأ عمليات تكامل، وإن كان ذلك ببطء، خاصة بين مشروع "طريق الحرير الجديد" الصيني والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. السياسة الروسية في آسيا تصبح شاملة واستراتيجية، لكن مازال هناك طريق طويلة على الرغم من تباطؤ هجرة السكان من منطقة الشرق الأقصى، ونحن على موعد مع الانتهاء من هذه الهجرة في السنوات المقبلة.

بطبيعة الحال فإن الانعطاف الاقتصادي يجري ببطء شديد سواء بسبب القصور الذاتي المتراكم، بما في ذلك بسبب التفكير الاقتصادي، أو بسبب بطء عمل الأجهزة الحكومية الروسية وفساد النخبة، والأهم من ذلك يرجع إلى الركود الاقتصادي وضعف المناخ الاستثماري، وقبل كل شيء الخاص بأصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة في روسيا الاتحادية. حتى الآن لم تصبح سيبيريا أرضاً ذات اقتصاد حر كما كانت عليه في العهد القيصري. ومع ذلك نحن على أمل في ألا تعود تلك الأوقات التي شهدت تنمية قسرية وتطوراً باستخدام أساليب العنف أو نقل القدرات الإنتاجية كما كان ذلك خلال الحرب الوطنية العظمى في البلاد.

الجدير بالملاحظة أنه حتى الآن لم يتم تنفيذ قرار الحكومة الخاص بنقل المكاتب الرئيسية لعدد من الشركات ومؤسسات الدولة إلى منطقة الشرق الأقصى، مع أننا نعتبر أنه من المجدي أن يتم تأسيس عاصمة ثالثة في منطقة شرق المحيط الهادي لروسيا الاتحادية.

نعيد ونكرر مرة أخرى لا يزال الطريق طويلاً أمامنا، ولكن الشيء الرئيسي قد حدث وهو تغير التوجه الجيواستراتيجي للنخبة الحاكمة في روسيا. على مدى السنوات الثلاث مئة الأخيرة، وعلى الرغم من استمرار التوسع نحو الشرق، كانت النخبة في روسيا تعتقد بأن بلادها هي المناطق النائية لأوروبا، تارة تطمح أن تكون جزءاً منها وتارة تبتعد عنها. في أوروبا كان هذا التطلع يحظى بتأييد كبير، في محاولة للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية، وهذا ما كانت تحصل عليه غالباً من الطامح في الانضمام إلى هذا "النادي". المثال الأخير هو المحاولة الفاشلة للنخبة التي تشكلت في نهاية الاتحاد السوفيتي بداية استقلال روسيا عندما أرادت أن تصبح جزءاً من أوروبا ولعب دور التلميذ وفقاً للقواعد المقترحة.

إن محاولات فرض القيم الأوروبية الحديثة والتي في حقيقة الأمر عفا عنها الزمن شجع على ظهور فتور في طموح روسيا نحو أوروبا ونحو التعاليم التبشيرية الديمقراطية من بروكسل. هذه المحاولات بدأت تنمو مرة أخرى منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، على التوازي مع الضعف المتزايد لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وهذا أمر مفهوم، فالدور الرئيسي في الحد من رغبة معظم النخبة الروسية في أن تصبح جزءاً من أوروبا كان لسياسة الحلفاء الغربيين التوسعية والتي استهدفت الأراضي، التي تعتبرها روسيا حيوية من وجهة نظر ضمان أمنها، والتي من أجلها فقدت روسيا الإمبراطورية والاتحاد السوفيتي العديد من الملايين. هذه السياسة أدت إلى فشل المشروع الخاص بإنشاء منظومة الأمن الأوروبي المستقرة والبيت الأوروبي المشترك والاتحاد الأوروبي.

مستوى التوتر والنأي بالنفس المتبادل أصبح آخذ في الازدياد تدريجياً. وأخيرا، دخل التفاقم في العلاقات السياسية طوره الحاد في الفترة ما بين 2012-2014. فرض العقوبات لممارسة الضغط على روسيا من جهة، والأكثر من ذلك في محاولة لخلق "العدو الخارجي"، وإيقاف انهيار الاتحاد الأوروبي من الداخل، كل ذلك أظهر خطر التبعية الاقتصادية المفرطة في السوق الأوروبية، ودفع بالانعطاف إلى أسواق جديدة في الشرق.

النأي عن النفس من أوروبا كان أيضاً على المستوى الإيديولوجي. فالمنحدرون من أصول أوراسية المناهضون للغرب وأوروبا كانوا منبوذين من قبل بعض القوى الغربية السابقة. جزء من هذه النخبة أصبح يعلن أن روسيا ليست أوروبا، والجزء الأخر بدأ يؤكد أن روسيا هي أوروبا الحقيقية، وأن الاتحاد الأوروبي لم يعد له وجود. الجزء الثالث ارتأى اتباع نهج اعتبره معقولاً في النأي عن النفس مؤقتاً سياسياً وثقافياً. إن مسألة تقرير المصير الثقافي لروسيا بالنسبة لأوروبا لم يتم تحديدها بشكل نهائي حتى الآن على الرغم من وضوح الاتجاه المتبع.

لكن الشيء الرئيسي حدث في السياسة وأثناء تقرير المصير الجيواستراتيجي ومعظمه في الاقتصاد. وقد تحولت روسيا من منطقة أوروبية نائية إلى منطقة أوراسية مركزية أو، ربما، كقوة أوراسية شمالية عظمى. الفضاء الأوراسي في المفهوم الجيوسياسي الروسي الحديث يشمل غرب القارة أيضاً، ولا يعتبر مناهضاً لأوروبا كما كان ذلك في العهد السوفييتي ولدى الروس المعاصرين الأوراسيين.

تحديد الهوية الجيوسياسية والجيواقتصادية الروسية الجديدة يعني التحرر من التبعية الأخلاقية والسياسية من الغرب والتعزيز النوعي للمواقف في الحوار والتفاعل معه. في الوقت ذاته فإن روسيا لم ترفض التعاون مع البلدان الأوروبية خاصة في المجالات التي تعود بالفائدة عليها. مثل هذا الرفض هو ليس فقط غير مربح اقتصادياً لكنه غير ممكن وخطير إيديولوجياً ويهدد هوية غالبية الروس الذين يعتبرون أنفسهم أوروبيين حتى لو أنهم غير معجبين كثيراً بأوروبا المعاصرة، التي يليق بها أن يطلق عليها المنطقة ما بعد أوروبا، بسبب التخلي عن جزء كبير من القيم التي حددت هويتها، والتي تعتبر في روسيا قيماً خاصة بها.

استناداً إلى التقييم والتنبؤ بالاتجاهات الجيواقتصادية والجيوسياسية، واستناداً إلى النتائج الأولية للانعطاف الاقتصادي والسياسي والفكري نحو الشرق، تم طرح فكرة تشكيل مجتمع جديد في روسيا ضمن إطار الشراكة الأوراسية الكبيرة. هذه الفكرة حظيت بدعم رسمي من القيادة في روسيا والصين وأصبحت مبادرة ثنائية منفتحة أمام بلدان أخرى. إن السياسة الروسية الآسيوية الجديدة سوف تندمج مع الاتجاه الأوروبي الثاني ومع الثالث – الجنوبي ومع الرابع- الشمالي في المحيط المتجمد وبالطبع مع الاتجاه الأمريكي إن كان ذلك ممكناً.

في المنعطف الجديد وفي سياق المواقف الجديدة وعلى أسس جديدة فإن تفعيل التعاون مع الدول الأوروبية الأخرى سيكون مفيداً. فأوروبا شريك مريح ومورد مناسب للعديد من التقنيات والمنتجات. والتقارب الجديد مع الشركاء القدامى يسهل من خلال النجاحات في السياسة الخارجية الروسية. في أوكرانيا، وإن كان ذلك متأخراً وبتكلفة باهظة، تم الحد من التوسع الخطير للتحالفات الغربية. في سورية سياسة مجنونة تهدف إلى تغيير الأنظمة. ومن وضع شبيه بجمهورية فايمار فإن روسيا التي كانت في موقف المدافع، عادت إلى دورها المعتاد كقوة منتصرة واثقة من نفسها من جديد.

الفضاء الأوراسي الكبير

الشراكة أو المجتمع الأوراسي الكبير هو أولاً إطار مفاهيمي يحدد تجاه تعاون الدول في القارة. هذه الشراكة يجب أن تهدف إلى إحياء الثقافة والسياسة والاقتصاد المشترك وتطوير العشرات من البلدان الأوراسية المتخلفة جزئياً، وإلى تحويل الفضاء الأوراسي إلى مركز للسياسة والاقتصاد العالميين. هذا الفضاء الأوراسي سوف يشمل بلدان آسيا الشرقية وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا ووسط القارة الأوراسية وروسيا، وكذلك بلدان القارة العجوز المتطورة ومنظماتهم، بالقدر الذي يكونوا فيه قادرين وراغبين في إقامة التعاون البناء.

ثانياً المجتمع الأوراسي الكبير هو عبارة عن مجتمع جيواقتصادي شعاره آسيا للأسيويين، وانعطاف الصين نحو الغرب واندماجها مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وتحول روسيا إلى الشرق.

ثالثاً هو عبارة عن فضاء من التعاون الحضاري الذي تم إعادة إنشائه بعد انهيار دام قرون، وهو تجسيد للجانب الثقافي لطريق الحرير العظيم، الذي شمل وربط حضارات الصين والهند والفرس والشرق الأوسط العربي مع أوروبا عبر الإمبراطورية الرومانية الشرقية والبندقية وإسبانيا

رابعاً المجتمع الاوراسي الكبير هو توجه نحو مجتمع جيواستراتيجي جديد وتطوير للفضاء الأوراسي والتعاون والسلام والأمن، والذي يهدف للتغلب على الانقسامات المتبقية من الحرب الباردة ومنع ظهور حروب جديدة، وتسوية الخلافات والنزاعات بين أعضاء الشراكة. وإن من أهم وظائفه المحتملة هي الغوص في شبكة من العلاقات والتعاون والموازنات وتحقيق الاتفاق مع الصين لمنعها من أن تصبح قوة مهيمنة محتملة التي سوف توحد ضدها حتماً بلدان أوروبا وآسيا الأخرى عبر توجيه دعوة لقوى أخرى خارجية تتمتع باهتمام أقل في الحفاظ على الاستقرار والسلام في القارة. في الوقت ذاته ينبغي على هذا المجتمع الأوراسي الكبير أن يكون منفتحاً على بقية العالم وعلى مركزه الهام الآخر الذي يتشكل في محيط الولايات المتحدة ومن خلال منظمة الأبيك ومنتديات مماثلة وعبر مؤسسات أطلسية ومن خلال الحوار الثلاثي الذي يتم توسيطه عبرنا حول القضايا العالمية والاستقرار الاستراتيجي الدولي بين روسيا والصين والولايات المتحدة.

