InterAffairs

الأربعاء09202017

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الخميس, 18 تموز/يوليو 2013 19:02

الدبلوماسية الروسية وتحديات القرن الحادي والعشرين

Rate this item
(0 votes)

حديث سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي الى مجلة " الحياة الدولية":  ماهي برأيكم الاتجاهات الايجابية والسلبية في السياسة العالمية اليوم؟ والى اين يمكن ان تؤدي؟  هناك عدة معايير أساسية لتقييم الوضع الدولي الراهن ، والتي يتفق عليها جميع الذين يحاولون استكناه مغزى اتجاهات التطور العالمي.اولا ، ان المقصود هو أننا نمر اليوم في مرحلة انتقالية يمكن ان تعني في جوهرها حدوث تبدل آخر في العصور التأريخية.

وقد ابرز هذه الموضوعة الرئيس فلاديمير بوتين في خطابه في اجتماع سفراء وممثلي روسيا الاتحادية في تموز/يوليو. وتجري تحولات عميقة في الساحة الدولية ، ترافقها هزات في مجال الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية عموما. ثانيا ، تتواصل وتيرة تسارع العمليات التأريخية. ونحن نرى ذلك في استحثاث التحركات التكتونية، كما يقال ، في اعادة تقاسم القوى والنفوذ على الصعيد الكوني ، وفي الاحداث السريعة الجارية في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وغيرها من مناطق العالم. ثالثا ، يبدو جليا للعيان أكثر فأكثر  ان العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تمضي بإتجاه نشوء منظومة متعددة المراكز. وهذا يعني ان مصائر العالم لا يمكن ان تحددها جهة واحدة ما ، حتى لو كانت الدولة الأكثر قوة، ولا التكتلات السياسية والعسكرية التي يواجه بعضها البعض ، كما كانت الحال في فترة " الحرب الباردة" ، أو حتى فئة ضيقة من البلدان والمراكز " المختارة" ذوات النفوذ في العالم. والمقصود هو اقامة منظومة من العلاقات الدولية عادلة وديمقراطية ومستقرة ، ومثالية- في مضمار التحكم بالذات. أما فيما يتعلق بما يقال حول الاتجاه الايجابي والآخر السلبي فأعتقد بأنه من حيث المبدأ يمكن القول بشكل قاطع ان اتجاه التطور العالمي هو ايجابي ، اما وصفه انطلاقا من  معايير " اسود – ابيض" فهو أمر لا جدوى منه. وفي الوقت نفسه يمكن القول بقدر كبير من الثقة انه لا يمكن ايجاد أجوبة عن التحديات المشتركة للجميع، في العالم المعاصر الذي يغدو "عولميا"، الا في طريق  الشراكة الحقيقية وعلى اساس التكافؤ والاحترام المتبادل وبمراعاة مصالح وهموم بعضنا البعض. وأظن أنه يمكن إعتبار ان إدراك هذا الواقع والأفعال التطبيقية على أساسه هو أحد أكثر الاتجاهات إيجابية في عصرنا.  اذ تشخص أمام جميع الاعضاء المسئولين في المجتمع الدولي مهام متشابهة جدا فعلا ترتبط بتهيئة الظروف  من اجل التطور الاقتصادي والاجتماعي المتوازن وتعزيز السلام والامن الدوليين وتسوية الأزمات والمضي قدما في درب التعاون الدولي الواسع. والأمثلة على صواب هذا الموقف كثيرة منها – نشاط بعض التنظيمات مثل " مجموعة العشرين " و" مجموعة الثماني" و"بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون، وعموما يتعزز دور المؤسسات بهيئة شبكات في السياسة العالمية- بلا ريب مع وجود الدور التنسيقي الرئيسي لهيئة الامم المتحدة. كما تتمثل في الاعمال المشتركة لإزالة الاخطار الكثيرة ومنها خطر انتشار اسلحة الدمار الشامل والإرهاب والقرصنة  وكثير غيرها. وبالتالي فإن الظواهر السلبية في العلاقات الدولية اليوم ترتبط ، بالعكسس ،  بتكرار الافعال الوحيدة الجانب والمحاولات لفرض البعض قيما معينة على الآخرين ، وابتغاء تحقيق أفضليات جيوسياسية للبعض ، وليكن ذلك تحت واجهة  أكثر الشعارات نبلا. انها ترتبط بإشتداد نزعة العداء للاجانب والتعصب وشتى اشكال التمييز والنهيلستية الحقوقية. ان هذا كله يمكن ان يقود الى الانزلاق نحو الفوضى وانفلات الاوضاع في الشئون الدولية. وفيما يخص روسيا فإن فلسفة العمل البناء المشترك تكمن في أساس السياسة الخارجية لبلادنا. ونحن على استعداد للمضي قدما الى الامام في تطوير التعاون المتعدد الابعاد والطويل الاجل مع كل من يبدي استعداده لذلك. وبلا شك اننا سنواصل الاسهام برصيدنا في تحليل العمليات الجارية في العالم ، وبضمن ذلك في إطار العمل في تنفيذ تكليفات رئيس روسيا الاتحادية في مجال اعداد الصيغة الجديدة لمبادئ السياسة الخارجية قبل نهاية العام الحالي. وسنعمل طبقا للمهام التي يطرحها الرئيس أمام الدبلوماسية الروسية على ممارسة التأثير في الوضع بالاخص حيثما يمس ذلك مصالح روسيا بصورة مباشرة ، والاستعداد لكافة تطورات الوضع المحتملة.  ما هو تقييمكم للوضع الناشئ في العلاقات الدولية الراهنة في ظروف "ما بعد اتفاق يالطا للسلام"؟ ويتولد انطباع بأنه يشن هجوم عنيف على هيئة الامم المتحدة التي انشئت بعد الحرب العالمية الثانية والتغطية القانونية للعلاقات بين الدول. هل يدل ذلك على الانتقال الى شكل آخر للعلاقات الدولية ؟ إذا ما يفهم من اتفاق السلام في يالطا والنظام العالمي الناشئ بعده هو هيئة الامم المتحدة فإنني لا ارى صيغا قابلة للحياة تدعو الى استبدال هذا الكيان. ان ميثاق هيئة الامم المتحدة هو وثيقة نادرة وضعتها الدول المنتصرة على موجة النصر في الحرب العالمية الثانية. وقد ارسيت فيه منذ البداية المبادئ التي تحتفظ بأهميتها الحيوية بصورة كاملة في أيامنا هذه. والمقصود بالأمر المساواة السيادية بين الدول ومبدأ أولوية القانون في العلاقات الدولية القائمة على مبادئ عدم التدخل في الشئون الداخلية واحترام سيادة أية دولة ووحدة اراضيها والطرق الجماعية في اتخاذ القرارات. بعبارة أخرى  ان ميثاق هيئة الأمم المتحدة " مبرمج" بصفته وسيلة للتحكم بالعالم المتعدد الاقطاب الذي يمكن في الظروف الراهنة ان يضمن استقرار النظام العالمي المعاصر. إن فترة " الحرب الباردة" ، حين نشأ قطبان في التوازن الدولي المدعوم بالمواجهة العنيفة بين الدولتين الأعظم – اي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي – والتكتلين العسكريين – السياسيين – الناتو ومنظمة معاهدة وارشو ، كانت ظاهرة شاذة بالنسبة الى المبادئ التي ارسيت في ميثاق هيئة الامم المتحدة. وبعد انهيار نظام القطبين اقتنع الجميع بانه لا يمكن ان يوجد عالم وحيد القطب ، أن أية دولة ومنها الولايات المتحدة لا تستطيع تدبير الشئون الدولية لوحدها.  وبعد ظهور مراكز النمو الاقتصادي والقدرات المالية وبالتالي النفوذ السياسي اقتنع الجميع بأن النظام العالمي الجديد يجب ان يكون متعدد المراكز. انها عملية طويلة جدا ، ونحن في أوجها. ان تشكيل هيئات مثل " مجموعة العشرين" وتنامي دور " بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون في حل المشاكل الدولية وتعزيز اتجاهات التكامل في امريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا هي من مظاهر عملية تشكيل  النظام العالمي المتعدد المراكز. علما ان القاعدة القانونية لعملها موجودة و لاحاجة الى التفكير في استحداثها. انها ميثاق هيئة الامم المتحدة الذي أريد به ان يصبح اداة التحكم بعمليات التعاون المتعدد الاطراف. نحن تجاوزنا فترة " الحرب الباردة". وهذا كان حكم الزمن: فزال من الوجود الاتحاد السوفيتي ومنظمة معاهدة وارشو ، وظهرت دول جديدة كبيرة ومؤثرة يجب أخذها بنظر الاعتبار. ان نقاد سياستنا في الغرب يقولون ان مجلس الأمن الدولي أصبح " مشلولا" لأن روسيا والصين استخدمتا حق الفتيو حيال مشاريع القرارات الرامية الى إسقاط النظام في سورية. وهذا الموقف بعيد عن الحقيقة جدا.  فنحن استخدمنا الفيتو ضد قرارات موجهة لتغيير النظام في دولة ، وميثاق هيئة الامم المتحدة لا يسمح بالتدخل من الخارج من أجل تغيير انظمة الدول الموجودة ، ويطالب بإحترام  سيادة الدول ووحدة اراضيها. وبذلك فان روسيا والصين قد دافعتا عن ميثاق هيئة الامم المتحدة لدى التصويت على مشاريع القرارات الموجهة ضد سورية. علاوة على ذلك ان حق الفيتو هو جزء لا يتجزأ من ميكانزم اتخاذ القرارت الذي وقعته كافة الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة.انها وقعت ميثاق هيئة الامم المتحدة ومبادئ حق الفيتو كما أبرمت هذه الوثيقة. لقد أريد بحق الفيتو ليس منح الافضليات الى الاعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الامن الدولي. وقد أرسيت طبيعة هذا الحق من قبل مؤسسي هيئة الامم المتحدة وتكمن جذوره في التفهم العميق لحقيقة لا مواربة فيها هي ان القرارات لن تطبق اذا لم يؤخذ بنظر الاعتبار رأي الدول المتنفذة. وأعيد الى الأذهان ان عصبة الأمم انهارت بالذات لأنه تم فيها تجاهل مصالح الدول الكبرى. ولدى تأسيس هيئة الأمم المتحدة أصرت الولايات المتحدة بالذات على إدراج حق الفيتو في ميثاق هيئة الامم المتحدة بغية الأ تتكرر التجربة البائسة لعصبة الأمم. لهذا فان الأساس القانوني لتطور العلاقات الدولية في الظروف الراهنة موجود. وهوصالح للعمل تماما واثبت شموليته. والآن تتوفر لدينا فرصة نادر لتطوير العلاقات الدولية وإقامة نظام عالمي جديد على الأساس الذي أيدته جميع الدول التي أقرت وأبرمت ميثاق هيئة الامم المتحدة.  تشارف على الانتهاء الفترة الرئاسية الأولى لباراك اوباما. وقد اقترح الامريكيون منذ البداية سياسة " أعادة تشغيل" العلاقات مع روسيا. فما هي برأيكم نتائج هذه الفترة من العلاقات الروسية – الامريكية ؟ عندما أعرب الرئيس باراك اوباما وفريقه قبل عدة سنوات استعدادهم لتجديد العلاقات الثنائية بصورة جدية وتسوية المشاكل المتراكمة رحبنا بهذه المبادرة. علما اننا منذ البداية نوهنا بأن من غير الممكن معالجة المهام الشاخصة أمام بلدينا بصورة فعالة إلا على اساس مبادئ الاحترام المتبادل والمراعاة الفعلية لمصالح الطرفين والنزاهة والمواقف القابلة للتكهن. لقد اثبت جدواه إتجاه التعاون المحدد آنذاك. وبفضل الجهود المشتركة تسنى تحسين جو الحوار وتوسيع نطاقه. وعموما تحققت نتائج ايجابية في عدد من المجالات- في الاقتصاد وضمان الاستقرار الاستراتيجي وتطوير العلاقات الانسانية. وأشير الى بعض الانجازات الملموسة في الاعوام الاخهيرة مثل معاهدة ستارت وانضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية وعمل اللجنة الرئاسية الروسية – الامريكية وتسهيل اجراءات منح تاشيرات السفر. وأمامنا جدول عمل مكثف يجري التركيز فيه على إكساب التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري ديناميكية جديدة نوعيا. وكلما تعمقت علاقات البزنيس بيننا أكثر  تغدو أكثر متانة " شبكة التأمين " التي تضمن سلامة العلاقات الروسية -الامريكية من تقلبات الاوضاع السياسية. وسيعار إهتمام كبير ايضا الى تهيئة الظروف المناسبة من اجل المبادلات الانسانية والتعليمية والعلمية والثقافية. طبعا ، ان المشاكل كثيرة أيضا.