InterAffairs

الأربعاء09202017

Last update09:48:30 AM

RUS ENG FR DE PL ESP PT ZH AR

Font Size

SCREEN

Profile

Layout

Menu Style

Cpanel
الجمعة, 17 كانون2/يناير 2014 16:17

صيغة التسوية في سورية: الحوار السوري المشترك، مضاعفا بدور فعال للاعبين الخارجيين

Written by 

 

وافق مجلس الامن الدولي في يوم 27 ايلول/ سبتمبر عام 2013 بالاجماع على القرار 2118 الذي دعم فيه القرار الذي صدر في نفس اليوم في لاهاي عن منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية حول فرض رقابة دولية على الترسانة الكيميائية السورية مع اتلافها لاحقا. هذا الحدث اصبح  ذروة المناقشات التي جرت خلال "الاسبوع الوزاري" في الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك. الحدث الذي انتظره الجميع على الرغم من ان البعض لم يكن يثق بانه سيحدث فعلا. ولكن الجميع اقروا في نهاية المطاف بان هذه النتيجة باتت ممكنة  الى حد كبير بفضل جهود الدبلوماسية الروسية وعلى رأسها وزير الخارجية سيرغي لافروف، والتي اجرت يوما بعد اليوم المباحثات الصعبة والمعقدة مع الشركاء الامريكيين وتمكنت من التوصل الى الحل الذي ليس فقط استبعد خطر توجيه ضربة عسكرية ضد سورية بل وفتح الطريق نحو الحل السياسي للزمة المعقدة جدا في الجمهورية العربية السورية.

منذ تلك اللحظات بدأ التحول النوعي في الوضع السائد حول التسوية في سورية. يجب القول ان التفاهم الروسي الامريكي الذي تم التوصل اليه في ايار 2013  بصدد عقد مؤتمر سلام دولي حول سورية اكد، ومع القرار 2118  لمجلس الامن الدولي، انه ومع وجود الارادة السياسية والاستعداد للاتفاق في اطار القانون الدولي، من الممكن التوصل الى واقع حقيقي ملموس .

اود التأكيد على اني لا اضع امام نفسي هدف وضع تحليل شامل لأسباب وأصول النزاع السوري المعقد، إلا اني ارغب في هذه المقالة ان اركز الانتباه على بعض الاحداث الاخيرة التي سمحت بظهور الامل بان الاوان لم يفت بعد فيما يخص الحل السياسي.

من المهم الاشارة الى انفتاح الحكومة السورية وتعاونها في المسائل المتعلقة بنزع السلاح الكيميائي وتنفيذها بدقة وبدون خلل او اخفاق لكل الالتزامات التي تعهدت بها وفقا لاتفاقية حظر انتشار السلاح الكيميائي، وتوفيرها للظروف الملائمة لتنفيذ المبادرة الروسية =الامريكية حول عقد مؤتمر دولي للتسوية في سورية. ويعتبر مهما ايضا الرابط المتبادل بين نزع السلاح الكيميائي والعملية السياسية وهو ما تمت الاشارة له في قرار مجلس الامن الدولي رقم 2118. وبهذا الشكل تم اخيرا الحصول على موافقة مجلس الامن الدولي على بيان جنيف الصادر في 30 حزيران/ يونيو عام 2012 وذلك بعد مرور اكثر من عام على صدوره بالاجماع.

من المعروف ان روسيا بذلت سابقا عدة محاولات واقترحت اقرار البيان المذكور ومنحه الصفة القانونية المطلوبة عن طريق قرار لمجلس الامن الدولي ولكن هذه المحاولات كانت تصطدم دائما برفض وممانعة من جانب الدول الغربية الاعضاء في مجلس الامن الدولي. لقد اصرت هذه الدول على "اغناء" هذا القرار بعناصر قوة وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة والحصول من خلال ذلك على وسيلة ضغط على دمشق مع احتمال استخدام سيناريو القوة المسلحة. وخلال ذلك جرى اخراج المعارضة السورية دائما من امكانية تحميلها اي مسؤولية على تصرفاتها. هذا المسلك كان يتعارض مع روح بيان جنيف الذي افترض مساهمة كل الاطراف في عملية التسوية السياسية ومنع أي طرف كان من محاولة تقويضها وافشالها.