المجتمع الأوراسي الكبير ينبغي أن يتشكل على أساس القيم التقليدية للقانون الدولي ومبادئ التعايش ورفض أي شكل من أشكال الشمولية والتفوق الاجتماعي أو الهيمنة. ومن بين المبادئ التي سيكون من الضروري الاعتماد عليها أثناء بناء المجتمع الأوراسي الكبير (من الناحية المثالية- العلاقات الدولية بشكل عام) هي:

-         الاحترام غير المشروط للسيادة ووحدة الأراضي ورفض سياسة الهيمنة والإملاء والتهديدات، وبذل الجهود المشتركة للحفاظ على السلام والاستقرار تحت رعاية الأمم المتحدة

-         الاحترام غير المشروط للتعددية السياسية وحرية الاختيار السياسي لشعوب بلاد القارة ورفض التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض

-         الانفتاح الاقتصادي والحد من الحواجز أمام التجارة والاستثمارات الدولية ورفض تسييس العلاقات الاقتصادية التي تقوض الروابط والتعاون الاقتصادي على أساس مبدأ "زائد - زائد" – ربح للجميع

-         رفض إقامة تحالفات عسكرية وتوسيع التحالفات الموجودة حالياً، وتقديم الدعم الكامل لمبدأ الحياد وعدم الانحياز وضمان أمن الدول التي اتخذت هذا الخيار

-         التركيز على إنشاء منظومة تنمية قارية والتعاون والأمن من جاكرتا (أو طوكيو) وحتى لشبونة، والتي من شأنها أن تغطي وتعوض مشروع الأمن الأوروبي الفاشل وأن توفر شكلاً جديداً لحل الصراعات في أوروبا ومحيط الصين وفي شبه الجزيرة الكورية وفي الشرق الأوسط

-         التركيز على الحفاظ على الاستقرار العسكري والسياسي ومنع حدوث الصراعات باعتبارها شرط أساسي للتنمية الاجتماعية وزيادة الرفاهية، وفي نهاية المطاف ضمان حقوق الإنسان الأساسية

-         التركيز على الحفاظ على تنوع الثقافات وتنميتها وإقامة روابط ثقافية تاريخية جديدة عبر الحوار بين الحضارات الأوروبية والآسيوية من أجل السلام والتعاون والإثراء المتبادل

-         حماية حقوق الإنسان في علاقاته المتصلة اتصالاً وطيداً مع حقوق المجتمعات والدول

إن الفضاء الأوراسي الكبير هو إطار مفاهيمي يركز على مستقبل التحديد الذاتي للهوية الروسية الجيواستراتيجية والجيواقتصادية باعتباره مركزاً وقارة شمالية متطورة تعمل على خدمة أحد الروابط الهامة في مجال النقل والاقتصاد وأهم مورد للأمن. وروسيا بفضل خبرتها المتراكمة منذ قرون وعلاقاتها مع الغرب ومع الشرق وتعاونها السلمي بين مختلف الأديان وانفتاح الثقافة الروسية، ينبغي أن تلعب دوراً مركزياً في إنشاء وإعادة بناء التعاون الثقافي في الفضاء الأوراسي. في الوقت نفسه فإن روسيا لن تتخلى عن جذورها الثقافية الأوروبية المهمة وسوف تعمل على تطويرها.

إن الفضاء الأوراسي الكبير هو إطار مفاهيمي لمشروع مشترك، أو بالأحرى لمشاريع عديدة تضم دولاً ومنظماتهم التي هي على استعداد لتحقيق الهدف المشترك المتمثل في تعزيز التطور القاري والسلام والتعاون الوثيق. سيلعب الثنائي الصين وروسيا الدور الريادي في إنشائه، حيث أكد الزعيمان رسمياً على دعمهما على مفهوم الشراكة ضمن الفضاء الأوراسي الكبير. ولكن هذا المفهوم يتطلب وجود حوار ملموس متعدد الأطراف.

إن الإطار المفاهيمي يسمح من خلال استخدام التوجهات ترشيد سلوك الدول والمنظمات القائمة وصيغ الحوار في قناة واحدة تهدف إلى تشكيل وصياغة مجتمع جيوثقافي وجيوسياسي وجيواقتصادي جديد والحديث يدور عن شراكة ثم تأسيس مجتمع يضم الفضاء الأوراسي الكبير ويبدو أن منظمة شانغهاي للتعاون هي المنصة الطبيعية للمباحثات من أجل إنشاء مثل هذه الشراكة وذلك من خلال منح هذه المنظمة المزيد من الطاقة والانفتاح وتحولها من منظمة إقليمية بحتة إلى منظمة عالمية ومنتدى لمناقشة جميع المشاكل والقضايا. وربما يكون من المفيد إنشاء حوارات بين منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الأوروبي من جهة والاتحاد الاقتصاد الأوراسي والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. ويمكن أن تكون البداية في عقد اجتماعات الخبراء بين هذه المنظمات ومن ثم عقد منتدى للخبراء السياسيين للتنمية الأوراسية والتعاون والأمن. ومع ذلك فإن استخدام المنظمة الموجودة حالياً (من خلال العمل على تطويرها) هو أفضل من تأسيس منظمة جديدة تفتقد للإطار المؤسساتي.

بالطبع، ومن أجل تأسيس هيكلية جديدة على أساس منظمة شنغهاي للتعاون (لدى تطويرها والحفاظ عليها)، فإن ذلك يتطلب جهوداً فعالة مشتركة لأعضائها، وخاصة روسيا والصين اللتان أعاقتا بعضهما البعض في منظمة شنغهاي بسبب محاولة كل منهما للآخر الحد من نفوذه اقتصادياً. (يبدو أن روسيا كانت قلقة من الهيمنة الصينية) وكذلك في مجال الآمن (وهنا يبدو أن الصين قلقة من الدور الروسي في هذا المجال). حالياً ما يعوق التنمية هو التناقضات الموجودة بين الهند والصين، وبالتالي نحن بحاجة إلى شكل جديد يغطي على التناقضات القديمة. وهذا يمكن تحقيقه من خلال التوجه المشترك للشراكة ضمن الفضاء الأوراسي الكبير، الذي يتطلب المزيد من الجهود والمزايا التنافسية لتحقيق المنفعة العامة.

خارطة طريق المستقبل

إن الانعطاف الذي تحقق نحو آسيا يتطلب ليس فقط توسيع اتجاهات التنمية التي تم تحديدها وإنما إطلاق مشاريع جديدة أيضاً. ولكن قبل كل شيء ينبغي القيام بدراسة التوقعات بشكل معمق لأسواق آسيا والمحيط الهادي من جديد، وذلك من أجل تفعيل الاستثمارات، خاصة وأنها تبدو حتى الآن متواضعة، وأغلبها من المنتجات الزراعية والغذائية التي تتمتع بالطلب على المدى الطويل. ينبغي ربط سياسة الانعطاف للاستراتيجية غير الموجودة، الخاصة بالانتعاش الاقتصادي والتنمية في روسيا.

على سبيل المثال ليس من المستبعد أن تزيد الصين من الطلب على المعادن وغيرها من منتجات الطاقة الضخمة والتقليدية بالنسبة للصادرات الروسية على خلفية انفجار الاستثمار للبنية التحتية في الولايات المتحدة. في الوقت ذاته هناك احتمال كبير في انخفاض الطلب على الفحم في العالم، ولا سيما في آسيا، وبالتالي فإن هذه العملية تتطلب حالياً إعادة هيكلة القطاعات وما يربطها من تدفق هائل في وسائل النقل. إن عملية الاسراع بالانعطاف ضرورية بسبب الانهيار الاقتصادي والفكري الذي حدث في تسعينات القرن الماضي بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ونحن نعتبر أننا تأخرنا كثيراً عن هذا الانعطاف وفقدنا الكثير من الفرص.

بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية الضخمة للنقل فإن الأولوية القصوى هي في تطوير طرق النقل شمال- جنوب، التي تربط ليس فقط الشرق الأوسط، وإنما المناطق الوسطى والغربية من سيبيريا وجبال الأورال إلى الأسواق ذات النمو السريع في غرب الصين وإيران والهند وباكستان. على الرغم من التباطؤ الحالي للعمليات التكاملية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بسبب الأزمة الاقتصادية، إلا أن الاتحاد يحتاج إلى جدول أعمال جديد طويل الأمد. ربما الحديث يدور عن سياسة التجارة المشتركة وسياسة النقل الموحدة والتكامل ضمن ظروف مثلى في الفضاء الأوراسي الكبير الموحد والمشاركة في صياغة معاييره وقواعده.

من الضروري إقامة التحالفات التقنية متعددة الأطراف مع بلدان القارة سواءً كان ذلك في الغرب أو الشرق. معظم الصناعات ذات التقنية العالية لا يمكن تطويرها من خلال التركيز بشكل رئيسي على السوق المحلي أو أسواق الحلفاء. وبالتالي هناك حاجة لإقامة تحالفات تكنولوجية من أجل الوقاية ومنع المخاطر الخاصة باحتمال تسييس الاقتصاد العالمي، من قبل الغرب قبل كل شيء.

إن الانعطاف الذي تحقق نحو الشرق يتطلب وضع سياسة تلبي حاجة الشركاء الآسيويين. هناك من هو مستاء من روسيا في ظل التعاون المتنامي، وذلك لوجود الحواجز التي تعيق انتشار العديد من السلع والاستثمارات الروسية، بالإضافة إلى العقبات السياسية والبيروقراطية.

وأخيراً على روسيا أن تحدد بأقصى سرعة أشكال مشاركتها في المنظمات التكاملية في منطقة آسيا والمحيط الهادي. حتى هذه اللحظة فإن الشراكة عبر المحيط الهادي أخفقت ولكن مازالت هناك الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها منظمة الآسيان والصين، والتي تشمل معظم بلدان المنطقة. حتى هذه اللحظة روسيا والاتحاد الاقتصاد الأوراسي تمتنعان عن المشاركة في المباحثات وتراهنان على شبكة مناطق التجارة الحرة الثنائية بسبب صعوبة إيجاد موقف مشترك داخل الاتحاد لكن ليس من الواضح ما إذا كان هذا "الامتناع" مربحاً على المدى الطويل.

هناك مجموعة منفصلة من المهام المحددة ضمن إطار تجاه السياسة الخارجية الروسية والمشاركة العسكرية السياسية في شؤون آسيا ومنطقة المحيط الهادي. إن ظهور العديد من النزاعات العالقة على السطح وكذلك تعزيز سياسة احتواء الصين الأمريكية الحتمية والرغبة في اللعب على التناقضات والمخاوف من اللاعبين الإقليميين، وربما الأهم من ذلك وزيادة مخاوف جيران المارد التنين من قوته المتنامية - كل ذلك يخلق ضرورة لمشاركة روسيا البناءة باعتبارها لاعب ذو خبرة ويتمتع بدبلوماسية قوية وعلاقات ودية مع معظم بلدان العالم. وما يعزز هذا الطلب عدم وجود نظام أمني متطور ومستقر في المنطقة.