وتتصدر الخلافات مشكلة الدرع الصاروخية ولا يجوز التقليل من خطورتها. ويبدو ان الولايات المتحدة تتخذ القرارات بهذا الشأن ثم يتبعها حلف شمال الاطلسي  بدون مراعاة المصالح الروسية. والشئ الاساسي بالنسبة لنا هو ألا تؤدي وسائل اعتراض الصواريخ التي تنصبها الولايات المتحدة الى تقويض قوى الردع الروسية ، والى اختلال توازن القوى الناشئ على مدى عقود السنين. يجب تحديد الاطر القانونية الدقيقة للتعاون في مجال الدفاع المضاد للصواريخ وبضمن ذلك توفير الضمانات الملزمة قانونيا بعدم توجيه وسائل الاعتراض الامريكية ضد روسيا وقواتنا النووية( وكذلك ضد أية بلاد اورو-أطلسية) والاتفاق بشأن المعايير العسكرية – التقنية التي تتيح مراقبة الالتزام بهذه الضمانات. ومن المفهوم ان معالجة مثل هذه المسألة وكثير غيرها من المشاكل العالقة ستتم بعد اختتام الماراثون الانتخابي في الولايات المتحدة. ونحن عى استعداد بغض النظر عن نتائج الانتخابات لتطوير الحوار السياسي مع الولايات المتحدة بذلك القدر من الكثافة الذي سيبديه الزملاء الامريكيون. وانطلاقا من انه سيقوم على اساس مبادئ المساواة وعدم التدخل في الشئون الداخلية والتخلي عن المحاولات لفرض تصورات وحيدة الجانب بشأن القضايا الداخلية لكل بلد والتعاون على الصعيد الدولي. يشير كثير من الخبراء بقلق بالغ الى تقلص دور القانون الدولي في الحياة الدولية المعاصرة. ولا تنفذ السياسة الواقعية للعديد من البلدان ضمن إطاره. هل توافقون على هذا الرأي ؟ ماهو تقييمكم لتطبيق القانون الدولي في الظروف الراهنة ؟ وهل يمكن تقوية هذا الدور؟ - يصعب علي الموافقة على مثل هذه التقديرات المتشائمة. ولو أنني أتفهم الخبراء الذين يدلون بها. ان المحاولات لنسف المبادئ الاساسية لميثاق هيئة الامم المتحدة ، ومنها احترام سيادة الدول ووحدة اراضيها ، والافعال التي تتم بالالتفاف على القانون الدولي والاسلوب السائد في اتخاذ القرارات، والتي نراها في الفترة الأخيرة ، تقود الى  عواقب سلبية جدا ، وتتحول الى اشتداد عدم الاستقرار في العلاقات الدولية. ولا يستحق الأمر الغلو في اعلان الانذارات والمخاوف ، ويجب الارتكاز على التقييمات الواقعية للأحداث الجارية. ان مثل هذا الموقف فقط يسمح لنا بمواكبة التغيرات الجارية في الشئون العالمية. لقد انتشرت وجهة النظر بصدد تقلص دور القانون الدولي في اوساط الخبراء الدولية قبل كل شئ بسبب افعال الناتو المعروفة في غياب او في انتهاك قرارات مجلس الأمن الدولي. ودعنا نبحث جوهر الأمر. تم قصف يوغسلافيا في عام 1999 بدون وجود تفويض من قبل مجلس الأمن الدولي. لكن القائمين به أخذوا فيما بعد يبحثون عن الشرعية عن أفعال جرت سابقا. وتم الاتفاق على قرار مجلس الامن الدولي 1244 الذي أكد على وجوب معالجة قضية كوسوفو مع احترام سيادة صربيا والجبل الاسود. وبدا ان الوضع عاد الى مجراه القانوني ، لكن جرى انتهاك هذا القرار بفظاظة حين اعترف الغرب من جانب واحد بإستقلال كوسوفو. وإذا ما عدنا في الذاكرة الى الحرب في العراق فإن زعماء الناتو حاولوا آنذاك أيضا الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي ، ولو ان هذا جرى كما اتضح الآن بذريعة مصطنعة. ولم يتسن لهم ذلك فشرعوا بالعمليات العسكرية بدون الحصول على التفويض المطلوب. ومع ذلك سرعان ما أخذت الولايات المتحدة تطلب بإلحاح دعم مجلس الأمن الدولي لعقد مؤتمر المصالحة الوطنية في العراق.  وقد تطلب الواقع الموضوعي القيام بمثل هذه الخطوة ، وأضطر الناتو الى الرجوع الى آليات القانون الدولي. أما في ليبيا فإن الناتو لم يقدم على العمل بدون تفويض مجلس الأمن الدولي لأنهم كانوا في الحلف يدركون ان الاسرة الدولية لن تصادق على القرار الوحيد الجانب لأعضاء الحلف. وقد تم الحصول على هذا التفويض. إلا انهم إستغلوا ذلك بشكل فظ للغاية ، لكن هذه مسألة أخرى وقد تحدثت عنها القيادة الروسية أكثر من مرة. في البداية انهم حاولوا استغلال الوضع في ليبيا بعد الأزمة لوضعه خارج إطار هيئة الامم المتحدة ، لكن سرعان ما أعيدت القضية اليها. وأجذب انتباهكم الى ان المفاهيم الاستراتيجية للناتو تؤكد بصراحة ان البلدان الاعضاء ف يالحلف ستتخذ التدابير في كل مكان لحفظ السلام والأمن بشرط احترام القانون الدولي. اما بصدد التحريف في تفسير القرارات فأننا سنتخذ كافة التدابير من أجل ألا تكون هناك أية تأويلات مزدوجة لتفويضات مجلس الامن الدولي. وثمة أمر آخر. يسود في  اوساط المنظرين الغربيين رأي مفاده  ان من الممكن الآن ان تستخدم بدلا من تفويض هيئة الأمم المتحدة مبادئ " التدخل الانساني".  بيد ان هؤلاء المنظرين أنفسهم اعترفوا بأنها لا تتفق مع القانون الدولي. وظهرت أيضا مفاهيم " المسئولية عن الحماية". لكن ثبت في الوثيقة الختامية لقمة عام 2005 التي أعطت هذه المفاهيم " الحق في الحياة " ان عنصرها القسري(العسكري) لا يمكن ان يطبق إلا بموافقة مجلس الامن الدولي. وبذلك فإن ميثاق هيئة الامم المتحدة يبقى بصفته ركيزة العلاقات الدولية بالرغم من المحالاوت  لزعزعة هذه المنظومة وفق مبدأ " يمكن ان يفسر المرء القانون حسب هواه". والآن سأتحدث بإقتضاب عن تقوية دور القانون الدولي.  