لقد ساد وضع في غاية الغرابة: رسميا اعرب الجميع عن تاييدهم لوقف العنف في سورية بأسرع وقت ممكن واطلاق الحوار السياسي الشامل الذي يجب ان يلبي طموحات وتطلعات الشعب السوري ويسمح له بشكل مستقل وبطريقة ديمقراطية ان يحدد مستقبله بنفسه. لقد وافق الجميع على ان نتيجة هذه العملية يجب ان تصبح في سورية توفير الظروف الملائمة التي تسمح لكل فئات الشعب السوري ومكوناته الدينية والاثنية ان تشعر بالآمان والارتياح وان تتمكن من المساهمة في تطوير الدولة السورية. كانت هذه المهمات المشتركة بالذات توحد بيننا وبين الشركاء وتم التأكيد على ذلك في العديد من الوثائق الدولية ومن بينها بيان جنيف الانف الذكر والبيان النهائي لمجموعة الثمانية بعد قمة ايرلندا الشمالية وغيرها. ولكن على الرغم من ذلك لم يكن من السهل التوصل الى تفاهم مشترك حول طرق تحقيق هذه الاهداف وبات ذلك ممكنا فقط بعد قيام زملائنا باعادة النظر في المسالك نحو الوضع في سورية والمنطقة بشكل عام.

من الواضح ان الدول الغربية الاعضاء في مجلس الامن لم تحاول ومنذ بداية الاضطرابات في سورية، ان تتحقق وتتأكد من الاسباب العميقة لما يجري في تلك الدولة بل فقط اعتبرت ذلك كموجة جديدة من "الربيع العربي". لقد كان من الاسهل بالنسبة لها ان تختزل الاحداث المعقدة الجارية في الجمهورية العربية السورية في مقولة "النضال من اجل الحرية والديمقراطية" ولم تعر الدول الغربية الاهتمام بان غالبية المقاتلين في صفوف المعارضة هم من المسلحين الاجانب المزودين بالسلاح الحديث الذي حصلوا عليه من مصادر مختلفة بما في ذلك من مستودعات السلاح في ليبيا التي تعرضت للنهب. لقد ادى مثل هذا القصور في التقييم لما يجري في سورية، الى ان الشركاء الغربيين في مجلس الامن الدولي رفضوا ادانة في مجلس الامن الدولي الاعمال الارهابية الدموية التي نفذتها المعارضة الراديكالية في سورية. وتم ترير رفضهم هذا بالقول ان المتطرفين ينفذون هجماتهم هذه ضد "النظام الطاغي" الذي يرتكب  بنفسه الجرائم ضد شعبه.

وظهر في مجال الاستخدام منطق "المقاييس المزدوجة" وفرز الارهابيين الى "جيد" و"سيء". .

ومع تزايد حدة النزاع في سورية اعلنت الجماعات الارهابية الدولية هذه الدولة كمنطقة للجهاد وطلبت النضال لفرض فيها "الخلافة العالمية". واكدت هذه الجماعات على اقوالها ونواياها بالافعال – قامت بتدمير الكنائس والاديرة وفرضت "الشريعة" في "المناطق المحررة" بما في ذلك استخدام المحاكم الشرعية التي كانت تصدر الاحكام بالاعدام.

كل ذلك طبعا جعل الدول المتحضرة تشعر بالحرج عند دعمها لمثل هذه العناصر التي تمارس وتطبق الفظائع في سورية. وبات ذلك واضحا خاصة بعد ان اخذت الكثير من البنى المدعومة من الغرب مثل المنظمات الحقوقية وغير الحكومية مثل "هيومان رايتش ووتش" وكذلك اللجنة المستقلة للتحقيق في سورية، تتحدث عن الجرائم الفظيعة وجرائم الحرب وضد الانسانية التي يقوم بها المسلحون.