روسيا وبشكل موضوعي هي أكبر ضامن محتمل للأمن في المنطقة والعالم، بما في ذلك على حساب الردع الاستراتيجي والحوار مع الولايات المتحدة (الحوار غائب كلياً في الوقت الراهن)، وفي المستقبل من خلال الحوار الثلاثي بين روسيا والصين والولايات المتحدة، في حال نضج وعي الأطراف لضرورة إقامة مثل هذا الحوار.

الأمر يتطلب تعميق الشراكة الروسية الصينية الشاملة والمبنية على أساس المساواة والثقة والتعاون الاستراتيجي المشترك. هذه الشراكة تحمل طابع قريب من التحالف لكنها تعاني من نقص في تطوير العلاقات على المستوى المتوسط والأدنى، ولاسيما في الأعمال التجارية، ولا يقل أهمية هو عدم وجود العمق الاستراتيجي والحديث يدور عن هدف مشترك للتنمية طويل الأمد.

ويبدو أنه ينبغي أن يكون هذا الهدف المشترك لجميع البلدان الآوراسية يكمن في تحقيق التعاون المشترك للقيادات الخاص بإنشاء الشراكة أو الفضاء الأوراسي الكبير ويمكن أن تتضمن خارطة الطريق الخاصة بصياغة هذا المجتمع بالعناصر التالية:

-         وضع استراتيجية خاصة بالنقل للفضاء الأوراسي الكبير يتم الاتفاق عليها مسبقاً

-         إنشاء منظومة وكالات التصنيف

-         دعم تطوير بنك استثمارات البنية التحتية الآسيوي والبنوك الإقليمية الأخرى ومنظومة سويفت وعدم استخدام هذه المنظومة كسلاح من أسلحة الحرب الاقتصادية، التي تعزز من استقرار النظام المالي العالمي

-         توسيع العمل التجاري من خلال التبادل المالي بالعملات المحلية، وإنشاء أنظمة دفع مستقلة

-         مركز معلوماتي اقتصادي بالتوازي مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية

-         إنشاء شبكة أوراسية، وربما تنظيم المساعدة المتبادلة في الحالات الطارئة والكوارث المناخية والتكنولوجية ومراحل إعادة البناء بعد الأزمات .ويمكن في الحالة الأخيرة إطلاق مشروع تجريبي في سورية

-         إنشاء وكالة تحليلية معلوماتية شاملة مستقلة وضخمة، والتي تجمع بين نشر وجمع المعلومات وتحليلها والربط المشروط لقناة الجزيرة أو قناة بي بي سي مع ستراتفور. التسمية الأولية هي "أوراسيا نيوز". إن مثل هذه الوكالة سوف تسمح لبلدان القارة الحصول على الاستقلال الفكري والسياسي ومقاومة عملية تسييس التدفق المعلوماتي

الهدف من إنشاء هكذا وكالة تحليلية معلوماتية يكمن في وضع نظريات العلاقات الدولية التي تركز على الحقائق الجديدة والمستقبل، والتي تعكس مصالح بلدان الفضاء الأوراسي. الحديث يدور على سبيل المثال عن التعاون والتفاعل بين الحضارات بدلاً من الصراع والتطور المستدام والمتجدد للبشرية بدلاً من الوصول إلى المرحلة النهائية ... إلخ

كما أن الحديث يدور عن التعاون لإعادة السرد التاريخي والثقافي المشترك لبلدان الفضاء الأوراسي، بدءاً من تاريخ إمبراطورية جنكيز خان وصولاً إلى ظاهرة طريق الحرير العظيم الثقافية والاقتصادية وانتهاءً بتاريخ البيزنطة - الإمبراطورية الرومانية الشرقية حيث تدفقت الثقافة الآسيوية والأوروبية، وكذلك الثقافة الأوروبية التي بقيت على قيد الحياة في سنوات الفوضى التي كانت سائدة في بلدان القارة العجوز. في هذا السياق يأتي دور البندقية كبوابة آسيا في أوروبا، والتقييم الجديد للحروب الصليبية. الهدف هو إعادة بناء وإنشاء هوية ثقافية وتاريخية موحدة للمنطقة الأوراسية والعالم، وضرورة نشر التاريخ العالمي وعدم الاقتصار على السرد التاريخي لمنطقة أوروبا التي مازالت تهيمن على العالم.

في مجال الآمن يبدو أنه من المعقول اتباع نهج إنشاء منظومة أمن قارية إضافة إلى الأنظمة القائمة مع الاستعاضة الجزئية والتدريجية للمؤسسات التي عفا عليها الزمن (على سبيل المثال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا). إن السبيل السائد لضمان الأمن في الفضاء الأوراسي الكبير هو إما عدم الانحياز أو الحياد، الخيارات التي يضمنها اللاعبون الكبار في المجتمع الدولي (روسيا والصين والولايات المتحدة...)

على ما يبدو من المجدي إنشاء منظومة الأمن بدءاً بإطلاق منتدى خبراء سياسيين خاص بتنمية التعاون والأمن لبلدان الفضاء الأوراسي الكبير.

على التوازي مع التحرك نحو الفضاء الأوراسي الكبير وتعميق الانعطاف الروسي نحو آسيا في السنوات المقبلة، ربما من المجدي التفكير في تحقيق تعاون مع الشريك التقليدي الأوروبي على أساس سياسي واقتصادي ومفاهيمي جديد. خاصة وأنا استمرار أزمة اليورو يدفع بشكل موضوعي الكثيرين في القارة العجوز إلى إعادة النظر في السياسات الهدامة نحو الاتجاه الروسي. الجدير بالذكر أن الدول الأوروبية تسعى للانعطاف نحو الشرق، حتى أن العديد منها قد خطا خطوات سباقة في هذا الاتجاه.

 

حتى الآن ليس من الواضح كيف يمكن إعادة تشغيل السياسة الروسية الأوروبية، إذ أن الوضع مازال غامضاً للغاية لدى الجيران من غرب الفضاء الأوراسي. لكن من الناحية الموضوعية هناك حاجة إلى مثل هذا المشروع القائم على إعادة التشغيل.

 

 

 

القرار الذي اتخذ في 30 تشرين الثاني/نوفمبر خلال اجتماع أوبك في فيينا والذي ينص على تمديد سيران مفعول اتفاق الحد من إنتاج النفط بمقدار 1.8 مليون برميل باليوم حتى شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، سيكون له تأثير بلا شك على استقرار سوق النفط العالمية، وفي الوقت نفسه سوف يحقق الفوائد المالية والاقتصادية لروسيا، لأنه سوف يزيد من حجم ميزانية الدولة على حساب الموارد المالية الإضافية من صادرات الطاقة. وقد تم التأكيد خلال البيان الذي صدر عقب الاجتماع، والذي شارك فيه 24 وفداً من دول أعضاء منظمة الأوبك والدول غير الأعضاء في المنظمة بما في ذلك روسيا على أن سيران مفعول إعلان التعاون سيبقى صالحاً طيلة عام 2018 من شهر كانون الثاني/يناير وحتى كانون الأول/ديسمبر 2018، حيث وعدت دول منظمة أوبك والمشاركين في الاتفاق من البلدان خارج المنظمة، الالتزام الكامل لاتفاقيات التي تم التوصل إليها وفقاً للتغييرات المتفق عليها والتي طرأت على حجم الإنتاج. (vestifinance.ru)

ووفقاً لتقييم شركة فيغون الاستشارية فإن تمديد اتفاق الأوبك في صيغته الحالية قادر على جلب حتى مبلغ 800 مليار روبل سنوياً للاقتصاد الروسي. (vedomosti.ru)

وقد اعترف وزراء النفط لدول أعضاء منظمة الأوبك خلال محادثات غير رسمية في فيينا أن العمل على إعادة توازن السوق لم يستكمل بعد. وبحسب قول وزير النفط السعودي خالد الفالح، فمن السابق لأوانه الحديث عن استراتيجية للخروج من هذا الاتفاق وذلك لأن منظمة الأوبك وحلفائها يعتمدون الطلب على النفط في الربع الثالث من عام 2018، وذلك من أجل التخلص بشكل نهائي على الاحتياطات الفائضة. ومع ذلك، وبحسب قوله، فإن المملكة منفتحة على النقاش حول كيف يمكن للمجموعة أن تحد من حجم التخفيض بشكل تدريجي للغاية عندما يتم تحقيق أهدافها. (vestifinance.ru)

في الوقت ذاته فقد وصف وزير النفط السعودي الالتزام بالاتفاقات الحالية على أنها رائعة. حيث أوجز خالد الفالح قائلاً أنه من السابق لأوانه الحديث عن الإنجاز التدريجي للصفقة، ولكن الخروج من الاتفاق حول خفض الإنتاج سيكون تدريجياً ومدروساً للغاية. (rbc.ru)

"نحن جميعاً أوصينا في أن يتم تمديد الاتفاق" هذا ما أكده وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك نيابة عن المشاركين خلال الجلسة العامة التي عقدت مؤخراً لاجتماع لجنة الوزراء المشتركة الخاصة بالمتابعة، والتي تضم مندوبين عن الجزائر والكويت وفنزويلا والسعودية، بالإضافة إلى دولتين من خارج منظمة الأوبك وهما روسيا وعمان، حيث يرأس هذه اللجنة روسيا والمملكة السعودية.

وأضاف ألكسندر نوفاك متوقعاً: "جميع الدول الـ 24 سوف تناقش هذا الوضع. لكن أنا متأكد بأن كل شيء سيكون ضمن توصيات لجنة الوزراء المشتركة الخاصة بالمتابعة، والنتيجة ستكون جيدة". (vestifinance.ru)

اتفقت الدول المنتجة للنفط على خفض الإنتاج بمقدار 1.8 مليون برميل يومياً خلال اجتماع منظمة الأوبك في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016. هذا الاتفاق بات ساري المفعول منذ الأول من شهر كانون الثاني/يناير هذا العام، وفي شهر أيار/مايو تم تمديده حتى 31 آذار/مارس 2018. حصة دول الأعضاء في الكارتل الخاصة بخفض الإنتاج تصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً، وحتى 32.5 مليون برميل لمنتجي النفط غير المشمولين بالكارتل، حيث اتفقوا على خفض إنتاجهم بمقدار 558 ألف برميل يومياً. وتعهدت روسيا بالتقيد في هذا الاتفاق والحد من الإنتاج بمقدار 300 ألف برميل يومياً.