ان الترسيخ الدائب  لمبدأ سيادة القانون في الشئون العالمية يعتبر من ألاولويات الحيوية لدبلوماسيتنا. وتجري في الوقت نفسه عملية تطوير وتحديث بعض الاحكام القانونية. فمثلا بدأ العمل في تطوير التعاون في مجال مقاومة القرصنة البحرية وبضمن ذلك استحداث آلية دولية لمعاقبة القراصنة. بالمناسبة يجب ألا ننسى ان أسس القانون الدولي مثل صلاحيات مجلس الأمن الدولي بموجب الميثاق، واسلوب إتخاذ القرارات فيه أو مثلا مبادئ اتفاقية هيئة الامم المتحدة حول قانون البحار، وتم الاتفاق على ذلك بنتيجة مراعاة المصالح المعقدة والمتشابكة للدول. لهذا تنبغي صيانتها من المحاولات القصيرة النظر لتدميرها، والتعامل مع مجمل التحديات بهذا الشأن بصورة متوازنة للغاية، وبإدراك كامل للمسئولية الكبيرة عن ذلك.  في الآونة الاخيرة ترددت الاحاديث حول وجوب اجراء اصلاح ما لهيئة الامم المتحدة. وألمح بعض السياسيين في الخارج  حتى الى ان هيئة المتحدة هي " مؤسسة مضى عهدها"  وهي لا تستطيع في الظروف الراهنة  التعامل  مع تحديات الزمن. ما هو تقييمكم لمثل هذه الأقوال؟ وكيف ترون مكانة ودور هيئة الامم المتحدة  في الشئون العالمية؟ لا يوجد أي شئ جديد في الاحداث حول اصلاح هيئة الأمم المتحدة . لقد كانت هذه المنظمة العالمية دائما وطوال اكثر من نصف قرن من وجودها في طليعة السياسة العالمية والخطاب الجيوسياسي وعموما كانت تتجاوب مع واقعيات العصر بفضل قدرتها على التكيف معها بسرعة. وإذا ما أعدت صياغة قول ونستون تشرتشل المعروف حول الديمقراطية فبوسعي القول ان هيئة الامم المتحدة غير متكاملة لكنها افضل ما يمكن ان تستحدثه البشرية. ولنستعيد في ذاكرتنا .. ان ولادة هيئة الامم المتحدة بحد ذاتها كانت ممكنة بفضل الحلول الوسط التي توصل اليها زعماء الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا الذين نشأت بينهم الثقة والتفاهم المتبادل في سياق النضال ضد النازية. لقد تغيرت الساحة الجيوسياسية في النصف الثاني من القرن العشرين بوتائر متسارعة ، ويكفي ان نتذكر مثلا العمليات العاصفة لتصفية الاستعمار -  وكانت هيئة الامم المتحدة ذات فعالية بفضل الارادة السياسية للدول الاعضاء فيها في كل مرحلة تاريخية . والآن ايضا تبقى هيئة الامم المتحدة المحفل العام للحكومات الذي يتمتع بشرعية يعترف بها الجميع ، حيث تبحث الدول سوية عن الحلول للقضايا الأكثر حدة  التي تخص الجميع بلا استثناء. ويساعد التعاون بين الدول في هيئة الامم المتحدة على حفظ السلاكم عن طريق تعزيز علاقات الشراكة وتوسيع جدول الاعمال الموحد وتكمريس سيادة القانون. في الواقع ان اصلاح هيئة الامم المتحدة جار فعلا – اذ يتم استحداث مؤسسات جديدة ، وتحسين جدول العمل ، كما ان اعمال حفظ السلام تجري بفعالية أكبر. والمهم ألا يتم الاصلاح بمعزل عن الواقع ، وألا يغدو هدفا بحد ذاته ، والشئ الرئيسي ألا يصبح ذريعة فارغة لتدمير عناصر ارتكاز منظومة العلاقات الدولية. وفي ظروف إعادة البناء الجذرية لمنظومة الادارة العالمية بإتجاه خلق نموذج متوازن وعادل اكثر ومتعدد المراكز فإن اعادة النظر في احكامها الرئيسية ستؤثر حتما على الأمن في العالم. ثمة حاجة ماسة أكثر من اي وقت مضى على ساحة هيئة الامم المتحدة الى بذل جهود  مشتركة في نزع السلاح ومكافحة الارهاب والجريمة وتهريب المخدرات ، والقيام بخطوات جماعية بهدف معافاة الفضاء المعلوماتي الموحد. ويتطلب الأمر اجراء حلول عاجلة لقضايا تجاوز عدم التوازن غير المسوح به  في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان والمناطق ، وتعزيز مجال الطاقة وتوفير الغذاء وصيانة البيئة. ومما يؤسف له ان كشف " البلدان الفاشلة " يزداد باستمرار ، أما مهمة هيئة الامم المتحدة فهي التعامل بدقة مع الاخطار المنبثقة حديثا ، وعدم السماح بالتشتت والانقسام في صفوفها . ومن المهم على الاخص احترام مبدأ ميثاق هيئة الأمم المتحدة حول وحدة الاعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بأعتبارها شرطا حيويا لإتخاذ القرارات  بصدد تطبيق التدابير القسرية. ويغدو حيويا أكثر فأكثر دور هيئة الامم المتحدة في درء وتسوية النزاعات والاعمار بعد الأزمات. لكن فعالية هيئة الامم المتحدة هنا تتوقف بصورة مباشرة على مدى إلتزام الدول الاعضاء  إلتزاما نزيها بالمبادئ الاساسية لميثاق هيئة الامم المتحدة  وهي احترام سيادة الدول ووحدة اراضيها وعدم التدخل في شئونها الداخلية والتسوية السلمية للنزاعات. وأنا تحدثت عن هذا سابقا. ويثير القلق الشديد بهذا الصدد صدور دعوات الى استخدام اساليب القوة من جانب واحد ، وذلك بالالتفاف على مجلس الأمن الدولي. طبعا ان أي سياسي سليم التفكير او خبير في مجال العلاقات الدولية لن يوافق على شطب المنظمة العالمية من الوجود. ان الهدف من مثل هذه الاقوال الاستفزازية والخالية من أي اساس هو واحد – اطلاق ايدي الراغبين في تطبيق  السياسة الدولية حسب هواهم، دون اعتبار لرأي الشركاء في العلاقات الدولية.  