اخذت تنكشف وقائع جديدة تدل على ان هدف الجهاديين ليس انتصار الديمقراطية في سورية بل فرض سيطرتهم على الاراضي والبنيات التحتية وفرض نظامهم وشرائعهم وهو ما دفع كل الاطراف الممولة للمعارضة السورية ان تطلق شعارا اخر في قيد الاستخدام. تم تخصيص هذا الدور للجيش السوري الحر بقيادة الجنرال الفار سليم ادريس (الجيش السوري الحر هو الجناح القتالي للائتلاف الوطني). واخذ الغرب يطرح هذا الجيش الحر بالذات كمعارضة مسلحة علمانية تؤمن بالقيم الغربية ولا علاقة لها بتاتا بالمنظمات الارهابية. ولكن تبين وبشكل سريع ان الجيش السوري الحر لا يشكل "منظمة موحدة" بل يتكون من العشرات من الفصائل المسلحة المتنوعة بما في ذلك ذات التوجه المتطرف وتبين ان عناصر هذه الفصائل تنتقل بسهولة الى صفوف الجهاديين الذين يحصلون على السلاح الحديث والدعم المالي من الجهات الممولة لهم.

ويثير الاهتمام الكبير في هذا المجال التقرير الذي قدمه قبل فترة مركز الدراسات الدفاعية المعروف "جينز". جاء في التقرير انه يحارب ضد الحكومة السورية  جيش مكون من مئة الف مسلح موزعين على المئات من الفصائل المتفرقة. من بينهم هناك 10 آلاف مقاتل من انصار "الجهاد العالمي" وكذلك 30-35 الف شخص من الاسلاميين المتطرفيين المؤيدين لأجندة سورية بحتة وهناك كذلك 30 الف مقاتل من الاسلاميين "المعتدلين". وهذا كله يدل على عدم وجود اية معارضة مسلحة علمانية او ديمقراطية في صفوف المقاتلين في سورية.

ومن جانبها افادت مجلة "شبيغل" الالمانية بتزايد عدد الجهاديين من الدول الغربية  في السنوات الاخيرة  الذين يتوجهون للقتال في سورية. واستندت المجلة الى تقرير الوكالة الفدرالية الالمانية لحماية الدستور الذي قال ان سورية تحولت الى حصن متقدم يستحوذ المتطرفيين من اوربا. وبات تتسم بالطابع الجماهيري حالات سفر الاسلاميين من اوربا للقتال في سورية. وتدل المعطيات المتوفرة على ان حوالي الف مقاتل اسلامي من الدول الاوربية يقاتلون الى جانب الجهاديين في سورية: من بريطانيا 90 شخصا ومن بلجيكا 120 شخصا ومن الدانمارك 50 شخصا ومن كوسوفو 150 شخصا ومن المانيا حوالي 200 شخص يقاتلون في سورية او على استعداد للتوجه الى هناك.

قبل فترة ظهر في الانترنت "بيان الجهاديين الهولنديين" مؤلف من 150 صفحة وفيه يقسم المتطرفون على الولاء "للقاعدة" ولأهدافها. القائمة طويلة ويمكن الاستمرار في سردها. نورد لاحقا نبأ للمعلق التركي المعروف ف. تاشكيتين في موقع "المونيتور" في الانترنت (الموقع مختص بمشكلات الشرق الاوسط) وفيه يسرد خبر انه قبل فترة وصل الى ميناء مرسين التركي 160 مقاتلا على متن سفينة من اليمن. وذكر المصدر ان الوسيط المشرف على عملية النقل حصل على مكافأة قدرها مليوني دولار.

واخيرا ولكي نكمل الصورة نورد احد التحقيقات الصحفية التي نشرت في صحيفة "فيغارو" الفرنسية يوم 29 تشرين الاول/ اكتوبر عام 2013. فيها تم الكشف عن مخطط (طريقة) توريد السلاح الى الثوار في سورية بعد شراء هذه السلاح في السوق السوداء (بما في ذلك الاوربية منها) بأموال من بعض "الدول الخليجية" .يجري نقل هذه المساعدات بواسطة طائرات النقل العسكرية التابعة لنفس الدول الى قواعد عسكرية قريبة من الحدود السورية ومن ثم تنقل الى المسلحين بواسطة قوافل من السيارات الشاحنة. وبهذا الشكل تجري تغذية ترسانة الجهاديين العسكرية بالاطنان من السلاح والذخيرة. ويجري كذلك تنظيم معسكرات تدريب للمرتزقة داخل الاراضي المحاذية لسورية ويجري الحديث عن ذلك في الصحف و في الانترنت.