ومن بين جميع السيناريوهات الممكنة لتطور الأحداث التي يمكن أن تطرأ خلال اجتماع فيينا الحالي لمنظمة الأوبك، فقد اختار المشاركون أكثر السيناريوهات صرامة وحزماً. في وقت سابق وعلى هامش المنتدى تم مناقشة أحد السيناريوهات الذي ينص على إرجاء وزراء النفط اتخاذ القرار النهائي حول تمديد اتفاق الأوبك، وذلك من أجل القيام بمحاولة قدر الإمكان في ربط هذا الاتفاق مع وتيرة تطور الإنتاج الصخر الزيتي في الولايات المتحدة. وكأحد الخيارات المحتملة جرى الحديث عن عقد مؤتمر قمة استثنائي لمنظمة الأوبك في شهر كانون الثاني/يناير 2018، حيث يتمكن الخبراء من إجراء تحليل إضافي للوضع حول المنتجين الأمريكيين، وبناءً على ذلك يتم تحديد مؤشرات تمديد الاتفاق.

ومع ذلك فقد كانت الكلمة الأخيرة لمؤيدي الإجراءات الأكثر حسماً، والحديث قبل كل شيء يدور عن المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وفنزويلا، الذين أعربوا عن اهتمامهم بزيادة النمو المستدام في أسعار النفط العالمية لأسباب خاصة بهم. فبدلاً من عقد قمة استثنائية لمنظمة الأوبك في شهر كانون الثاني/يناير 2018، فإن تقييم عملية تنفيذ الاتفاق المتعلق بتخفيض إنتاج النفط سيتم خلال الاجتماع الذي تقرر بشكل مبدئي انعقاده في شهر حزيران/يونيو 2018. ويشير المشاركون في اللقاء الحالي في فيينا استناداً للوثيقة التي صدرت: "نظراً لحالة عدم الوضوح المتعلقة بشكل رئيسي بالعرض ونمو الطلب، فسوف يتم في حزيران/يونيو 2018 دراسة إمكانية اعتماد المزيد من الإجراءات وفقاً لشروط السوق والتقدم الذي تم إحرازه في مسألة إعادة توازن سوق النفط ". في الوقت نفسه سيتعين على ليبيا ونيجيريا اللتين كانتا معفيتين من هذه الالتزامات بسبب الوضع السياسي الداخلي المعقد والتهديدات الإرهابية أن تحد من إنتاجها للنفط أيضاً. إذ أن هذه البلدان تنتج 1.3 مليون برميل من النفط يوميا. (vedomosti.ru)

بالإضافة إلى ذلك تم التأكيد خلال الاجتماع على دعم تمديد تفويض لجنة الوزراء المشتركة الخاصة بالمتابعة والتي ينبغي عليها مراقبة تنفيذ اتفاق الأوبك وإعداد مقترحاتها حيال التدابير الواجب اتخاذها من أجل تحقيق الاستقرار في سوق النفط. (opec.org)

على الرغم من العامل الإيجابي المهم وطويل الأمد والذي هو على شكل تمديد الاتفاق الحالي فإن تطور الوضع لاحقاً في سوق النفط العالمية سيعتمد على عدد من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية.

وكما يشار إليه في تقرير منظمة الأوبك فإنه في فترة سريان مفعول اتفاق الأوبك منذ الربع الثالث لعام  2016 حتى الربع الثالث من 2017 فقد تقلص حجم احتياطي النفط التجاري في دول منظمة التعاون الاقتصادي من 3.067 مليار برميل وحتى 2.985 مليار برميل، وحجم الاحتياطي في الناقلات من 1.068 مليار حتى 997 مليون برميل نفط. (opec.org)

ومع ذلك، وعلى الرغم من الديناميكية الإيجابية الثابتة فإن سوق النفط مازال يحتاج إلى توازن، هذا ما أكده ألكسندر نوفاك خلال مقابلة مع قناة أر بي كا عشية اجتماع فيينا حيث أشار قائلاً: "نحن نرى أن السوق تخلص من حوالي 50% من فائض احتياطي النفط، كما أننا نرى أن السعر وصل إلى مستوى مقبول إلى حد ما حوالي 60 دولار للبرميل من علامة برنت التجارية، وبدأت الاستثمارات بالفعل تنمو في عام 2017 في حين أنها كانت منخفضة في 2015-2016. ومع ذلك لم نحقق حتى الآن الأهداف المطلوبة المتمثلة في تحقيق توازن في السوق، واليوم الجميع تقريباً يتحدث الجميع عن ضرورة تمديد الصفقة لفترة زمنية أخرى وذلك من أجل تحقيق الأهداف النهائية". (rbc.ru)

حاول المشاركون في اتفاق أوبك الأخذ بعين الاعتبار قدر الإمكان العوامل التي يمكن التحكم بها من قبلهم، لكنها لا يمكن أن تؤثر على جوانب أخرى خاصة بتطور الوضع، ومن بين هذه العوامل الدور الرئيسي الذي تلعبه صناعة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة. إنتاج النفط في الولايات المتحدة، التي منذ البداية قررت أصلاً عدم الانضمام إلى الصفقة ارتفع في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2016 إلى 11.5% أي ما يعادل حتى 9.7 مليون برميل يومياً.

وفقاً لتوقعات وكالة الطاقة الدولية التي تم الكشف عنها في شهر تشرين الثاني/نوفمبر فإن إنتاج النفط في الولايات المتحدة قادر على النمو بوتيرة أسرع خلال السنوات القليلة المقبلة. واستناداً إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية فإن وكالة توقعات الطاقة العالمية تؤكد بأن قطاع الصخر الزيتي الأمريكي سوف يصل بحلول عام 2020 إلى مستوى إنتاج يومي للنفط  بمقدار 30 مليون برميل، وهذا يساوي تقريباً إجمالي مؤشرات الأوبك حالياً. بالإضافة إلى ذلك، تعتقد وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2027 سوف تصبح الولايات المتحدة لأول مرة منذ عام 1953 بلداً مصدراً للنفط. حتى أن الحكومة الأمريكية تتحدث بشكل متفائل للغاية أي حتى عام 2026.

إن إنتاج النفط المتزايد في الولايات المتحدة هو التهديد الرئيسي لخطط الكارتل المتفق عليها. ويقول فاليري نيستيروف، المحلل في شركة سبيربنك سيب: "لا تستطيع منظمة الأوبك تمديد هذا الاتفاق إلى ما لا نهاية". وبحسب قوله، فإن الاتفاق الحالي يمنح شركات النفط فرصة تنفس الصعداء لفترة زمنية أطول، ويخلق ظروف مواتية لتحسن الأسعار، وسوف يساعد روسيا في عام الانتخابات الرئاسية والمملكة السعودية في عام خصخصة أرامكو السعودية. وهنا يحذر فاليري نيستيروف أنه بعد ذلك، على الأرجح، لن يتم تمديد الصفقة، وستعود الشركات العالمية إلى الفوضى التي سبقت انخفاض أسعار النفط في عام 2014. وتابع يقول ان ارتفاع الاسعار بشكل كبير يمكن ان يعطي دفعة لنمو انتاج الصخر الزيتى فى الولايات المتحدة، التي دخلت،فى شهر تشرين الأول/اكتوبر من هذا العام قائمة اكبر عشرة موردين للنفط الى الصين. (rbc.ru)

انتوني يون مدير قسم الاستراتيجية في الأسواق العالمية لشركة سيتي غروب يتوقع أن أسعار النفط ستكون في عام 2018 على مستوى 54 دولاراً للبرميل (الآن - 62-64 دولار)، وفي عام 2019 ستنخفض إلى 49 دولاراً.

من ناحية أخرى، ومن خلال تقييم آفاق تطور سوق النفط العالمية، ينبغي أن نبالغ في تقدير إمكانيات صناعة الصخر الزيتي. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في الآونة الأخيرة لإنتاج النفط في الولايات المتحدة، فإن المخزونات في صهاريج التخزين في البلاد تقلصت منذ آذار/مارس 2017 بنسبة 12%. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل العوامل الجيوسياسية التي يمكن أن تزعزع استقرار الوضع في العالم، بما في ذلك سوق النفط، مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار النفط. ومن بين هذه العوامل، أولا وقبل كل شيء، إمكانية تعميق التناقضات في صفوف اللاعبين الرئيسيين في العالم حول سوريا والعراق، ومزيد من التدهور في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران والعلاقات السعودية القطرية، والعجز والاضطراب الداخلي في فنزويلا، وتصاعد التوترات المحيطة بكوريا الشمالية.

 

في ظل هذه الظروف، يجب على روسيا الآن أن تعد لنفسها سيناريوهات مختلفة لتطور الوضع، والمدروسة للفترة ما بعد حزيران/يونيو 2018، عندما ينوي المشاركون في اتفاق أوبك + العودة إلى مسألة الحفاظ عليه أو إلغائه أو تعديله.

 

 

في السنوات الأخيرة حل محل المصطلح التقليدي "منطقة آسيا والمحيط الهادي" في خطاب السياسيين والمسؤولين الأمريكيين، وصولاً إلى الرئيس، عبارة جديدة: "منطقة الهند والمحيط الهادي". بالطبع يكشف تغيير المصطلح بشكل واضح تغييراً في نهج السياسة الخارجية بشكل عام. والسؤال ما مدى عمق وأمد هذه التغييرات؟

بحسب رأي النقاد فإن رد فعل الولايات المتحدة على التغيير السريع، في كثير من الأحيان يستمر لسنوات قليلة، لتوازن القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادي أصبح بعيداً كل البعد عن الواقع منذ زمن، علماً أن هذا بدأ قبل فترة طويلة من وصول ترامب إلى السلطة. فعلى سبيل المثال فقد أظهرت جميع الإدارات السابقة التي وصلت إلى السلطة بعد عام 1991، عدم الرغبة في تكثيف إصلاحات الاقتصاد العالمي والتجارة، وكذلك المؤسسات التي يقوم عليها النظام العالمي الحديث. [i]

باراك أوباما هو الرئيس الذي شرع في تغيير الوضع. فقد أعلن في عام 2009 عن عزمه إعادة منطقة آسيا والمحيط الهادي إلى سلم أولويات الولايات المتحدة. وقد افترضت استراتيجية "إعادة التوازن" تكثيف سياسة الولايات المتحدة في مناطق العالم التي كانت في الظل أثناء الحرب العالمية على الإرهاب، التي بدأت بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001[ii]. الإبداع الرئيسي لأوباما كان في الاعتراف الفعلي بأن الصين ليست مجرد "خطراً"، والذي يجب على الولايات المتحدة أن تأخذه في عين الاعتبار في سياستها، ولكن هي "تهديد" مباشر، ليس فقط لأمن الولايات المتحدة وإنما للمصالح الأمريكية. في الوقت نفسه فإن خطط أوباما الطموحة لتعزيز مكانة الولايات المتحدة في أكثر المناطق ديناميكية في العالم، ظلت غير محققة إلى حد كبير. وإن السياسة الأمريكية الغامضة سنحت للصين أن تصبح واحدة من القوتين المهيمنتين في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

نتيجة لذلك، وبحسب رأي المركز التحليلي الأمريكي "ستراتفور"، فإن منطقة المحيط الهادي تواجه حالياً مأزقاً حقيقياً. فالولايات المتحدة لا تطمح بمواجهة مباشرة مع الصين، ولكن في الوقت نفسه لا ترغب واشنطن أن تكون هناك هيمنة للصين أو أي قوة أخرى على المنطقة. بدورها لن تتمكن الصين استراتيجياً من تحدي الهيمنة البحرية الحربية الأمريكية على منطقة آسيا والمحيط الهادي، على الأقل لفترة تتراوح بين 10-15 عاماً. ولذلك فإن خطاب بكين "القومي" حول الادعاءات للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، يسعى في معظمه لتحقيق أهداف سياسية داخلية على الأرجح. ومع ذلك فإن اليابان وبلدان شرق آسيا الأخرى يراقبون بقلق متزايد نمو جمهورية الصين الشعبية.