ولهذا بالذات يعتبر عمل هيئة الامم المتحدة بهدوء وبتلاحم ، نظرا لكونها ساحة كبيرة للحوار، بمثابة "مصل " طويل الاجل ضد " فيروس الفوضى" في العلاقات الدولية.  تغدو واعدة أكثر فأكثر آفاق الاتحاد الجمركي ومنطقة التجارة الحرة لبلدان رابطة الدول المستقلة. ومنذ فترة قريبة قرر الرئيس الاوكراني فكتور يانوكوفيتش ان تنظم  بلاده الى منطقة التجارة الحرة. حدثنا رجاء كيف ستكون العلاقات بين روسيا وبلدان رابطة الدول المستقلة في ضوء المفاهيم الجديدة للسياسة الخارجية لروسيا الاتحادية التي يجري اعدادها الآن؟ إنني تطرقت الى موضوع اعداد الصيغة الجديدة لمفاهيم السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية. ونحن نأمل في ان تكون وثيقة كبيرة وعميقة المحتوى تعكس طائفة واسعة من المهام في مضمار طرح الاولويات الحيوية لنشاط بلادنا على الصعيد الدولي ، والمحددة في مرسوم الرئيس فلاديمير بوتين " حول تدابير تنفيذ نهج السياسة الخارحية لروسيا الاتحادية" الصادر بتأريخ 7 مايو/ايار الماضي. لقد أكد فلاديمير بوتين في خطابه في اجتماع السفراء والمبعوثين الدائمين الروس على ضرورة تقوية العمل في الاتجاه المحوري – في العلاقات مع بلدان رباطة الدول المستقلة ومنها أقرب شركائنا في التكامل – أي الشركاء في " ترويكا " روسيا وبيلاروس وكازاخستان التي شكلت الاتحاد الجمركي وشرعت بالعمل في المجال الاقتصادي الموحد. ان توطيد التعاون المتعدد الاطراف وتعميق عمليات التكامل في فضاء الرابطة يمثل نهجا نحو المستقبل الاستراتيجي ويعكس التوجهات الموضوعية لعصر العولمة ، وبضمن ذلك تعزيز دور المنظمات الاقليمية. وكان هذا وسيبقى من الاولويات الراسخة للسياسة الخارجية الروسية. وفي الفترة الاخيرة حقق التكامل في مجال رابطة الدول المستقلة وتائر تقدم باهرة. ونحن نبحث في تقديمه بصفته أحد العوامل الجدية في ضمان الاستقرار والنمو الاقتصادي على النطاق العالمي. وتتسم بأهمية خاصة جهودنا في مضمار بقاء المخاطر المرتبطة بظواهر الأزمة في منطقة اليورو، والمشاكل في أسواق الولايات المتحدة والصين وبلدان أخرى.وتتمثل الأداة الفعالة في مواجهة الأزمة العالمية في العمل على إزالة الحواجز في التجارة المتبادلة وضمان حرية تنقل السلع والخدمات والرأسمال والقوى العاملة. والشئ الرئيسي انه يجلب منفعة اقتصادية فعلية يتحسسها السكان في البلدان الاطراف في المنظمات التكاملية. ويتجسد هذا المردود التطبيقي ليس فقط بأرقام زيادة الناتج المحلي الاجمالي والتبادل التجاري بالرغم من انها كبيرة. وعلى سبيل المثال فمنذ بداية العمل الواسع النطاق للإتحاد الجمركي ازداد التبادل السلعي بين روسيا وبيلاروس وكازاخستان بحوالي 40 بالمائة. كما ان النتيجة المباشرة لعمل الاتحاد الجمركي يتمثل ايضا في توفير فرص العمل الجديدة وخفض الضرائب وتحسين ظروف عمل البزنيس ، المتوسط والصغير ضمنا ، وتحسين المناخ الاستثماري العام في بلداننا. وبدأت العمل منذ اول شباط/فبراير اللجنة الاقتصادي الاوراسية- وهي هيئة موحدة دائمة فوق قومية للأتحاد الجمركي والمجال الاقتصادي الموحد التي ستمنح تدريجيا صلاحيات جديدة وجديدة. لقد ثبتت اهداف العمل في " الترويكا" مستقبلا في البيان حول التكامل الاقتصادي الاوراسي الصادر عن المجلس الاقتصادي الاوراسي الاعلى بتأريخ 18 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011 . وبموجب " خارطة الطريق " هذه يجب ان تكون نتيجتها التوصل قبل اول يناير/كانون الاثني عام 2015 الى أقامة الاتحاد الاقتصادي الاوراسي بين هذه الدول. ونحن نعتبر ذلك من الاولويات الراسخة لعملنا في مجال رابطة الدول المستقلة والمهمة الاساسية لسياستنا الخارجية. سيبدأ في 20 سبتمبر/ايلول الحالي بالنسبة الى روسيا وبيلاروس واوكرانيا سريان مفعول المعاهدة الجديدة حول التجارة الحرة ضمن اطار رابطة الدول المستقلة. ونحن على يقين من انه بعد سريان مفعولها ستكتسب نبضة اضافية علاقاتنا الاقتصادية مع دول الرابطة.ونحن نأمل في وتيرة تطور طيبة مع اوكرانيا وهي شريك تجاري كبير لروسيا بين بلدان رابطة الدول المستقلة. إننا سنرحب اذا ما انضمت الى المعاهدة بلدان رابطة الدول المستقلة الأخرى التي لم تفعل ذلك بعد. ومعروف ان اذربيجان وتركمنستان واوزبكستان تجري مباحثات بهذا الشأن. وبذلك  تجري في فضاء رابطة الدول المستقلة عمليات تكاملية تختلف في العمق والسرعة. ويحق لكل دولة ان تختار طريقها الخاص انطلاقا من مصالحها. وستمارس دورا رئيسيا في ذلك الافضليات الكامنة للمشاركة في هذه او تلك من هيئات التكامل. ونشير ضمنا فيما يخص اوكرانيا الى نتائج الدراسة التي أجراها خبراء اوكرانيون سوية مع بنك التنمية الاوراسي . فأنه يمكن ان يزداد الناتج المحلي الاجمالي لها لدى انضمامها الى المجال الاقتصادي الموحد بنسبة 6 – 7 بالمائة سنويا. العقدة السورية – انها من الظواهر الباعثة على اكبر القلق في السياسة العالمية اليوم. انكم تلنقون باستمرار قادة مختلف البلدان حول هذا الموضوع. فما هو انطباعاتكم عن مواقفهم من تسوية الأزمة ؟انهم على استعداد للحل الوسط ام ان مواقف بعضهم متشددة الى حد ان سورية لن ترى السلام قريبا؟ فمثلا  ان تصريحات هيلاري كلينتون وزيرة الخرجية الامريكية يمكن عموما ان تشطب على عملية المباحثات في مجلس الأمن الدولي. كيف ترون .. ما هو المخرج من هذا الوضع الصعب؟ دعت روسيا الاتحادية منذ بداية الأزمة السورية الى اعداد مواقف وأفعال متضامنة في المجتمع الدولي بغية استحثاث ايقاف أي عنف بسرعة من قبل طرفي النزاع في سورية ، والتخفيف من آلام السكان المسالمين وتهيئة الظروف من أجل اطلاق العملية السياسية بإشراف السوريين أنفسهم. وتوجد لهذا الغرض قاعدة التسوية السياسية والقانونية التي اعتمدها المجتمع الدولي  والمقصود بالأمر قرارات مجلس الأمن الدولي وخطة السلام المؤلفة من ست نقاط التي أعدها كوفي عنان المبعوث الخاص الدولي والعربي التي لا تفقد حيويتها  اليوم ايضا ، والبيان الختامي للقاء وزراء خارجية " مجموعة العمل " حول سورية المنعقد في جنيف بتأريخ 30 حزيران/يونيو. لكن ، وياللأسف ، فإن بعض الشركاء الغربيين صاروا في الآونة الاخيرة غالبا ما يلمحون في تصريحاتهم الى انهم يعتزمون البحث عن تسوية الأزمة السورية خارج اطار مجلس الأمن الدولي. وآمل في ان تصريحات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية في 11 أغسطس/آب في أثناء زيارتها الى تركيا ، وكذلك التصريحات الآخرى المماثلة ، تتسم بطابع عاطفي على الارجح او تمثل انعكاسا  للعمليات السياسية الداخلية المعقدة. ولدي قناعة بأن من شأن مثل هذه الخطوات ان تترك عواقب هدامة وخطرة بالنسبة الى سورية وكذلك الى منطقة الشرق الاوسط كلها ، وفي نهاية المطاف لكل النظام العالمي المعاصر. وقد حاولت بعض الدول سابقا ان تفرض على مجلس الأمن الدولي احكامها السياسية ، التي تتجاوز مسبقا نتائج الحوار بين السوريين ، والرامية الى تغيير النظام السوري. وهذا يتناقض مع صلاحيات مجلس الأمن الدولي ، ومبادئ ميثاق هيئة الامم المتحدة حول عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ذات السيادة. وبدلا من اطلاق عملية المفاوضات ، كما تملي ذلك قرارات مجلس الامن الدولي الصادرة بالاجماع، اعتمدت قوى المعارضة الخارجية للنظام السوري نهج اسقاط النظام في الواقع. وتشير كافة الدلائل الى انهم لا يعتزمون تغيير هذا النهج ، ولو انه تكمن في موقفهم المتشدد هذا بالذات، وبتشجيعهم المعارضة الراديكالية على رفض الحوار، أسباب استمرار العنف وألام الشعب السوري. نحن لا نبرر النظام ، ولا نلغي المسئولية عنه، لكن يمكن ايقاف اراقة الدماء فقط بإرغام جميع الاطراف المتحاربة  على ايقاف العمليات المسلحة والجلوس الى طاولة المفاوضات. وقد تم الاتفاق على ذلك في لقاء جنيف في 30 يونيو/حزيران ، لكن الولايات المتحدة رفضت لاحقا المصادقة على هذه الاتفاقات في مجلس الأمن الدولي. يتبين من هذا كله ان الاسلوب السياسي – الدبلوماسي لحلحة الوضع السوري لا يروق الى بعض شركائنا.انهم في جوهر الأمر يوصلون الأمر الى تطبيق " النموذج الليبي" بتقديم المعونة الى أحد طرفي النزاع وبهذا يدفعون المعارضة الى رفض أي آفاق لإجراء الحوار السلمي مع الحكومة الحالية في سورية. وانا اعتقد بأن هذا الطريق مسدود. وتشارك وجهة نظرنا  دول كثيرة تدرك ما ينطوي عليه تطور الاحداث في سورية وفق هذا السيناريو. وانا اقول ذلك لأن القضية السورية صارت في الفترة الاخيرة تحتل مكانة الصدارة في جميع اللقاءات الدولية. ان المخرج من الوضع الناشئ واحد فقط هو ممارسة الضغوط على جميع الاطراف المتحاربة من أجل دفعها للجلوس الى طاولة المفاوضات لتحديد أبعاد شكل دولتهم في المستقبل. والوقت ما زال متوفرا لهذا. وروسيا مستعدة للقيام بهذا العمل. - ثمة سؤال ملح آخر هو – " التدخل الانساني".  ماهو تقديركم لهذا المصطلح نفسه والذي ظهر منذ فترة وجيزة ، ولمحاولات بعض الدول معالجة قضايا سياسية معينة بواسطته؟ - التدخل الانساني هو مصطلح يتعارض مع ميثاق هيئة الامم المتحدة. فهناك قانون انساني دولي يقضي بإتباع نمط معين من الافعال في فترة النزاعات المسلحة ، ويحدد قواعد معاملة الأسرى ، وقواعد تقديم المساعدات الانسانية وهلمجرا.  والآن لا يستخدم مصطلح " التدخل الانساني" لأنه يفضح ذاته" بنفسه ، ويفضل استخدام مصطلح آخر هو " المسئولية عن حماية" الانسان. وفي اثناء انعاقد " قمة – 2005" جرت مناقشة خاصة ، وادرج في الوثيقة الختامية بند خاص بصدد تأويل مصطلح " المسئولية عن الحماية" وأشير الى أنه يعني أشياء كثيرة تتضمن نقل المساعدات الانسانية ، والعناية بممتلكات السكان وهلمجرا. وفي الوقت نفسه لم ترد في الوثيقة أية كلمة عن احتمال استخدام هذا المصطلح  للقيام بتدخل مسلح خارجي في الشئون الداخلية لدولة أخرى. وأكرر انه لا يمكن ان تعتبر شرعية إلا القرارات الصادرة على أساس ميثاق هيئة الامم المتحدة. طبعا ، نحن لا نستطيع ان نضمن عدم حدوث انتهاكات فظة للقانون الدولي كما حدث لدى قصف يوغسلافيا وبدء الحرب في العراق بذرائع مصطنعة. لقد بدأوا بقصف يوغسلافيا حين أعلن رئيس بعثة منظمة الامن والتعاون الاوربي، الامريكي الجنسية ،في عام 1999 بأنه جرت في قرية راتشاك "ابادة البشر". وعثر هناك على ثلاثين جثة لمواطنين ألبان. وعلم فيما بعد فقط ، وبعد إجراء التحقيق اللازم ، انهم لم يكونوا من المدنيين بل من المسلحين الذين قتلوا في معركة وليس بإطلاق النار عليهم عن كثب كما زعم المندوب الامريكي في