بدون شك سورية تشهد حربا حقيقية ومن الصعب تغيير هذا السير للأحداث. سيسمر قتل السكان المدنيين وسيستمر الدمار والعنف وسيستمر تدهور الوضع الانساني وسيزداد حجم الكارثة الانسانية في هذه الدولة. يمكن وضع نهاية لكل ذلك فقط عندما يتوصل كل اللاعبين المنجرفين في النزاع، في المقام الاول الاطراف المتناحرة السورية، الى ادراك حتمية الحل السياسي وعدم وجود اي بديل اخر له. يبدو للوهلة الامر ان ذلك في غاية البساطة ويجب على الجميع ادراكه بسرعة وان الحياة نفسها تدفع نحوه وخاصة وان الوضع الميداني على الارض يشهد نوعا من التوازن. لقد اعلنت الحكومة السورية عن تأييدها للحل السياسي. ولكن الوضع في المعارضة في هذا المجال يبدو معقدا اكثر. ما ان يبدأ الحديث عن الحوار وظهور بعض قادة المعارضة المستعدين له، حتى تظهر في صفوف المعارضة بعض القوى التي تبذل من حيث الجوهر كل الجهود من اجل تقويض آفاق العملية السياسية. يلفت النظر في هذا المجال البيان الذي صدر عن 19 مجموعة من المجموعات الاساسية الاسلامية التي تقاتل في سورية مثل "صقور الشام" و"احرار الشام" وغيرها وفيه جرى الاعلان بشكل استعراضي عن الخروج من الائتلاف الوطني المعارض والعزم على مواصلة القتال بشكل منفرد من اجل اقامة الدولة الاسلامية وذلك ان قرر المجلس المشاركة في مؤتمر جنيف. وشدد البيان على انه سيعتبر كل من وافق على المشاركة في جنيف بمثابة الخونة ستجري معاقبتهم بواسطة "القضاء الثوري الاسلامي". كل هذا يعتبر من التهديدات الواضحة. بهذا الشكل يمكن القول ان السوريين يقفون امام الخيار: اما الحركة الجماعية نحو السلام واستخدام الفرصة السانحة للاتفاق حول مستقبل سورية او مواصلة المراهنة على حل المشكلة عن طريق القتال في "الميدان". ولا يوجد اي شك في ان الخيار الثاني سيتسبب بزيادة عدد القتلى والجرحى وانتشار الارهاب واستمرار انتشار السلاح بدون اي رقابة والانحدار نحو كارثة انسانية والانحطاط التام فيما يتعلق بحقوق الانسان مع احتمال انتشار كل ذلك خارج حدود سورية مما سيتسبب بزعزعة الاستقرار في كل المنطقة.

كل ذلك يدفع نحو ضرورة اعادة التفكير والتمحيص في ما يجري والتركيز على مهمة توحيد جهود كل من لا يرى وجود بديل للحل السياسي – الدبلوماسي للنزاع في سورية. هذا العمل يجب ان يتركز على بذل الجهود من اجل الزام كل الاطراف المتقاتلة في سورية ودفعها الى الجلوس خلف طاولة المفاوضات. نحن دائما كنا ندعو الشركاء الى التخلي عن محاولة حل مهمات جيوسياسية على حساب سورية والتعاون من اجل الضغط على الاطراف السورية من اجل الحصول على موافقتها على وقف النار وبدء الحوار.

نحن نعتبر منقوصا وخطيرا المنطق الذي يتمسك به بعض الزملاء الغربيين والعرب والمتلخص في تقديم الدعم لاية قوى تطرح هدفها الوحيد - "الاسد يجب ان يرحل"، وذلك حتى بدون وجود أية تفهم لما يجب ان يحدث بعد ذلك. نحن عرضنا عليهم مثال ليبيا حيث ونتيجة للتدخل الخارجي تحت ذريعة هدف "زرع" الديمقراطية تم انهيار مؤسسات الدولة وانحطاط الوضع في مجال حقوق الانسان والامن وكذلك انتشار المخاطر الارهابية في منطقة الساحل والصحراء الكبرى. وقلنا ان الخطوات الهادفة الى زيادة تأجيج النزاع في سورية ستؤدي ليس الى فرض الديمقراطية في هذه الدولة بل الى فرض سيطرة الجماعات المتطرفة المرتبطة مع "القاعدة" وانتشار التطرف المسلح الشرس.