ويرى الخبراء الأمريكيون أن هذا الوضع يدفع معظم بلدان المنطقة نحو تحالف وثيق مع الولايات المتحدة. غير أن جميع أشكال الحوار بين الدول الموجودة حالياً في آسيا الكبرى لا تسمح، بحسب رأي ناشونال انتريست [iii]، بمعالجة قضايا السلام والأمن بشكل فعال. علاوة على ذلك ليس هناك منظمة دولية في منطقة آسيا والمحيط الهادي تضم جميع بلدان المنطقة ولا تتمتع بجدول أعمال يشمل جميع القضايا الإقليمية. وليس هناك من منظمة، بحسب رأي المحللين الأمريكيين، القدرة على إيجاد قاسم مشترك بين مساعي الصين الهادفة لتحقيق الهيمنة الإقليمية، ودور الولايات المتحدة كقوة آسيوية، ومصالح أوروبا الاقتصادية، ورغبة العديد من دول المنطقة تجنب الاعتماد الكامل على بكين.

الإدارة الأمريكية الحالية مازالت حتى الآن ترسل إشارات متضاربة. فمن جهة، أكد ترامب أن آسيا هي إحدى المناطق الثلاث التي تعتبر من المصالح الحيوية للولايات المتحدة. وخلال انعقاد قمة الأبيك في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر، أكد ترامب الالتزام بالحرية والانفتاح في منطقة الهند والمحيط الهادي. ومن جهة أخرى فإن إعلان واشنطن عن مفهوم "أمريكا أولاً" يترك ورائه سؤالاً غامضاً حول كيف يمكن للبيت الأبيض الدفاع عملياً عن الحرية والانفتاح في المنطقة، رافضة في الوقت نفسه عن النهج التقليدي للولايات المتحدة الذي اتبعته بعد عام 1945 لدعم حرية التجارة. إذ أن الرهان على نظرية "الحمائية الشاملة" يدل على أن ترامب قد تخلى عن مشروع الشراكة عبر المحيط الهادي، والذي يعتبر حجر الزاوية في استراتيجية النفوذ الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادي، التي رسمتها الإدارة الأمريكية السابقة.

كما يتضح من التجربة الأمريكية في إنشاء التحالفات في سنوات الحرب الباردة، فإن هيكلية الأمن بين الدول تحافظ على الاستقرار طالما كانت هناك مصالح مشتركة هامة توحد بين جميع المشاركين في هذه الهيكلية وكذلك وجود نهج مشترك حيال التهديدات والقدرة على تنسيق المصالح المتبادلة لفترة طويلة. وبحسب رأي العديد من الخبراء الأمريكيين فإن جميع المؤشرات المذكورة أعلاه أصبحت موجودة في منطقة آسيا والمحيط الهادي. الولايات المتحدة من جانبها ترغب في عدم زعزعة الاستقرار على نطاق واسع في واحدة من أهم مناطق العالم. وعلى غرار الإدارتين السابقتين، يرى البيت الأبيض بزعامة ترامب بأنه هناك نفس التهديدات في المنطقة: الحاجة إلى الحفاظ على القدرة التنافسية قبل كل شيء استراتيجياً مع الصين. التهديد العسكري من قبل جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالإضافة إلى مشكلة الإرهاب الدولي. يمكن هنا أن نضيف أولوية جديدة لواشنطن برئاسة ترامب وهي تكمن في التهديد من قبل الجريمة المنظمة العابرة للقارات. [iv]

إن جوهر الاستراتيجية في آسيا، والتي بدأت معالمها تتحدد من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، تكمن في أن واشنطن لا تخطط في نهج سياسة الردع بشكل مكثف، ناهيك عن عزلة الصين، وذلك لأن لا الأولى ولا الثانية يمكن تحقيقهما أو مرغوب فيهما في ظل السياق الحالي للعولمة. بدلاً من ذلك تعتزم الولايات المتحدة الحفاظ على وجودها في المنطقة كقوة عظمى تهدف إلى الحد من الآثار السلبية المزعزعة من نفوذ جمهورية الصين الشعبية. [v]

وفقاً للمعلومات المتوفرة من مصادر عامة فإن العنصر الرئيسي للاستراتيجية التي يتم صياغتها يجب أن تصبح الفكرة، التي طرحها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي منذ عدة سنوات حول "اتحاد الديمقراطيات في منطقة المحيط الهادي"[vi]. وعلى دول اليابان وأستراليا والهند والولايات المتحدة أن تشكل عنصراً مركزياً، يحمل هيكلية لصياغة جديدة للأمن والاستقرار الإقليمي في آسيا. والسؤال هل سيتم تحويل "اتحاد الديمقراطيات" إلى مؤسسة دولية، إذا كان الأمر كذلك،  فإنه إلى أي مدى لا يمكن لأحد التنبؤ حالياً بما سيجري في المستقبل. في سنوات الحرب الباردة ظهرت أكثر من مرة في مختلف أجزاء آسيا نماذج للأمن الإقليمي بمشاركة الولايات المتحدة[vii]. جميع هذه النماذج عفا عليها الزمن حتى قبل نهاية المواجهة العالمية أثناء عهد الثنائية القطبية، ويرجع ذلك أساساً إلى عدم قدرة واشنطن مراعاة مصالح الشركاء بموجب الاتفاقات المبرمة. في الوقت نفسه فإن المبادرة الحالية تبدو أكثر طموحاً، إذ يتوقع مؤيدوها أن تنضم معظم دول المحيط الهادي إلى "اتحاد الديمقراطيات" (على الأقل ضمن صيغة الحوار (4+).

الدور الرئيسي الهام، الذي يرمز إلى تغيير اسم المنطقة في تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين من "آسيا والمحيط الهادي" إلى "الهند والمحيط الهادي" [viii] يكمن في تطوير العلاقات الاستراتيجية مع الهند. في الواقع بحسب رأي المراقبين الأمريكيين، فإن الدولتين تجدان المزيد من القضايا المشتركة في العلاقات الثنائية على أساس "القلق المشترك من رغبة الصين في الهيمنة الإقليمية". كما هو معروف فإن الهند هي ثالث أكبر اقتصاد في آسيا وهي قوة نووية لديها نزاع حدودي مع الصين. وبالتالي فإن انضمام الهند في تحالف تقوده الولايات المتحدة يسمح بأن يشكل كفة مقابلة لنفوذ الصين من دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في الوجود العسكري الأمريكي. في الوقت نفسه، وبحسب رأي الخبراء الأمريكيين، فإن ذلك يعطي زخماً جديداً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لأكبر الأنظمة الديمقراطية في العالم، والتي هي في أمس الحاجة إليها حالياً. .[ix]

الرد على المبادرة الصينية "حزام واحد طريق واحد" يمكن أن يكون المفهوم الأمريكي ذي الطبيعة المماثلة. وإن مثل هذه المبادرة يمكن أن تهدف إلى إعطاء زخم جديد للعلاقات الاقتصادية بين أكبر عدد ممكن من حلفاء الولايات المتحدة الحاليين في آسيا والشرق الأوسط. وكمثال على تطور العلاقات في هذا الاتجاه يمكن الإشارة إلى التعاون المتنامي بين الهند وإسرائيل. وأخيراً فإن أداة ردع الصين الهامة ينبغي أن تصبح الآليات الوطنية القائمة والمعلن عنها على مستوى الخطط المشتركة، والخاصة بالتحكم والحد من الاستثمارات الأجنبية المحتملة "العدائية".

وبالتالي يمكن تفسير الإشارات الحالية التي تصدر من إدارة ترامب نحو الاتجاه الأسيوي على أنها محاولة إضافة فكرة تطوير العلاقات التجارية الثنائية مع دول المنطقة بالدرجة الأولى إلى العناصر الجيوسياسية الخاصة بفترة ما قبل عهد أوباما. وبحسب فكرة ترامب فإن هذه الهيكلية تسمح بزيادة العائدات الاقتصادية ونقل العلاقات مع الحلفاء الحاليين والمحتملين إلى المستوى التجاري. وكما يشير الخبير الروسي المعروف فيودور لوكيانوف قائلاً: بما أن محاولة إعادة هيكلة العلاقات مع الصين محفوفة باندلاع نزاع خطير ومكلف، فإن ترامب يتصرف على ما يبدو من خلال المحاكمة، أي من خلال اختبار حدود الممكن، سواء كان ذلك في الاتجاه الصيني وردع وعقاب كوريا الشمالية أو من خلال محاولات ربط دول المنطقة بشكل وطيد وجعلها تدور في محيطها. [x]

من الواضح أن احتمال ظهور "الوفاق الآسيوي" أو حتى "حلف الناتو الآسيوي" بات يشكل مصدر قلق كبير بالنسبة لموسكو. حالياً تتمتع روسيا بالإمكانيات، بما في ذلك المؤسساتية، من أجل الترويج لرؤيتها حيال الهيكلة الأمنية إن لم يكن بالنسبة لآسيا الكبرى برمتها، فإنه على الأقل لجزئها القاري. في حين أن عدد شركاء روسيا المحتملين في منطقة آسيا والمحيط الهادي لا يكاد يكون أدنى من عدد شركاء الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن عملية صياغة وتنفيذ استراتيجية روسية متكاملة لآسيا سوف تتطلب "قيادة فكرية" ودبلوماسية رفيعة المستوى على المدى الطويل.