منظمة الامن والتعاون الاوروبي. وقد اثبتت ذلك جميع الفحوص المختبرية للرصاص وتشريح الجثث. وليس من قبيل الصدف انهم " أخفوا في ادراج المكاتب" التقرير الذي أعده خبراء الطب العدلي الفنلنديون بطلب من الاتحاد الاوروبي ، ولم يطلعوا أحدا عليه. لكن في الوقت الذي كان المواطن الامريكي رئيس بعثة منظمة الامن والتعاون الاوروبي يعلن فيه وقوع عملية ابادة للبشر في راتشاك لم يحاول أحد التحقق من الأمر بل أخذوا هذا كذريعة وقال " لقد نفد صبرنا وسنبدأ القصف". وحدث الشئ ذاته في العراق – واستغلت كذريعة المزاعم حول ان الولايات لالمتحدة على ثقة بوجود سلاح الدمار الشامل في العراق. وقد أعلن ذلك في اللحظة التي شارفت فيها اللجنتان الخاصتان للهيئة الامم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية على التوصل الى استنتاج بأنه لا توجد آثار تدل على وجود سلاح الدمار الشامل هناك. إذن لا يضمن أحد احتمال استغلال القرارات " المائعة " لمجلس الأمن الدولي كتفويض لتحقيق المآرب الخاصة كما حدث في ليبيا. ويومذاك قيل ان من الواجب تكوين " منطقة آمنة " ، ونحن قلنا " نعم " ، وجرى اعلان " المنطقة الآمنة". لكن بلدان الناتو التي اخذت على عاتقها تنفيذ هذه المهمة تجاوزت الحدود خارج اطر العمليات اللازمة للقيام بدوريات جوية وعدم السماح بتحليق الطائرات الحربية للنظام الليبي وأخذت تقصف الاهداف الارضية وتشارك في الحرب الأهلية الى جانب الثوار. اننا على استعداد لقبول القرار حول سورية.ولكنهم لأمر ما ينسون ان مجلس الأمن الدولي قد اصدر فعلا قرارين حول سورية ، كما تم الاتفاق على بيان " مجموعة العمل" التي اجتمعت في 30 يونيو/حزيران في جنيف. ونحن اقترحنا ان يصادق على بيان جنيف في مجلس الأمن الدولي ، لكن الامريكيين رفضوا ذلك لأن البيان لم يتضمن التهديدات والتقييمات والعقوبات الوحيدة الجانب ضد النظام. علما ان الموقف هناك كان متوازنا ويراد به ايقاف إراقة الدماء في سورية. نحن نستطيع ان نضمن بأنه لن تنتهك أبدا الالتزامات الدولية. اما الذين يقومون بذلك منذ اكثر من عام فإنهم يدركون بأن هذا يستثير أكثر فأكثر الاستياء في المجتمع الدولي. ولو ان هذا لا يظهر بشكل سافر دائما لكن غالبية الدول لا تريد مواصلة هذا الاتجاه. ولهذا  تسعى بعض الدول التي  تريد استخدام التدخل المسلح في سورية الى "تمرير " قرار يشار فيه الى البند السابع لميثاق هيئة الامم المتحدة الذي ينص على فرض اجراءات قسرية حيال " البلدان المارقة". لكن المقصود في هذه الحالة وقوع نزاع داخلي ، ولا توجد أية مسوغات للتدخل في النزاع الى جانب أحد الطرفين. ويجب ارغام كافة الاطراف المتحاربة في سورية على إيقاف العمليات التقالية فورا والجلوس الى طاولة المفاوضات. ونحن نقوم بهذا العمل مع الحكومة السورية التي تؤكد استعدادها، لدى إيقاف اطلاق النار في آن واحد وتحت الرقابة، للإتفاق على ذلك مع الاطراف الاخرى في النزاع. اما المعارضة فترفض ذلك بشكل قاطع ، وتطالب الغرب والدول الاخرى  بإرسال قواتها من أجل اسقاط النظام في دمشق. والمسألة تكمن ليس في ان النظام العالمي الحالي وميثاق هيئة الامم المتحدة لا يستطيعان حماية العالم من مثل هذه التجاوزات ، بل في ان اللجوء الى مثل هذا الافعال يغدو غير مقبول أكثر فأكثر. وتعاني من هذا سمعة من يمارسها. – يبدي الكثيرون الاهتمام الشديد بتطور مجموعة " بريكس". أنهم حتى يتجادلون بصدد هل انها " ساحة لتبادل الآراء"  ام هي "منظمة دولية " متكاملة؟ ماهو تقييمكم لمكانة "بريكس" ودورها، وكذلك دور ومكانة بعض اطرافها من شركاء روسيا في الشئون الدولية اليوم ؟ -  لو توخينا الدقة في القول فأن هذه المجموعة لم تصبح بعد منظمة دولية بكل معنى الكلمة. وفي الوقت نفسه فإننا نرحب بزيادة العنصر المؤسساتي في " بريكس" مستقبلا ، ولو اننا لا نعتقد بوجوب استحثاث هذه العملية. وتعير روسيا، وكذلك شركاؤنا في " بريكس"، أهمية كبيرة للغاية الى هذا الكيان ، باعتبار ان التعاون في إطاره يمثل احد الاتجاهات الحيوية لسياسة روسيا الخارجية. ونحن ندعو الى إكساب هذا التعاون تدريجيا طابع الشراكة الاستراتيجية المتعددة الاطراف حول طائفة واسعة من قضايا الاقتصاد والسياسة في العالم.  علما اننا نصبو الى طرح    " بريكس" بصفتها نموذجا جديدا للعلاقات العالمية ، يتحول الى هيئات منسجمة من طراز " الشمال – الجنوب" و" الشرق – الغرب". وقد أقر في قمة " بريكس" في نيودلهي ( 29 مارس/آذار 2012 )بيان ختامي مؤلف من عشرة بنود وخطة العمل الملموسة ، مما يدل بجلاء على نية الاطراف الخمسة في مواصلة العمل سوية في المستقبل.  اما بصدد سعي شركائنا الى الابقاء الى حين من الزمن على الطابع غير الرسمي للتعامل في اطار " بريكس " والذي اعتمد منذ البداية، فإننا نعتبر ذلك أمرا منطقيا  تماما. فيجب ان تتم عملية تشكيل المؤسسات لدى نضوج الاوضاع  الطبيعي لذلك وتوفر مدى الاستعداد لها لدى الاطراف المشاركة. وقد حققنا الكثير في هذا المضمار. فتشكلت ممارسات ثابتة لعقد لقاءات قمة سنوية – من المقرر ان تعقد القمة القادمة  في مارس/آذار العام القادم في جمهورية افريقيا الجنوبية. واستحدث على غرار " مجموعتة الثماني" و" مجموعة العشرين " منصب الدليل (Sherpa ) ونائبه. وتجري لقاءات منتظمة لوزراء الخارجية وكذلك الرؤساء والمسئولين في عدد من الوزارات المعنية.