لقد استرشدنا في كل خطواتنا على الساحة الدولية وبشكل مطرد بضرورة سيادة القانون الدولي والمبادئ الواردة في ميثاق الامم المتحدة وخاصة المتعلقة بعدم استخدام القوة المسلحة وعدم التدخل في الشؤون ادلاخلية للدول المستقلة. وانطلاقا من كل ذلك قمنا وبالتضامن مع الصين بمنع مرور مشاريع قرارات غربية عبر مجلس الامن الدولي كان يمكن ان تفتح الطرق نحو التدخل العسكري الخارجي في النزاع السوري واستخدمنا من اجل حق الفيتو. وانطلاقا من هذا الموقف المبدئي تصدينا كذلك لمحاولات بعض شركائنا الذين حاولوا تفسير ما جاء في بيان جنيف الصدار في 30 حزيران عام 2012 على هواهم ولتحقيق مآربهم السياسية. وقمنا بالاصرار على ان يتم في قرار مجلس الامن رقم 2118 ذكر البند الذي يقول ان المسؤولية عن عمليات اتلاف السلاح الكيميائي وضمان آمان الفرق العاملة في هذا المجال، تقع ليس فقط على عاتق الحكومة السورية بل وعلى عاتق المعارضة ايضا. ونحن نطالب الاطراف الخارجية الممولة للمسلحين بان تعيق وتمنع احتمال قيام المتطرفين باستفزازات ومغامرات ونطالب الدول المجاورة لسورية بان تغلق الطريق امامهم وتمنع محاولات الجهاديين القيام يأية مغامرات مع استخدام السلاح الكيميائي. ونود الملاحظة والقول ان فرض هذه البنود في قرار لمجلس الامن الدولي كان وحتى فترة قريبة يبدو مستحيلا لان الشركاء الغربيين لم يقروا حتى ومن باب التكهن باحتمال قيام المتطرفين باستخدام السلاح الكيميائي. اي يمكن القول ان نهج التفكير تغير بشكل محدد نحو الاستيعاب الاكثر عقلانية لما يجري في سورية.

كل ذلك سمح اخيرا بالبدء بالتفكير حول ما يجري في سورية ان لم يكن بشكل متشابه تماما فعلى الاقل مع ادراك خطورة ما يمكن ان يؤدي اليه استمرار انحطاط  النزاع وخاصة فيما يتعلق بانتشار التطرف الراديكالي .

وليس محض صدفة حصول اجماع خلال قمة مجموعة "الثمانية الكبار" الاخيرة في ايرلندا الشمالية،  لصالح توحيد جهود السلطات السورية والمعارضة ضد الارهابيين.

وعمليا يجب ان يصبح تنفيذ هذه المهمة احد الاولويات خلال انعقاد مؤتمر السلام "جنيف-2" وانطلاقا من وجهة النظر يبدو ملحا اكثر فاكثر موضوع عقد المؤتمر المذكور. ولكن تنفيذ ذلك يتطلب التغلب على عناد المعارضة السورية.

الان لم يعد يثير الاعتراض لدى احد ان اساس المؤتمر يجب ان يكون الحوار المباشر بين الاطراف السورية الذي يجب ان يجري على اساس يان جنيف ويجب ان يهدف للتوصل الى تسوية شاملة في الجمهورية العربية السورية.

هذا الامر يعتبر فرصة نادرة تسمح بوقف سفك الدماء والبدء بالاتفاق حول البنية المقبلة والمستقبلية لسورية. ويجب القول ان مهمة اللاعبيين الخارجيين – توحيد الجهود وتقديم المساعدة للاطراف السورية لكي تحقق هذا الاتفاق الذي يجب ان يلبي مصالح كل فئات المجتمع السوري المتعدد الطوائف والاثنيات. يجب القول ان عملية التحضير للمؤتمر تجري بشكل صعب. تجري محاولات لتحديد مسبقا نتائج الحوار السوري المشترك ووضع اطر زمنية مصطنعة لها والتهديد بوجود" عواقب جدية" ان لم يتم تنفيذ الاتفاقات التي سيتم التوصل لها. واحد الامثلة الاخيرة – مؤتمر لندن الذي عقد يوم 22 تشرين الاول الذي جمع "نواة مجموعة اصدقاء سورية" والذي ضم 11 دولة من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا وكذلك الدول التي ترعى بشكل تقليدي المعارضة السورية – العربية السعودية وقطر وتركيا وغيرها من الدول.