 

[i] http://www.scmp.com/comment/insight-opinion/article/2121297/america-falters-and-europe-declines-look-east-see-future

[ii] https://foreignpolicy.com/2011/10/11/americas-pacific-century/

[iii] http://nationalinterest.org/feature/how-america-its-indo-pacific-allies-will-redefine-regional-23155

[iv] https://www.whitehouse.gov/the-press-office/2017/11/10/remarks-president-trump-apec-ceo-summit-da-nang-vietnam

[v] http://nationalinterest.org/feature/how-america-its-indo-pacific-allies-will-redefine-regional-23155

[vi] https://www.project-syndicate.org/commentary/a-strategic-alliance-for-japan-and-india-by-shinzo-abe?barrier=accessreg

[vii]  الحديث يدور بالدرجة الأولى بمعاهدة سيتو، معاهدة جنوب شرق آسيا (1955-1977)، التي تضم أستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا وباكستان والولايات المتحدة وتايلند والفلبين وفرنسا. (كوريا الجنوبية وجنوب فيتنام بمثابة "شركاء الحوار"). معاهدة أمن أنزوس - أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، تعمل رسميا حتى الآن. وأنزيوك (1971-1975) - أستراليا وبريطانيا العظمى ونيوزيلندا وماليزيا وسنغافورة، التي لم تدخل فيها الولايات المتحدة رسميا، ولكنها اعتبرت أنها متحالفة.

[viii]  عشية جولة ترامب الآسيوية الكبيرة التي جرت في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، تم تكرار مصطلح "منطقة الهند والمحيط الهادئ" بشكل منتظم في الخطب الرسمية لوزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس.

[ix] https://www.cfr.org/blog/want-free-and-open-indo-pacific-get-india-apec

 

[x] http://www.globalaffairs.ru/print/redcol/Rasshirenie-ramok-19132

 

 

 

إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الصادر في السادس من شهر كانون الأول/ديسمبر، والذي يعترف رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل، أظهر مستوى التصعيد في السياسة المعاصرة للتناقضات الخطيرة بين اثنين من المفاهيم القانونية الدولية الرئيسية: بحكم القانون وبحكم الواقع.

من وجهة نظر الالتزام بالإجراءات السياسية والقانونية المحلية، فقد قام رئيس الولايات المتحدة بمجرد تفعيل القانون، الذي أقره الكونغرس الأمريكي في عام 1995 والذي ينص على نقل السفارة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. هذه الوثيقة تضمنت وقف تنفيذ هذا الحكم لمدة ستة أشهر، وذلك ليتمكن رئيس الولايات المتحدة في كل مرة من اتخاذ القرار المناسب. حتى هذه اللحظة استخدم كل الرؤساء السلف لترامب (وهو أيضاً في هذا العام) هذه الفرصة من خلال إصدار مرسومين ذي صلة في السنة. في هذا الصدد فإن القرار الحالي لا يشكك في استمرارية الامتثال للقانون الأمريكي، حيث أكد دونالد ترامب خلال الكلمة التي ألقاها (nytimes.com) قائلاً: "منذ ذلك الحين مضى أكثر من 20 عاماً، ونحن لم نخطو خطوة واحدة نحو تحقيق سلام دائم وإبرام اتفاقية سلام بين إسرائيل وفلسطين. وسيكون من الغباء افتراض أن تكرار نفس الصيغة سيؤدي إلى نتيجة مختلفة أو حتى نتيجة أفضل. ولهذا قررت أن الوقت قد حان للاعتراف رسمياً بأن القدس عاصمة لإسرائيل".

ومع ذلك، من وجهة نظر "واقع السياسة" فقد تم اختيار الوقت غير المناسب لتفعيل قانون اعتمد في عام 1995، وهذا يشير مرة أخرى إلى خصوصية "النهج التجاري" الذي يسلكه دونالد ترامب حيال الشؤون الدولية. ومن خلال تبرير قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، على الرغم من وضوح المخاطر والتداعيات التي ستنشأ في المنطقة وما حولها، صرح الرئيس الأمريكي أنه عمل وفقاً لواقع الحال، وكذلك عن عزمه القيام بإجراء مماثل "علاج الصدمة" وإعادة إطلاق عملية التفاوض في إطار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، حيث أضاف ترامب قائلاً: "لم أقم بشيء سوى الاعتراف بالواقع، وهذا هو الشيء الذي يجب القيام به وكان علينا القيام به من زمن".

ومن خلال التذكير بأن إسرائيل لديها الحق في تحديد عاصمتها بنفسها، أكد زعيم البيت الأبيض أن القرار الحالي لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن الالتزام بتسوية سلمية للقضية الفلسطينية الإسرائيلية، لا بل على العكس من ذلك، فإن هذا القرار يمثل نهجاً جديداً حيال القضية. في الوقت نفسه كلف ترامب وزارة الخارجية الأمريكية بوضع خطة لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، على الرغم من أنه لم يحدد أي موعد زمني لهذه العملية. ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، استناداً للمتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، فإنه ومن أجل نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس ينبغي الإعداد بشكل جيد لهذه العملية، وبالتالي فإن تنفيذ قرار دونالد ترامب سوف يستغرق سنوات. (rbc.ru).

بطبيعة الحال فقد رحب بقرار الرئيس الأمريكي كل من إسرائيل وكذلك دور النشر والخبراء الأمريكيين المؤيدين تقليدياً للدولة اليهودية. فقد صرح بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن قرار الرئيس الأمريكي "التاريخي" يعكس التزامه بالمبادئ العريقة والحقيقة الخالدة. وبحسب قوله فإن أي سيناريو لتسوية سلمية مع الفلسطينيين يجب أن يتضمن فقرة حول وضع القدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل.

كذلك أشار المحلل إيلي ليك في صفحات المجلة التجارية The Bloomberg View إلى أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ينبغي ألا يصبح نهاية لمحادثات السلام وإنما بداية لها.

طبعاً كان من المتوقع أيضاً أن يكون هناك رد فعل سلبي من الجانب الفلسطيني، حيث صرح الزعيم الفلسطيني محمود عباس بأن بلاده تدين ولا تعترف بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبحسب قوله فإن قرار الرئيس الأمريكي هذا وكأنه تخلي عن دور الوسيط في المفاوضات السلمية. وختم عباس قائلاً: "القدس عاصمة أبدية لفلسطين".

في حين حذر حسام زملط مستشار الرئيس محمود عباس عشية إعلان دونالد ترامب، من التداعيات والعواقب الكارثية لمثل هذه الخطوة. وبحسب قوله فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سوف يكون بمثابة ضربة قاتلة موجهة ضد عملية السلام بين فلسطين وإسرائيل.

أما سفير دولة فلسطين في روسيا الاتحادية عبد الحفيظ نوفل صرح في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية آر-بي-كا بأن السلطات الفلسطينية ترفض بشكل قاطع قرار الرئيس الأمريكي، الذي يجعل من الولايات المتحدة دولة غير مرغوب بها في المفاوضات الرامية للتوصل إلى تسوية سلمية. علاوة على ذلك فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يتعارض مع القانون الدولي، وهنا أكد عبد الحفيظ نوفل قائلاً: "كل ذلك سوف يخلق مقدمات لتصعيد التوتر في المنطقة، التي تشهد بالفعل أوقاتاً صعبة. نحن نؤكد أن القدس الشرقية كانت ولا تزال عاصمة لدولة فلسطين على أساس قرار الأمم المتحدة. (rbc.ru)

في هذا الصدد تحذر دار النشر الفلسطينية "الأيام" بأن ............ الأمريكية ستودي إلى كارثة جديدة وتستنتج قائلة: "ترامب يتحدث مرة أخرى عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والفلسطينيين في حالة من الغضب. والسؤال لماذا تسير الإدارة الأمريكية ضد جميع اللاعبين، الذين يعترفون بأن الجزء الشرقي من المدينة محتل من قبل إسرائيل؟ إن الاستخدام الغبي للقدس ضمن مناورات الولايات المتحدة السياسية هو إحباط أمريكي آخر سوف يصب في حصالة فشل سياسة ترامب. (inosmi.ru)

منذ البداية حث الجانب الروسي جميع الأطراف المشاركة في عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية للتحلي بضبط النفس. وبحسب المعلومات الواردة من المكتب الصحفي للكرملين، فإنه وخلال المكالمة الهاتفية بين فلاديمير بوتين مع رئيس دولة فلسطين محمود عباس، التي أجريت في 5 كانون الأول/ديسمبر بمبادرة من الجانب الفلسطيني، فقد أكد الرئيس الروسي موقف بلاده المبدئي في دعم الاستئناف الفوري للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية حيال جميع القضايا المتنازع عليها، بما في ذلك وضع القدس، والتوصل إلى قرارات عادلة طويلة الأمد، والتي تلبي مصالح الطرفين. (kremlin.ru)

في الوقت نفسه فقد تلقت موسكو قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول القدس بقلق بالغ. وهنا صدر تعليق من قسم الإعلام والصحافة في وزارة الخارجية الروسية (mid.ru) يقول: "نحن ننطلق من حقيقة أن التسوية العادلة والدائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي طال أمده يجب أن يتم التوصل إليها استناداً للقانون الدولي المعروف، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تنص على تسوية جميع جوانب الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية بما في ذلك قضية القدس الحساسة، وذلك في سياق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة. ما يثير القلق هو أن إعلان الموقف الجديد للولايات المتحدة بشأن القدس يهدد بتصعيد إضافي للوضع في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية وفي المنطقة برمتها. وفي هذا الصدد نحن نحث جميع الأطراف المشاركة لضبط النفس والتخلي عن الأعمال التي يمكن أن تكون محفوفة بعواقب وخيمة لا يمكن السيطرة عليها".

تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل سيطرت على القدس الغربية خلال الحرب العربية الإسرائيلية التي اندلعت في السنوات 1947-1949، في حين أن أراضي القدس الشرقية تم الاستيلاء عليها نتيجة حرب الأيام الستة في عام 1967 مع مصر والأردن وسورية والعراق والجزائر. وفي عام 1980 تم إضفاء صفة الشرعية على وضع القدس باعتبارها مدينة موحدة لا تتجزأ عاصمة للبلاد، نتيجة اعتماد الكنيست الإسرائيلي قانوناً أساسياً بهذا الشأن. وردا على ذلك، اعتمد مجلس الأمن الدولي في شهر آب/أغسطس 1980 القرار رقم 478 الذي يدين القانون باعتباره انتهاكا للقانون الدولي.  وشددت الوثيقة على أن "جميع التدابير والإجراءات التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل - باعتبارها دولة احتلال - والتي غيرت أو تهدف إلى تغيير طبيعة ومركز مدينة القدس الشريف، ولا سيما "القانون الأساسي" المتعلق بالقدس الذي صدر مؤخرا من الجانب الاسرائيلي، باطلة وتعتبر ملغية على الفور".

كما دعا القرار الدول الاعضاء في الأمم المتحدة إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من القدس. وقتها امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.                       (Documents-dds-ny.un.org)

في الوقت ذاته، بالكاد يمكن الموافقة على رأي شبلي تلحمي الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد "بروكينغز" في الولايات المتحدة الذي وصف قرار دونالد ترامب بشأن القدس بأنه يتعارض مع المنطق وكذلك مع أولويات الإدارة الأمريكية في المنطقة، أهمها محاربة المتشددين الإرهابيين ومواجهة النفوذ الإيراني (rbc.ru).