وأرسي أساس التعاون العلمي المشترك ، وتنفذ المشاريع في  مجال الاعلام والبحوث السياسية ، وكذلك في بعض المجالات الاخرى كالمالية والبنوك ، وتجري مناقشات موضوعية حول سبل واوليات التعاون في المستقبل. صفوة القول ان التطور يتم بصورة مكثفة جدا. ويدعم التقارب الموضوعي بين الدول الاطراف في "بريكس" المصالح المشتركة الطويلة الأمد لها. ويتمثل ذلك في السعي الى إصلاح النظام المالي والاقتصادي للعالم ، والتمسك بمبادئ واحكام القانون الدولي ، ورفض سياسة من مواقع القوة واملاء الارادة على الآخرين. علاوة على ذلك تبدو جلية للعيان المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتشابهة في بلداننا  ، وكذلك ان اقتصاداتنا الوطنية تكمل بعضها البعض. وتراكمت لدى الشركاء في " بريكس" خبرة ثمينة في تنسيق العمل على الساحة الدولية ، وبضمن ذلك في هيئة الامم المتحدة ،حول العديد من القضايا السياسية الدولية الكبيرة. ونحن نعتقد ان من الواجب مواصلة وتطوير هذه الممارسات. صفوة القول ان مستقبل " بركيس" التي تشغل بلدانها نسبة 30 بالمائة من اليابسة و45 بالمائة من سكان الكرة الارضة و45 من الناتج المحلي الاجمالي العالمي هو مستقبل كبير. -  ما هو برأيكم هل ان الاخلاق والسياسة ، أو بالاحرى الاخلاق والسياسة الخارجية هما– مقولتان يمكن ان تتواجدا سوية معا ؟ أعتقد ان الاخلاق اصبحت في الاعوام الاخيرة من الأمور الهامشية في الحياة الدولية. ماهو رأيكم ؟ - انا على يقين بان الاخلاق والسياسة الخارجية هما مفهوما متلازمان بل ويمضيان سوية معا.وعلى أقل تقدير اننا ننطلق من ذلك في عملنا. ان قضية مرجعية الاخلاق تتسم بأهمية حيوية اليوم أكثر من أي وقت مضى في العلاقات الدولية. وتأتي في المرتبة الأولى الآن التحديات الكونية التي تهدد وجود البشرية نفسه.  وكما تظهر أحداث الاعوام الاخيرة فأن هذه المخاطر تميل الى الاشتداد والازدياد ، ويمكن ان تنتقل من منطقة الى أخرى. اذن فإن الحياة تملي بإلحاح وبصورة موضوعية وضع جدول عمل مشترك للشئون العالمية.  بيد ان توحيد الجهود وتعميق الثقة حقا هيهات ان يصبحا ممكنين بدون تحديد أساس الاعمال المشتركة على الصعيد العالمي في مجال القيم. ويمكن القول على نطاق أوسع  ان تطور حضارتنا المستمر في المستقبل يرتبط فيما اذا تسنى الارتكاز على قاعدة روحية واخلاقية للأفعال التضامنية من قبل المجتمع الدولي. ومن المهم للغاية ان تعالج القضايا التي تواجه العالم المعاصر على أساس عادل. وحالما تغيب الاخلاق يحدث الظلم وتظهر أفكار لا تساعد على حل المشكلة بل بالعكس تجعلها متفاقمة أكثر. ونحن نعتبر تعزيز الاساس الاخلاقي في العلاقات الدولية جزءا لا يتجزأ من السياسة الكبرى. وتبدو جلية للعيان ضرورة العمل على تكريس القواعد الاخلاقية العامة والمقبولة لدى الجميع في العلاقات الدولية والدمقرطة الدائبة والتخلص من القوالب الايديولوجية الجامدة و" المعايير المزدوجة ".  لقد وجد القاسم المشترك الاخلاقي دائما لدى الاديان العالمية الرئيسية ، ومنها مبادئ مثل السعي الى السلام والعدالة والنزاهة والرحمة والاجتهاد في العمل . والعناصر الرئيسية للقيم التقليدية تتألف من  مفاهيم الكرامة والحرية وروح المسئولية التي ثبتت في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في عام 1948 والاتفاقية الاوروبية للدفاع عن حقوق الانسان والحريات الاساسية الموقعة في عام 1950. ان المنظومة الدولية الجديدة المتعددة المراكز الموجودة قيد التكوين ستجسد حتما التعددية وغنى اللوحة الحضارية والثقافية للعالم. ومن الواضح انه سيصعب على اوروبا ايجاد لغة مشتركة مع الحضارات الأخرى ، اذا تناست جذورها المسيحية وأصول هويتها الخاصة. ونحن نعتقد ان من الواجب في الظروف الراهنة التركيز أكثر على استيعاب واحترام القواعد الاخلاقية المرعية. وتتمثل نقطة التوجه في ذلك في قرار مجلس حقوق الانسان التابع لهيئة الامم المتحدة " تشجيع حقوق الانسان  والحريات الاساسية بفضل  الادراك العميق لقيم البشرية التقليدية ". ينبغي العمل بنشاط وبإطراد على اجراء الحوار بين الاديان والحضارات ، وهو ما تفعله روسيا. ويتوقف الوضع لحد كبير  على مدى امكانية تنشيط القدرات الانسانية للمجمتع الدولي ، وتوجيهها نحو  اعداد برنامج عمل يرسخ في كل مكان مفاهيم التقارب بين الثقافات ومجموعات القيم على أساس مبادئ الحفاظ على بقاء البشرية وتطورها وازدهارها بدأب. ونستخلص الانتاج الجلي للعيان وهو ان الاخلاق في المرحلة الراهنة من تطور العلاقات الدولية يعتبر احد المفاهيم الحيوية جدا.  وبدون الاعتراف بالقانون الاخلاقي الاسمى  لا يمكن التعويل على نجاح الجهود في اقامة نظام دولي مستقر وعادل وديمقراطي. طبعا ، ان عامل القوة المسلحة لا يزال ، وياللأسف ، يحتفظ بأهميته ، ونحن نضطر لأخذه بنظر الاعتبار ، وهو ليس خيارنا. ومن المناسب استعادة اقوال الكسندر نيفسكي ( الذي كان يعرف كيف يمكن تحقيق الانتصارات العسكرية الكبرى دفاعا عن الارض الروسية )" ان الرب ليس مع القوة بل معٍ الحقيقة".

Read 912 times Last modified on الجمعة, 19 تموز/يوليو 2013 23:37