للاسف وبخلاف كل التفاهم الذي وجد سابقا حول طرق تسويةة الازمة السورية، تضمن البيان الختامي الذي صدر في ختام هذا اللقاء محاولات واضحة للتشكيك واعادة النظر في العناصر الاساسية التي وردت  في بيان جنيف وتحديد مسبقا نتائج مؤتمر "جنيف-2". هذا على الرغم من النتائج يجب ان تصبح مادة للاتفاق والتنسيق في شكل مغاير تماما – في اطار الحوار السياسي بين الحكومة السورية والمعارضة. نحن لا يمكننا ان نقيم ذلك الا كمحاولة لتقويض وافشال العمل لعقد "جنيف-2" والقاء الذنب في ذلك لاحقا من المعارضة الى الحكومة السورية. ويجري ذلك خلال ظروف تحاول فيها الدول الغربية ضمان مشاركة المعارضة في المؤتمر الدولي تحت مظلة الائتلاف الوطني المعارض.

الى ما يجب ان يتحول "جنيف-2"؟ أي عقبات وتعقيدات تقف امام الحوار السوري المشترك؟

وكيف يمكن ضمان تنفيذ الاتفاقات المحتملة؟ وماذا يجب فعله من جانب اللاعبين الدوليين وكذلك الاطراف السوري لضمان نجاح المؤتمر؟

حسب اعتقادنا سيتعلق سير المؤتمر ونتائجه، والى حد كبير بالافكار التي ستحملها الى اللقاء الاطراف الاسياسية المتناحرة. لقد اتفقنا مع الجانب الامريكي وعند طرح فكرة عقد المؤتمر، على ان روسيا ستقنع الحكومة السورية بالمشاركة في الحوار في الوقت الذي ستعمل فيه الولايات المتحدة مع المعارضة لكي تقوم بتشكيل وفدها الذي سيعرب عن مصالح كل اطياف المجتمع السوري.

نحن من جانبنا قمنا بتنفيذ ما تعهدنا به وتم ضمان موافقة الحكومة السورية على الذهاب الى جنيف بدون اي شروط مسبقة. لقد اعلنت دمشق عن تشكيل وفدها المستعد للذهاب فورا الى المفاوضات.

لا يزال الجانب الامريكي وحتى لحظة كتابة هذه السطور يعمل من اجل تنفيذ ما تعهد به وهو يحاول تجميع الفصائل المعارضة السورية المتنثرة والمتفرقة تحت مظلة الائتلاف الوطني الذي لا يزال يحظى بدعم هذا الجانب بما في ذلك من الناحية المالية. ويجري خلال كل ذلك تصوير الامر بشكل يشدد على ان الائتلاف الوطني المعارض يمثل ليس فقط كل المعارضة بل وكل الشعب السوري. ولكن الاحداث الاخيرة التي جرت تدل على ان هذه المنظمة المقيمة في المهجر لا يمكنها بالفعل ان تدعي انها تمثل كل الشعب السوري لانها بالفعل لا تملك القاعدة الجماهيرية العريضة وهي لا يمكنها قط ان تدعي انها الممثل الوحيد للشعب السوري كما ورد في وثيقة لندن التي صدرت عن "مجموعة اصدقاء سورية".

ويثير التساؤل مدى مقدرة الائتلاف الوطني التأثير بشكل فعال وحقيقي على المسلحين العاملين في سورية: وليس محض صدفة وكما ذكرنا اعلاها ان اكثر من 10 فصائل مسلحة تقاتل في سورية اعلنت انها لم تعد تعتبر نفسها كقسم من هذه المنظمة/ الائتلاف/ وهي لن تنفذ اوامر الجيش السوري الحر/ الجناح العسكري للائتلاف/.

في هذه الظروف يجب على كل اللاعبين الخارجين ان يدركوا : ان كانوا رغبون فعلا ان تكون المنظومة السياسية في سورية تعددية، يجب المساعدة في توحيد المعارضة السورية، انطلاقا ليس من المصالح الذاتية لهذه الاطراف بل مع الاعتماد على اهمية تكوين وفد للمعارضة يتمتع بالصلاحيات المطلوبة الذي يمكنه ان يضم في صفوفه كل اطياف المجتمع السوري والذي يمكنه التأكيد على الابتعاد وعدم وجود اية علاقة له مع المتطرفين العاملين في سورية. فقط في حال تم تمثيل المعارضة السورية بشكل كامل وليس بشكل انتقائي، سيمكن للمرء ان يتأمل بتحقيق اتفاقات يمكنها ان تؤدي حين تنفيذها الى وقف سفك الدماء ووقف الحرب الاهلية في سورية وضمان الحركة نحو الاستقرار. لا يجوز ترك خارج الحوار بعض قوى المعارضة داخل سورية وخارج حدودها لان ذلك سيعني حتما ظهور مشكلات في مجال  تفسير وتنفيذ الاتفاقات التي ستنجم عن المؤتمر.