حتى لو أننا تجاهلنا حقيقة أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كان جزءاً من مجموعة الوعود التي تحدث عنها دونالد ترامب أثناء الحملة الانتخابية، وكذلك الضغوط التي تمارس من قبل اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة نفسها، والنظر في آفاق تطور الوضع في الشرق الأوسط من أوجه عدة، فإنه علينا أن نشير إلى أن تصرفات واشنطن تستهدف أيضاً، بما في ذلك الهدف المخطط له الرامي إعادة هيكلة الوضع في المنطقة، وعلى وجه الخصوص، تغيير طبيعة بعض التكتلات الإقليمية في سياق ضمان المصالح العسكرية السياسية للولايات المتحدة. وعليه فإن أهم النتائج المترتبة على قرار دونالد ترامب يمكن الإشارة إليها كما يلي:

أولاً- تدهور العلاقات بين تركيا وإسرائيل، والتي كانت تحمل طابع الهدوء حتى يومنا هذا. فأنقرة أعربت عن احتجاجها ضد قرار دونالد ترامب. والرئيس رجب طيب أردوغان وصف القرار الأمريكي بشأن القدس أثناء كلمة ألقاها أمام البرلمان التركي بأنه تخطي للخطوط الحمراء وهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. (rbc.ru)

كما أعرب أردوغان أثناء اتصال هاتفي مع الرئيس فلاديمير بوتين عن القلق الشديد بسبب القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والإعلان عن برنامج لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى هناك. وقد أعرب الزعيمان عن ثقتهما بأن مثل هذه الخطوات يمكن أن تهدد مستقبل العملية السلمية في الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، وبمبادرة من تركيا سوف تعقد في 13 كانون الأول/ديسمبر لهذا العام قمة طارئة في إسطنبول لمنظمة التعاون الإسلامي. (kremlin.ru)

ولخصت الصحيفة التركية ميليت الصراعات في المنطقة قائلة: "إسرائيل هاجمت القاعدة العسكرية لإيران وحزب الله في سورية، وبانتظار الظروف المناسبة سوف ترد إيران بإجراء مماثل. الحرب في اليمن تكتسب بعداً جديداً. والإرهاب مازال يضرب مصر. القضية السورية بعيدة كل البعد عن الاستقرار. وترامب يستعد للإعلان عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وهذه ليست القائمة الكاملة للصراعات في الشرق الأوسط". (milliyet.com.tr)

ثانياً- تعميق التناقضات بين قطر والمملكة السعودية على وجه الخصوص وفي معسكر منطقة الخليج العربي بشكل عام. ووفقاً للمعلومات المتوفرة فإن أحد الدوافع التي حفزت دونالد ترامب لرفع سقف الرهان في العملية شرق أوسطية، كان الرغبة في تعزيز التعاون مع إسرائيل في سياق مواجهة إيران، مضيفاً في نفس الوقت التعاون العسكري والسياسي المناهض لإيران مع الرياض. ولكن فإن آفاق تشكيل تحالف تكتيكي ثلاثي الأطراف بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية سوف يعزز تلقائياً من موقف المعارضة لهذا التحالف من قبل قطر، التي تجد نفسها حالياً في حالة حرب سياسية تجارية مع السلالة السعودية. فأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني وصف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بأنه تصعيداً خطيراً وحكماً بالإعدام على السلام في المنطقة.

وتشير صحيفة ميليت قائلة: "إن مثل هذا القرار سوف يعزز من تدهور سمعة وصورة الولايات المتحدة في المنطقة. ربما ستكون إسرائيل مسرورة من هذا القرار، ولكن سوف يعني أيضاً تعزيز الترسانة الإيديولوجية لإيران وحزب الله وداعش والمتطرفين. من جهة أخرى فإن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سوف يعني ظهور مشكلة جديدة، والتي سيكون من الصعب التعامل معها من قبل بعض الدول المتعاونة مع إسرائيل مثل المملكة السعودية ومصر".

ثالثاً- الموجة التالية من تفاقم العلاقات الإسرائيلية اللبنانية. فقد وصف الرئيس اللبناني ميشيل عون قرار دونالد ترامب بأنه يشكل تهديداً للعملية السلمية والاستقرار في المنطقة. وبحسب رأي الزعيم اللبناني فإن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تراجعت لعقود من الزمن.

رابعاً- عودة المشاكل الفلسطينية الإسرائيلية إلى جدول أعمال الاتحاد الأوروبي مع احتمال وجود تناقضات جديدة في هذه المنظمة. حتى الآن، الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون كان أكثر الرؤساء الذين أدانوا بشدة قرار الولايات المتحدة. فقد صرح بأنه لا يؤيد قرار دونالد ترامب، وإن وضع القدس يجب أن يحدده الإسرائيليون والفلسطينيون من خلال المفاوضات. وقد اتخذ الأمين العام للأمم المتحدة البرتغالي الجنسية أنطونيو غوتيريش نفس الموقف وقال: "ليس هناك بديل عن إنشاء الدولتين، ولا يوجد خطة ب". ومع ذلك يمكن أن يكون هناك في صفوف الاتحاد الأوروبي تأييد خفي لتصرفات ترامب، والحديث يدور قبل كل شيء عن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا الوسطى والشرقية.

خامساً- ينبغي الأخذ بعين آفاق تأثير الولايات المتحدة على عملية التسوية السورية، أولا وقبل كل شيء ضمن إطار ثلاثية أستانا. في هذا الصدد يمكن أن نتوقع حدوث تقارب بين مواقف تركيا وإيران، وهذا بدوره سوف يساهم في خلق صعوبات معينة لروسيا. فموسكو في هذه الحالة سوف تواجه مطالب أنقرة وطهران المشتركة في المجال العسكري والسياسي ولاسيما في مسائل تعزيز وجودهما في سورية.

بالنسبة لروسيا من المهم في ظل الظروف الراهنة الحفاظ على مجال للمناورة. حالياً يتم تحديد حدود هذا المجال من خلال الاعتراف الرسمي بعاصمة إسرائيل مدينة تل أبيب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى من خلال إعلان وزارة الخارجية الروسية الذي تم التصريح عنه في شهر نيسان/أبريل هذا العام حول أنه في سياق إنشاء دولة فلسطين في المستقبل وعاصمتها القدس الشرقية فإن موسكو سوف تعتبر القدس الغربية عاصمة إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك فإنه من الواضح أن موضوع القدس، والتسوية الفلسطينية الإسرائيلية بشكل عام، سوف يصبح في القريب العاجل واحداً من المواضيع الأساسية في العلاقات الروسية الأمريكية، جنباً إلى جنب مع القضايا السورية والكورية الشمالية والأوكرانية. فكما أعلن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف في ختام مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون على هامش جلسة مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون في فيينا التي انعقدت في 7 كانون الأول/ديسمبر 2017 فقد لفت انتباه محاوره للمخاوف التي أعربت عنها الدول العربية والإسلامية بشكل عام وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي فيما يتعلق بحقيقة أن هذا القرار يمكن أن يقوض ويلغي المفاوضات حول إنشاء الدولتين، في الوقت الذي يمكن أن تعيش فيه إسرائيل وفلسطين جنباً إلى جنب ومع بعضهما البعض بأمان. (mid.ru)

 

ومع ذلك فإن التصريحات الدبلوماسية والجدالات يمكن أن تصبح ثانوية في حال دخلت منطقة الشرق الأوسط نتيجة قرار الرئيس الأمريكي، موجة جديدة من تصعيد التوتر بمشاركة اللاعبين الإقليميين (الحديث يدور قبل كل شيء عن إسرائيل وإيران)، وهذا من شأنه أن يجبر روسيا في إعادة النظر بأولوياتها في هذا السياق. 

 

إن قرار البيت الأبيض الذي تم الإعلان عنه قبل أيام سبب عاصفة من ردود الفعل. بالطبع لم يكن هناك قضية أخرى خاصة في ظل الظروف الراهنة يمكن أن تثير جدلاً مثل هذا الموضوع برمزيته وأهميته، حتى لو كان يتعلق بالوضع الداخلي للولايات المتحدة. ولو أنه تم نشر لافتة ضخمة على تمثال الحرية كتب عليها "مغلق للإصلاح" لما تركت صدى بالقدر الذي تركه قرار ترامب هذا، الذي يعتبر بمثابة رسالة إلى العالم الخارجي تشير إلى أن أمريكا تغلق أبوابها من أجل التركيز على الشؤون الداخلية الملحة، خاصة بعد الانطلاقة المتسرعة للإصلاحات في عهد الرئيس أوباما.

هذا القرار مثله مثل كل شيء في الحياة له منطقه الخاص، والذي يجب أن يكون مفهوماً. القضايا الخارجية مؤجلة على الرف. والحلفاء يمكن أن يحصلوا على ما يريدون ولكن على حسابهم الخاص وفي إطار دبلوماسية الشؤون الداخلية. وكل شيء يمكن أن يعيق تحول البلاد سوف يتم تجاهله تماماً، لكن هذا لا يعني التخلي عن عناصر استراتيجية السياسة الخارجية التقليدية، بما في ذلك البقاء على الحلفاء تابعين وخلق مشاكل للمنافسين المحتملين، ولكن ليس على حساب الأولويات الداخلية، وإنما في سياق الأمور ومن أجل الراحة النفسية للنخب.

وما يدل على الوضع المعقد بالنسبة للإدارة الأمريكية وللبلاد على حد سواء، هو حقيقة أن دونالد ترامب اعتبر أنه من الضروري التنازل أمام الناخبين للجناح المتدين ونخب الحزب الجمهوري، الذي لا علاقة له بالعهد الجديد. وهذا ما لم يفعله أي رئيس من قبله. هذا الجزء من المجتمع الأمريكي يؤمن بما يسمى "بالصهيونية المسيحية" في إشارة إلى أن الأماكن المقدسة يجب أن تكون تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين قدوم "المسيح المخلص". الحديث يدور هنا عن حملة صليبية بالوكالة تقودها إسرائيل... ويا للعجب والغرابة. لكن هذه المرة على حساب الولايات المتحدة التي أصبحت وجهاً لوجه في مواجهة العالم الإسلامي بأسره.

ومهما كان الاهتمام كبيراً بمسألة نجاح عمليات التحول في الولايات المتحدة، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتفق مع هذا النهج غير المسؤول الذي يتماشى مع روح "أنا ومن بعدي الطوفان"، والذي يتجاهل مصالح الأطراف الأخرى في الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك الإطار القانوني الدولي الذي تشكل أثناء تسوية هذه القضية. وهذا القرار لا يناسب وضع الولايات المتحدة باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، الذين يتحملون مسؤولية خاصة في صون الأمن والسلم الدوليين.