يجب ان يتركز الحوار السواري المشترك على تنفيذ كل ما ورد في بيان جنيف الصادر في 30 حزيران عام 2012. ولا تجوز بتاتا محاولات محاولات تفسير بنود البيان كل هواه وتفضيل احد البنود على اخرى. المفاوضات يجب ان تشمل كل المسائل المتعلقة بالموضوع السوري. يحاول بعض شركائنا تصوير الامور بشكل وكأن "جنيف-2" هو حوار بين الحكومة والمعارضة على قوام الهيئة الانتقالية للسلطة. لا شك في ان اقامة هذه الهيئة تعتبر كجزء من من مجموعة الحلول التي يجب  على السوريين التوصل اليها نتيجة المفاوضات.  ولكن يجب ان يتم النظر الى ذلك ضمن بقية المسائل الاخرى. يجب على الاطراف السورية ان تتفق على مجموعة كبيرة من المسائل الهامة جدا التي بدونها تفقد عملية تكوين الحكومة المؤقتة اي معنى لها. ومن بين هذه الامور – وقف اطلاق النار والتحضير لعملية الانتخابات والمصالحة الوطنية وتحديد معايير ايصال ونقل المساعدات الانسانية وغيرها.

من المهم جدا ان يلعب كل اللاعبين الدوليين دورهم من اجل توفير الظروف السياسية الملائمة التي تساعد في تحقيق المفاوضات بين السوريين . لا يجوز بتاتا السماح بتأجيج التوتر، اي كانت الصعوبات التي ترافق الحوار. جاء في بيان جنيف وبشكل واضح انه يجب على الاطراف السورية ذاتها وبدون تدخل او تهديدات من الخارج ان تتفق فيما بينها حول مستقبل سورية.

ويجب حل مسائل العمل التي قد تظهر خلال المفاوضات، بشكل محترف وهادئ من قبل المشاركين بمساعدة الموفد الاممي والعربي لشؤون التسوية الورية الاخضر الابراهيمي ومساعدة اللاعبين الاساسيين الاخرين وبدون اية تهديدات باستخدام القوة.

يجب على القوى الخارجية وخاصة دول الخليج يجب ان تساعد السوريين في تحقيق ذلك وليس محاولة التأثير على الاطراف السورية بهدف التأثير على عملية المفاوضات او تحديد نتائجه مسبقا.

ويجب القول انه يجب على مجلس الامن الدولي يلعب دوره الهام جدا. لا يجوز بتاتا استخدام مجلس الامن الدولي كوسيلة للضغط على اطراف النزاع بما في ذلك تحديد اطر ومواعيد زمنية مصطنعة للمقاوضات مع التهديد بفرض عقوبات بعد ذلك. لقد دل بيان "نواة اصدقاء سورية" في لندن على ان هذا الضغط وكما ترى بعض الدول يجب ان يشمل فقط سلطات دمشق الرسمية. وجرى خلال ذلك اخراج المعارضة السورية وخاصة المدعومة من الخارج، من نطاق الانتقاد. هذا المسلك غير مقبول بتاتا وهو يتعارض مع مهمة التسوية الشاملة. خلال  يمكن لمجلس الامن الدولي ان يلعب الدور الايجابي والفعال خلال المرلحة اللاحقة أي بعد توصل الاطراف الى الاتفاق بما في ذلك المساعدة في موضوع ضمان الامن.