بعد محاولات تنفيذ استراتيجية تغيير الأنظمة العلمانية في العراق وسورية خلال السنوات الـ 25 الماضية، مع الرهان على هذه الأنظمة الملكية وقبل كل شيء في الخليج العربي، فإن الولايات المتحدة تخلت في الواقع عن هذه الأنظمة الملكية وتركتها على مهب الريح. وليس المهم القضية الفلسطينية بحد ذاتها (من خان وعدد المرات التي تم فيها خيانة الفلسطينيين في هذه المنطقة؟) بالقدر ما هو مهم البعد الديني لوضع القدس ومقدساتها. وهذا يؤثر بشكل كبير على مسألة شرعية الأنظمة الملكية في العالم العربي والإسلامي. ويتجلى هذا الأمر بشكل واضح للمملكة السعودية، التي كانت تعمل على تصدير الجهاد لمدة 40 عاماً. والآن، وبعد انهيار المشاريع الجهادية في العراق وسورية قد تصبح المملكة هي الضحية وفق المبدأ القائل "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها". حتى أن المتشددين الأصوليين لم يخفوا أبداً بأن السيطرة على شبه الجزيرة العربية ومقدساته هي هدفهم النهائي، ناهيك عن أن الولايات المتحدة، من خلال استخراجها للزيت الصخري، أصبحت غير مرتبطة في مجال موارد الطاقة بدول المنطقة.

قرار واشنطن هذا يؤثر على مشروع تحديث المملكة السعودية الحالي، على الرغم من أن نجاحه كان محط شك. وبالتالي فإن انهيار المملكة السعودية، وهذا ما تنبأ به الخبراء والمراقبون منذ فترة طويلة ووضعوا مختلف السيناريوهات، سوف يطرح على جدول الأعمال مسألة التحكم الجماعي للدول الإسلامية الرائدة بالمقدسات الإسلامية في مكة والمدينة المنورة. وبالتالي فإن الطموحات العثمانية الجديدة لأنقرة ليست وهمية تماماً، ومن غير المرجح أيضاً أن يؤدي إزالة القواعد الأمريكية في المنطقة إلى تخفيف العبء عن الرياض وعواصم أخرى، لا بل على العكس. وسوف تكتسب مسألة مستقبل الإسلام وتحديثه، حيث يمكن أن تكون الريادة هنا للإخوان المسلمين وتركيا وقطر، ديناميكية جديدة. المقاطعة الشرقية في المملكة السعودية الغنية بالنفط يقطنها الشيعة، فهل سيصبح الخليج العربي "بحراً شيعياُ"؟ بمعنى آخر أنه من خلال توجيه ضربة واحدة سوف ينهار الهيكل الكامل للسياسة الإقليمية مع علمنا أن هذا الهيكل عاجلاً أم آجلاً كان ينبغي أن يتغير، لكن هذه مسألة أخرى. مع أنه من الواضح أن الغرب قد خسر كل الوقت من أجل تحقيق تحول إيجابي في المنطقة بعد انتهاء الحرب الباردة، والولايات المتحدة ببساطة لم تؤد واجبها لأنها كانت تفرض سياستها على الدول الغربية، وفي نفس الوقت لعبت دوراً سلبياً في تقاعس "الرباعية" للوساطة الدولية في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لمصالح إسرائيل كما تفهمها نخبتها، فقد كان الرهان على إقامة تحالف غير رسمي مع المملكة السعودية ضد إيران. أما الآن ستواجه من الناحية الاستراتيجية، العزلة في المنطقة. حزب الله المحارب (من خلال مشاركته في حرب حقيقية في سورية وفقدانه عدة آلاف من المقاتلين) فإن ذلك كان أخطر بكثير مما حدث في عام 2006. وإن الأسلحة التقليدية من خلال قوتها التدميرية ودقتها في الإصابة باتت تشبه إلى حد كبير أسلحة الدمار الشامل. الولايات المتحدة لن تحارب في المنطقة إلى جانب إسرائيل أبداً وسوف تقتصر على الدعم المالي وتقديم الأسلحة والتقنيات العسكرية. على كل حال هذا ما يجعل التعاطف مع إسرائيل في أمريكا رخيصاً نسبياً.

بالطبع يمكن أن تعتمد إسرائيل على دبلوماسية روسيا، ولكن نحن نعلم بأن الدبلوماسية هي فن الممكن وإن الشيء الوحيد الذي يمكن لموسكو القيام به لإسرائيل هو إجلاء السكان المنحدرين من الاتحاد السوفيتي السابق وأحفادهم. ببساطة فإن التطور العالمي دخل مرحلة عندما ينبغي أن نفكر في ما كان لا يمكن أن يحدث لنا من قبل. وإن ما حققناه في سورية حدث بإرادة شخص واحد، الذي استطاع بدقة قراءة الوضع المعقد ومخاطره وتداعياته، هذا الشخص يتمتع بحس الاعتدال الذي يتناسب مع ثقافتنا وليس مع الثقافة الأمريكية الغربية. نحن وضعنا أهدافاً محدودة وحققناها، ونحن في نهاية المطاف لسنا آلهة. جوهر نجاحنا يكمن في أننا لم نضع خطة خروج مستقلة، وإنما كانت من ضمن استراتيجية النصر من خلال تحديد كل التصورات لأعمالنا من البداية إلى النهاية. نحن بشكل أو بآخر لن نخرج من سورية قريباً ولكن الولايات المتحدة مصممة إعاقتنا في سورية من خلال القيام بأعمال تخريبية ، وهذا بدوره سوف يعقد الوضع في إسرائيل من خلال الحديث عن توقعات عالية وأوهام خطيرة. المهم أن روسيا موجودة في المنطقة بحكم الضرورة، ونحن لسنا سادتها، كما تدعي وسائل الإعلام الغربية التي تحاول أن تعزو إلينا ثقافتها السياسية، ونحن لا نريد التحكم والسيطرة على هذه المنطقة كما فعل الأمريكيون من خلال (الرعاية الاستراتيجية) لهذه المنطقة.

وسيكون من الأفضل أن تقيم إسرائيل علاقات جيدة مع أنقرة، ولكن هي وحدها قادرة على إنقاذ الوضع، وعلى وجه الخصوص سيكون عليها أن تقدم مشروعاً سلمياً واقعياً مع العرب وبسرعة، بما أنه مازال هناك جهة يمكن التفاوض معها. وهنا يبدو أنه لا يوجد لدى إدارة ترامب برنامج حقيقي حول هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه يجب أن نأخذ بالحسبان أنه من الضروري توفير الضمانات الدولية لضمان أمن إسرائيل ضمن جميع السيناريوهات المطروحة. وبالتالي لا ينبغي على إسرائيل أن تصعد الموقف، وإلا هذا سوف يرتد عليها، وسيكون القطار قد فات .على أي حال الحل بيد السلطات الإسرائيلية ولا يمكن لأحد، باستثناء الظروف، أن يفرض الحلول اللازمة عليها.

من مصلحة إسرائيل الإسهام في تحديث المنطقة، وبالتالي ينبغي عليها أن تتعظ من تجارب دعمها للمشاريع الأمريكية الفاشلة، خاصة وأن كل منها أضر في نهاية المطاف بمصالح أمنها، هكذا على الأقل ما تصرح به النخبة الإسرائيلية. يكفي أن نذكر بأن الحرب في العراق حظيت بدعم تحت شعار "الطريق إلى القدس تمر عبر بغداد" (ثم عبر دمشق؟). والآن بعد أن أعلنت واشنطن عن "هديتها الأخيرة" من خلال إغلاق الباب أمام إسرائيل عبر عدم تحمل مسؤولية تقرير مصير الشرق الأوسط، فإنه قد حان الوقت لإعادة تقييم الوضع واتخاذ القرارات التي من شأنها ضمان بقاء إسرائيل في بيئة إقليمية جديدة على المدى الطويل.

بشكل عام نحن نتحدث عن ظاهرة إغلاق فعلي للمشروع الغربي من قبل مؤسسي وأصحابه المستفيدين الرئيسين من الأنغلوساكسون. يبدو أن أمريكا من خلال لعب دور الإمبراطورية أخذت على عاتقها مسؤوليات أكبر مما يمكن أن تتحمل. فعلى سبيل المثال تم رفض مواصلة العمل ضمن إنشاء اثنين من المشاريع العملاقة التي تمثلت في شكل شراكة عبر المحيط الهادئ وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، وهذه الصفعة بسمعة الولايات المتحدة التي لا تعترف بخسارتها. لقد كان البريطانيون أول من أدركوا حقيقة الوضع بما في ذلك قسم مهم من النخبة المحافظة. وقد لعبت تجربتها الخاصة دوراً إيجابياً عندما أصبحت أنقاض الإمبراطورية البريطانية مادة لبناء الإمبراطورية الأمريكية العالمية. الآن هذه الإمبراطورية تنهار، وهي ستكون الأخيرة ولن تكون هناك إمبراطورية أخرى، وينبغي على كل دولة أن تنقذ نفسها بنفسها. ولهذا وتحت شعار "بريطانيا العالمية" اختارت لندن دبلوماسية متعددة الاتجاهات شبيهة بالنموذج الروسي وبنموذج التجارة الحرة الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر. وهنا نفترض بأن هذا الموضوع موجود على طاولة المباحثات لتشكيل حكومة ائتلافيه بين شولتز وميركل، فألمانيا لم تعد ترغب في أن تكون الطليعة ضمن الدول الغربية وذلك لأنه لم يعد هناك مفهوم "العظمة الغربية" كما كان سابقاً، لكن من الضروري إنقاذ منطقة اليورو، على الرغم أنه من الأفضل أخذ زمام المبادرة والبدء بعمل جدي لإنشاء أوروبا الكبرى، بما أن المشروع الأوروبي في شكله الحالي فشل فعلياً (فالألمان لا يريدون أن يدفعوا المزيد من أجل تحقيق التكامل).

 

وعلى أثر سقوط باريس و(فرنسا) في شهر حزيران/يونيو عام 1940 كتبت آنا أحماتوفا تقول: "عندما تنهار الإمبراطوريات، فلأحد يسير في جنازتها ولا أحد يقرأ الآيات ويترحم عليها، ولا يبقى في مكانها سوى الأطلال". في هذه المرة هناك الكثير من قرقعة السيوف- عقوبات من واشنطن وخطاب مناهض لروسيا من لندن. هذا لا يغير شيئاً في جوهر المسألة فالحلفاء والأصدقاء يجب أن يبقوا في الخنادق حتى النهاية.  هذا يعني أن السفينة الأمريكية بدأت تغرق، وبطبيعة الحال لا ينبغي أن ننتظر وقوع الكارثة. وإن القرار المتعلق بالقدس لا يترك أي شك، ليس فقط بين الحلفاء للولايات المتحدة من العرب، حيال جوهر ما يجري من أحداث. 

 

الصفحة 1 من 4