من المراحل الهامة والفائقة المسؤولية مرحلة تنفيذ الاتفاقات التي سيتم التوصل اليها نتيجة الحوار السوري المشترك. هذه المهمة صعبة ولن تكون اسهل من تحقيق مهمة تنظيم المفاوضات ذاتها. ومن الواضح ان الجهاديين الذين يقاتلون في سورية  لا يعنيهم قد تحقيق الاتفاق بين الطراف السوريين، لان الجهاديين الذين يحصلون المساعدات المالية الخية من الخارج يسعون لتوسيع مناطق نفوذهم. ولا شك في الاختراق والتقدم الكبير طريق السياسي يتعارض مع مصالهم واهداف بعض مموليهم الخارجيين. قد يحاول هؤلاء افشال تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل لها بما في ذلك عن طريق القيام باستفزازت ومن ضمنها استخدام المواد الكيميائية والسامة كما فعلوا في منطقة الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق يوم 21 آب/اغسطس من العام الجاري. حينذاك وقف المتطرفون بالذات خلف الهجمة  وكانوا يأملون بان تستغل الدول الغربية ذلك من اجل اتهام النظام بارتكاب جريمة ضد البشرية وتحت هذه الذريعة ضرب سورية من الخارج.

خلال هذه المرحلة تظهر مهمة تنفيذ العمل المنسق من جانب المتجمع الدولي من اجل اجتثاث الارها من داخل سورية. واما مواصلة تقسيم وفرز الارهابيين الى "صديق" و"خصم" فستعني اللعب وفق قواعد "القاعدة" ومساعدتها. لقد بين التاريخ ما يمكن ان ينجم عن ذلك. يمكن للجهات الخارجية الممولة للمتطرفين والراديكاليين ان تؤثر عليهم بشكل كبير وبالذات دول الخليج وتركيا.

لقد بدأ الغرب يدرك اخيرا مدى خطورة نمو نفوذ الجماعات الراديكالية (في الصحف يجري الحديث بشكل صريح عن استيلاء المتطرفين على شحنة من السلاح مخصصة للجيش السوري الحر وكذلك عن حالات منفصلة جرى خلالها توحيد الجهود بين الجيش النظامي والجيش السوري الحر لمكافحة الاسلاميين). من الواضح ان انقرة ايضا اخذت تدرك العواقب الوخيمة للتعامل الجهاديين.: اعلن رئيس تركيا عبد الله غول في كلمته امام الدورة الـ68 للجمعية العامة للامم المتحدة ان الحرب الاهلية في سورية يمكن تستغل من جانب الجماعات المتطرفة التي تشكل بنيات مستقلة تهدد سورية ذاتها والدول المجاورة لها.

وهذا يعني ان مكافحة الارهاب يمكن ان تصبح المهمة التي توحد بين الدول التي كانت تحتلف فيما بينها سياسيا ويجعلها تتعاضد حول تنفيذ بيان قمة مجموعة الثمانية في ايرلندا الشمالية عام 2013 والمتعلق بضرورة توحيد جهود الحكومة والمعارضة السورية من اجل طرد الارهابيين من سورية.

هذا فقط قسم من المسائل المعقدة التي يجب حلها خلال المؤتمر الدولي. وتعتبر روسيا احد الدول القليلة ربما الوحيدة التي اقامت علاقات عمل بنائة مع طرفي النزاع في سورية وهي لا تطرح قط اية مسائل مسييسة وغير واقعية. وروسيا مستعدة للعمل الفعال والشاق من اجل تنفيذ المؤتمر الدولي بنجاح.

في الظروف التي نلاحظ خلالها مجموعة من الامثلة المريعة لاستخدام القوة المسلحة ضد الدول المستقلة ذات السيادة مع انتهاك قواعد القانون ادلولي بهدف تحقيق اهداف ضيقة وقتية، يجب ان يصبح "جنيف-2" المثال الجيد للعمل المنسق في مجال تسوية الازمة الاكثر تعقيدا في الفترة المعاصرة على اساس قواعد القانون الدولي وعبر البحث الشاق عن الحلول الوسط. فقط عن طريق ذلك يمكن عدم السماح تخريب النام العالمي القائم على اساس ميثاق الامم المتحدة الذي يجب عليه ضمان حرية واستقلال الشعوب والذي وفقا له يجب استبعاد الحرب كوسيلة لحل الخلافات لانها تعتبر وسيلة غير مشروعة.

 

يجب بذل كل الجهود من اجل ان يتم في العلاقات الدولية ضمان سواد معايير القانون الدولي وفي سورية - التسوية المستقرة والطويلة الامد التي تسمح لكل السوريين بالعيش في سلام ومساواة وآمان.

 

Read 626 times Last modified on الجمعة, 17 كانون2/يناير 2014 16:26